عذراً سيدي هذا ما جاد به قلمي

 

خليل الزبيدي

وانأ أحاول جاهداً  أن أمنح قلمي القدرة المطلقة كي يطرز أجمل العبارات  وهو يطوف في العوالم الشاسعة  التي تمكنت من أن تغوص فيها روح علي بن أبي طالب لا أملك إلا أن انحني عند ذكر اسم هذا العملاق الذي سيبقى نبراس الانسانية ومتراسها وعنوان كل فضيلة ومنقبة لها . فما أقول في شخص أخفى أعداؤه فضائله حسداً ، و أخفى أولياؤه فضائله خوفاً و حذرا ، ولأن  تفتخر به امة العرب والمسلمين ، فأن فخر الإنسانية به أكبر لأنه أحد أبرز رموزها العالية التي رسمت لها الطريق السليم ومهدت له بأروع الأقوال والأفعال ، وما نهجه المشبع بأروع القيم وجواهر الكلم إلا دليل على عظمته وعبقرياته المختلفة التي ينفرد بها. لقد عشقته الملايين المعذبة  وارتسمت خطاه ملايين الثوار وهو القائل (يوم العدل على الظالم اشد من يوم الجور على المظلوم ) و( ما جاع فقير إلا بما متع به غني ) . لقد كان عليا امة مستقلة بذاتها تحكي عقلية الدهر التي تعبر عن نضجٍ يجسد خط النهاية من سمو البشرية ، وقمة المجد ، فليس صحيحا أن يقاس مثل هذا الفذ بباقي الأفراد فهو نسيج وحده ، لأن مزاياه قد تجاوزت الحدود المألوفة ، ولأن شخصيته بلغت القمة من الأمجاد والمثل العليا في دنيا البشرية . لقد تحدت مزايا علي عوامل الزمن بقوة لم يعرف لها نظير في تاريخ العظماء حتى أصبحت شخصيته كالشمس التي إذا ما حجبها الضباب أو السحاب ، أو حال القمر بينها وبين الأرض مرة فلن يستطيع ان يحجبها مرات ، ولن يقوى على تغيير جوهرها . لقد ظل علياً أنسانا تمثلت فيه كل عناصر الإنسانية لتخلده ما خلد الدهر مثلا  ً للشهامة والعفة والرأفة والحنان والعدل والأدب الذي ما عرف له نظير بعد أدب القرآن الكريم ، ومثلا ً لعقلية جبارة حار في وصفها الأقدمون ولم تزل مبعث الحيرة إلى الآن وسيبقى أبن أبي طالب موضوع بحث الباحثين في ميادين الحكمة والفلسفة والأدب إلى نهاية عمر البشرية . ان يوم التاسع عشر من رمضان لم يكن اليوم الوحيد الذي رزم علي فيه حقائبه وشد رحاله إلى سفر طويل ، فلقد تهيأ لاعتلاء مطية الموت منذ اليوم الأول الذي تكحلت به عيناه بفيض النبوة ، ومنذ ذلك اليوم والدنيا تطأطئ رأسها بين يديه ، وتلقي بكل جبروتها تحت نعليه .ولا أجد أدق من وصف ضرار بن حمزة الكناني وهو من معاصري علي بن أبي طالب  حين طلب منه معاوية بن أبي سفيان  رأيه فيه بكل صراحة فقال :                   
(( كان والله بعيد المدى ، شديد القوى، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويأنس بالليل ووحشته ، كان غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، وكان فينا كأحدنا ، يدنينا أذا أتيناه ، ويجيبنا أذا سألناه ، ونحن والله مع قربه منا وتقريبه إيانا لا نكاد نكلمه هيبة له ، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله )).
 هنيئا ً لك يا رجل الإنسانية بكل ما كتبته فيك الأقلام ونطقته بحقك الألسن يا من كنت  كالمسك كلما ستر انتشر عرفه ، و كلما كتم تضوع نشره ، و كالشمس لا تستر بالراح ، و كضوء النهار إن حجبت عنه عينا واحدة أدركته عيون كثيرة ، كيف لا … وأنت الجبل الأشم الذي ينحدر عنه السيل ولا يرقى أليه الطير ، كيف لا .. والدنيا بزخرفها كله تتهافت عليك وأنت في كل مرة تدبر عنها ، كيف لا وأنت القائل والله لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا ً، كيف لا ولم تجامل أو تداهن أو تمكر أو تغدر أو تفجر( وأنت تقول والله ما معاوية بأدهى مني لكنه يغدر ويفجر وهيهات مني أن أفعل ذلك ) . لقد أبيت في قولك هذا إلا أن تكون عنوانا ً للمبادئ السامية، كيف لا وقد كانت الشجاعة لصيقة باسمك منذ صباك عندما فديت ابن عمك بالنفيس ، حتى أشتد عودك فكنت الأول في ساحات الوغى تتسابق عليك السيوف والرماح لتنال منك أجلاف العرب ورعاعها من الكفار والمنافقين والناكثين والمارقين والقاسطين ، لكن هيهات ذلك ،كيف تنال منك وأنت تقول ما بارزني أحد قط إلا وقد أعانني على نفسه فكنت أنا ونفسه عليه. كيف لا .. وقد كان الحق عارفا ً لطريقك على غير العادة المألوفة التي يهتدي بها الناس إلى طريق الحق فكان الحق مندمجا ً بنفسك الزكية كاندماج النور في الكأس الشفيف.
كيف لا … وأنت البليغ المفوه الذي حارت بأدبه الألباب والعقول حتى وصفوا بلاغتك بأنها دون كلام الله وفوق كلام المخلوقين، كيف لا.. وقد جسدت الإنسانية في شخصك الكريم فكنت تحنو على الجميع دون النظر إلى معتقداتهم فكانوا بالمعاملة على حد سواء ، كيف لا … وأنت أمير المؤمنين تنزل الكوفة فيقول لك صحبك تفضل يا أمير المؤمنين في قصر الخلافة الذي هيئ لك فتقول جنبوني إياه أنه قصر الخبال لتستقر أنت وأهلك في دار خربة مستأجرة .كيف لا .. وأنت القائل لأحد أصحابك حين دخلت الكوفة خليفة ً للمسلمين والدنيا كلها بين يديك كن الشاهد على حاجياتي هذه وأمتعتي إن خرجت بغيرها عنكم فأنا خائن. كيف لا … وقد شهد لك الأعداء قبل الأصدقاء وأنت ترتجز أحدى خطبك البليغة في المسجد ليقوم أحد الخوارج ويقول لله درك ما أفقهك من كافر .
كيف لا وقد كنت تأكل من الطعام ما جشب ومن اللباس ما خشن وتقول والله لو شئت لاهتديت إلى مصفى هذا العسل والى لباب هذا القمح ولكن لعل في الحجاز أو اليمامة من لا عهد له برغيف الخبز. كيف لا.. وقد كنت تشتري القميصين السنبلانيين فتخير خادمك قنبر أحسنهما وتلبس الأردأ . كيف لا وأنت في آخر ليلة إفطار لك تقول لأبنتك زينب وقد وضعت لك نوعين من الطعام ، بنية أرفعي أحدهما أتريدين أن يطيل وقوف أبيك أمام الله ، فو الله أحب أن ألقى ربي وانا خميص البطن .

