الاسلام وعلوم الطبيعة[1]

علي الابراهيمي

الرؤية التي يراها المسلمون للعلوم الطبيعية تختلف ، فمنهم من يقصر العلم على المباحث الدينية ، بينما يعممه اخرون أمثال صدر الدين الشيرازي الى جميع المجالات الانسانية حيث يراه مفهوماً تشكيكياً .

ويتمثل معيار العلم المطلوب اسلامياً في كونه مفيداً ، ويكمن معيار الفائدة في الهداية الى الله والتأدية الى رضوانه ، ولا فرق على هذا المستوى بين العلوم الدينية الخاصة وعلوم الطبيعة ، ويمكن ان نحدد سعة مفهوم العلم في الاسلام من الأحاديث الشريفة نظير ” اطلبوا العلم ولو في الصين ” ، ” العلم ضالة المؤمن فَخُذُوه ولو في أيدي المشركين ” . ومن البديهي ان هذه الأخبار لم تلاحظ خصوص المعارف الدينية المحددة ، اذ لا شك في ان الرسول ” ص ” لم يكن ينتظر ان نجد العلوم الدينية في الصين .

وتمسكاً من المفكرين الإسلاميين بمبدأ الارتباط بين عالمي الدنيا والاخرة فهم يَرَوْن حديث علي بن ابي طالب عليه السلام ( ثمرة العلم العبادة ) منهجاً يجب اعتماده في تقييم العلوم المختلفة ، فكل علم يؤدي بصاحبه او المجتمع الى الفساد غير مرغوب فيه مهما كان . فيما يرى أمثال سيد قطب ان العلم الذي يريده القران ليس محدداً باطار واحد ، لكنّه كل علم نافع للبشرية في الدارين معاً ، وبذلك لابد من الإقرار بالأساس الميتافيزيقي للعلم .

لذلك ليس هناك في الاسلام علم مرفوض لذاته ، بل يتم التعامل معه على أساس الواقع الذي ينتجه ومدى علاقته بالحياة المادية والروحية للإنسان ، بمعنى انه قد يُرفض لظروف طارئة .

كما ان الوحي لم يكن يوماً مصدراً وحيداً للمعرفة في الاسلام ، بل يمكن للتجربة والاستقراء والمشاهدة ان تكون مصادراً مقبولة ومحترمة في المنظومة المعرفية الاسلامية . ولانّ المسلمين اعتقدوا ان العلوم الطبيعية المختلفة تعين الانسان على فهم الآيات الآفاقية والأنفسية التي تقود لمعرفة الله فقد اهتموا بها كثيراً في عصر الازدهار الحضاري لهم . من هنا ليست هناك – حسب الرؤية الاسلامية – علوماً دينية وغير دينية ، بل تسير العلوم الطبيعية في طول العلوم الدينية ، وتكون متممة لها .

ان فكرة التوحيد المحورية في الاسلام جعلت العلماء المسلمين يبحثون في الظواهر الطبيعية لإثبات عودة الكثرة الى الوحدة ، وهو الامر الذي عزّزته الدعوة القرآنية لدراسة تلك الظواهر كطريق لمعرفة الله من خلال الاثار ، لا سيما حين اعتبر علماء كبار – مثل البيروني صاحب التركة الكبيرة في العلوم الطبيعية – ان هذه المعرفة الطبيعية نوع من انواع العبادة التي تقرّب من الله ، فيما رأى الأئمة المعصومون القائمون على تبليغ الرسالة السماوية ان ( التفكّر ) من ارقى صور العبادة .

وفي ” رؤية الاسلام للكون والطبيعة ” يمكننا ان نجمل الغايات التي يريدها القران الكريم من دراسة ظواهر الطبيعة او ما يمكن ان نسميها بواعث العلم التجريبي الفكري في الاسلام بمجموعة عناوين : مبدأ الأشياء او بدايتها ، النظام والانسجام بين اجزاء الخلق ، هدفيَّة الطبيعة وغائيتها ، أهمية الانسان وتسخير الطبيعة له وتحذيره من إفسادها ، التدليل على إمكانية البعث والنشور من خلال معرفة خلقية كل ما في الكون ، التدليل على وحدة الخالق من خلال معرفة الوحدة الغير منظورة التي تربط اجزاء هذا الكون وهو من المباحث الحديثة والعظيمة القائمة حالياً .

لاقى البحث حول الوحدة لدى الفيزيائيين الذين تأثروا بعقيدة التوحيد تأييداً شديداً ، بل وحتى من قبل أندريه لينديه عالم الفلك المعاصر الذي لا يعتقد بوجود الله ، حيث يقول : ” ان علم الفلك الحديث متأثر بشدة بعقيدة التوحيد الغربية … ان الفكرة التي تقرر إمكانية تقديم فهم نهائي للكون عبر نظرية للأشياء كلها نشأت عن الاعتقاد بالإله الواحد ” . وهذه الصورة الوحدوية هي التي سعى نيوتن لإثباتها للأجرام السماوية .

ان العلاقة بين العلم والميتافيزيقيا تعاني إشكالاً بنائياً ، بمعنى هل هناك من أساس مشترك بينهما ، ام هل هما كيان معرفي واحد ، ام لا حاجة لاجتماعهما معاً ؟ هذه التساؤلات يجيب عليها بعض الباحثين الإسلاميين المتخصصين في المجالات الطبيعية بطرحه لأربعة استفهامات ومناقشتها . فهو يتساءل عن ماهية العلاقة بين العلم والدين في الاسلام ، ويرى أساساً مشتركاً بينهما ، حيث يهدفان معاً لإيصال الانسان الى الله ومعرفته من خلال اثاره الظاهرة ، كما ان الميتافيزيقيا توجد الحافز الدافع للمعرفة الطبيعية من خلال الحث القرآني لدراسة الآيات الإلهية ، وكذلك يمكن للدين توظيف الجهد العلمي فيما لا يتسبب بالخراب والدمار .

امّا ماهية المصادر المتداولة للمعرفة الطبيعية التي يقر بها القران الكريم كخاتم للكتب السماوية فتتلخص في ثلاثة : المعطيات الحسية ، والتأمل والتدبر ، والشهود الروحي . والأخير لا يتوفر لأي إنسان إنما هو مصدر معرفي مباشر للحقائق الكونية يحظى به من له القابلية المناسبة كالأنبياء بواسطة الوحي او العلماء بواسطة الإلهام .

وعن استيعاب سائر جوانب الكون بواسطة النظريات العلمية السائدة فنخالف الاتجاهات الوضعية والبراغماتية وذات النزعة العملية التي تجعل من الحس مصدراً وحيداً للمعرفة ، حيث نرى ان الحس لا يمكن له ان يكون طريقاً فريداً لنيل المعارف ، كما ان المعرفة الحسية تعاني اشكالية الحدود التي يستطيع الحس بلوغها ، الذي لا يستطيع ان يساعد البشر في الولوج الى عالم الماورائيات والظواهر غير المحسوسة التي لابد من تكوين تصورات ورؤى عنها . ففي الوقت الذي تتعامل فيه المعرفة الاسلامية مع الطبيعة كجزء من حقيقة أوسع رأى بعض الباحثين الماديين ان العلم – الفيزياء او الكيمياء – يستطيع ان يفسّر جميع مظاهر الكون ، وهو الامر الذي خالفه مجموعة من الباحثين المعاصرين أمثال جراح الاعصاب الكندي ( ويلدر بنفايلد ) وعالم الأحياء الانجليزي ( إيكلس ) والفيزيائي الحاصل على جائزة نوبل ( ويغنر ) الذين يَرَوْن ان العقل والحياة حقائق خارج نطاق التفسير العلمي او التطوري حالياً ، فيما يقول المتخصص في المنطق الرياضي ( كورت غودل ) : ( انني لا اعتقد ان الدماغ الإنساني قد تكوّن بطريقة داروينية ، وان ذلك في الواقع أمر قابل للرفض … وتمثل الطاقة الحياتية عنصراً أولياً في تشكيل الكون وهي تتبع بعض قوانين الفعل ورد الفعل ، وهذه ليست بالقوانين الساذجة ) .