‎  لقد ولدت سيدي في بيت الله واستشهدت في بيت الله كرامة ً له ، وتلك مزية انفردت بها إذ لم يولد مولود قبلك أو بعدك في الكعبة ، فالسلام عليك سيدي يوم ولدت ويوم جاهدت وكافحت ويوم مضيت إلى جنات الخلد شهيداً ويوم تبعث حياً على رؤوس الأشهاد و عزائنا بفقدك انك حاضر بيننا دائما فلقد أدمنا ذكرك في كل جلساتنا لأنك محور كل موضوع ومنتهى كل قضية ونحن نعيش في بلدك الجريح الملئ بمدعي حبك وتقليد  نهجك واثقون من براءتك من الكثير منهم فقد كنت حريصا ً في هذا المقال أن لا ألوث أحرفي الذهبية التي نسجها ذكرك العطر بأفعال الكثيرين من الحثالات والإمعات ممن يدعون حبك والانقياد خلف امامتك فباسمك الكريم وانت العنوان الكبير لنا نحن العراقيين بكل اطيافنا ومكوناتنا سنبقى اصواتا رافضة للظلم واقلاما تكتب بالحق ما حيينا مادام صدى ارثك الانساني يقرع اذاننا كل يوم ويقينا منا ان الغمة ستزول عن سماء وطنك عاجلاً ام اجلاً

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close