ورغم النجاحات التي حققها العلم في القرنين الاخيرين الّا ان سؤال ( هل يتولى العلم بمفرده تفسير الكون ؟ ) لا زال قائماً ، فهو يواجه جملة من الاشكالات المعاصرة ، فقد تم التشكيك اخيراً بقدرة العلم على اجابة الأسئلة الكبرى او النهائية التي يتم طرحها من قبيل الحياة وبداية الخلق ومادته ولماذا نحن هنا وغيرها ، وهناك أسئلة ترتبط بشؤون العلم الخاصة لكنها تُبحث خارجه مثل ما هو مصدر قوانين الفيزياء و لماذا تقع قوانين الطبيعة في دائرة إدراكنا ، وما هو السبب في وجود عالم تسوده تلك القوانين من حيث الضرورة . ان مبادئ العلم يجب بحثها خارجه ، وهنا يرى الاسلام ان العقول خُلقت مع الكون لذلك هي منسجمة معه .

كما ان من الاشكالات ايضاً اننا نتعامل مع العلم والكون وفق فرضيات قَبْلية لا بأذهان خالية مجردة ، لذلك فالمعطيات تكون مسبوقة بالفكرة البشرية . وكذلك فالتجربة الحسية لا تنتج النظرية العلمية الّا بعد استخدام القدرة العقلية الخارجة عن دائرة التجربة ذاتها في إيجاد العلاقة العلّية بين الظواهر الطبيعية ، لان العلم وصفي فقط لا استنتاجي . ومثال ذلك اننا نستخدم توصيفات فرضية ونعطيها قيمة علمية مثل ( الكوارك ) . بل ان مبادئ العلم الاساسية – كعلمية وصحة النتائج التجريبية – هي احكام وفرضيات عقلية خارج العلم . وايضاً يمكننا ان نضع ما قاله ( ماكس بورن ) من ” ان تعميمه في مجال الذرة كان فلسفياً اكثر منه فيزيائياً ” إشكالاً آخراً . فيما ان عملية الوثوق بالعلم تحتاج الى ما هو خارجه أساساً لها .

كما تعرضت بعض مبادئ العلم الحديث العقلية الى جدل وطرح البدائل لها ، فالتطورات العلمية البحثية خلقت تيّارات تنتقد الرؤية الميكانيكية للعالم ، فيما دعت الأزمات البيئية الى إيجاد علاقة مناسبة بين الانسان والطبيعة والتقنية ، وراح مؤرخو العلم يعيدون النظر في المستوى العلمي والعلاقة الدينية العلمية للأمم السابقة ، امّا اهم الجدليات فهي الناشئة عن التيار الذي ينظر للكون بمنحى شمولي ويتوقع وجود ما لا نعرفه من الحقائق والمبادئ الحاكمة في الطبيعة .

ومع ازدياد التطور العلمي يتم الاقتناع اكثر ان العلم غير قادر على تفسير الكثير من الظواهر والعلاقات داخله ، لذلك يرى اليوم الكثير من الباحثين انه يحتاج الى رؤى – من خارجه – لتُتم الصورة المعرفية له .

ان العلم في الاسلام يرتبط بالميتافيزيقيا ويستند الى أساس قيمي حسب الرؤية القرآنية ، وبذلك فللبحث العلمي ضمن الإطار الاسلامي خصائص، منها : التطابق مع مبادئ الوحي والهداية لله والوحدوية ، الانسجام بين اجزاء الكون والرؤية التكاملية التي تجمع بين المادية والماورائية كنسيج واحد ، الغائية ، اخضاع العلم لرؤية شمولية ، البحث في العلل والاسباب غير الحسية او غير المادية ، تعدد مستويات المعرفة ، تناولها العلوم الانسانية غير التطبيقية بعيداً عن منهج المادية او المكننة .

ان اعتماد العلوم الانسانية على منهج العلوم الحديثة ، بدراستها للإنسان كمادة شبيهة بالآلة الميكانيكية ، جعلها عمياء عما يتجاوز ما خلف تلك المادة من روح وعقل ، لذلك تعاني البشرية اليوم نتائج تلك الأخطاء الفرضية ، فتتراجع يومياً عما التزمته من رؤية في المجالات الاجتماعية والنفسية او السياسية او غيرها . والعلم ذاته يشبهه السير ( آرثر أدينغتون ) ب ” شبكة الصيد التي حين يكون حجم ثقوبها ثلاثة سنتيمترات فلا يمكن لنا التوقع ان نرى صيداً بحجم اصغر من هذه الثقوب ” .

[1] قراءة في كتاب ( من العلم العلماني الى العلم الديني) للدكتور مهدي كلشني

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close