الأديب سعدي عبد اللطيف وداعاً

خالد جواد شبيل
جاءني خبر رحيله صاعقا، وحسبت ذلك مزحة أخرجها أحد أصدقائه أو أشاعها هو نفسه الفتى الممراح الطيب سعدي..
عرفته كواحد ممن ألقت بهم الهجمة السوداء عام 78 وما بعدها خارج العراق، وجعلتهم أشتاتا في منافي ملونة بألوان مختلفة لكنها داكنة..
حسبناها سنة أوسنتين وقد تطول ولا تتعدى في أسوأ الاحواال حفنة من سنين، إلا سعدي.. وكم كان صادقاً عفويا وهو يمرح ويدبك الأرض برجليه ويصفق بيدية ويتمايل ذات اليمين وذات الشمال ويصيح: “سوّاها البعث سفرة سياحية ” ثم ينهض الآخرون من مقاعدهم ليشاركوه، فينتشي سعدي بأنه حرّك الجو البارد وجعله ساخناً مفعماً بالضحك، والناس يمرحون بعد وجوم!
في براغ عام 1981 التقيت والديّ وشقيقتي الكبرى، وهناك في الفندق تعارفنا على سيدة وسيد وجوههم ليست غريبة وتم التعارف سريعاً فهم من شارع فلسطين حيث نسكن، وتعرفنا على ابنهم الشاب سعدي الذي طالما كنت ألتقيه في الباصات 47 و46 المفضية لحي 14تموز في بغداد دون أن يكون بيننا كلام أو سلام!
كان خجولاً حين التقيته، وحيث ذهبت الى المقهى الشهير أبوشنيدوم وجدته يتوسط المنضدة مع ثلة من الأصدقاء وكان له القَدْح المُعلّى في الكلام والضحك وهو ينادي عليّ: تفضل، فشكرته وجلست في ركن آخر ! وأنا في عجب، أيعقل أن هذا الشخص الضاحك هو نفسه الخجول..
ثم جاء سعدي بلعباس من الجزائر وكان له حضور مبهج في أمسياتنا التي تضم سعد هندي، سامية الطيار، فاضل السلطاني، لؤي عبد الإله،عزت اسطيفان، د. عماد هندي و د. باسمة الحكيم والراحل وأخرين..كان اللولب سعدي عبد اللطيف فهو قادر أن يضفي على المكان بهجة وحبورا لغنائه المستمر و سيل نكاته الذي لا ينقطع.. وكان قبل أن يلقي النكتة يضحك لها ضحكة طويلة مما يذهب بصبر الآخرين!! وعندما يتعب يستريح ليمرح مع الأطفال كطفل منهم!
كان في الجد والنقاش يبدي ثقافة جيدة ومرونة ديمقراطية..
التقيته في لندن بعد طول فراق وقد احتفى بي كما لو كانت لندن بغداد، فهو يعرفها ويألفها..وحدثني أن كان جالساً في بار ورأى في التلفاز اعتداء على بغداد من طائرة أمريكية فخرج وحده متظاهراً وعرقل المرور، فأخِذ ليبيت في الحجز؛ يقول بعد ساعات جاءتني شرطية جميلة وبكل لطف ـسألتني ماذا تريد يا مستر سعدي من وجبة؟ نباتية أم عادية ؟وما هو طبقك المفضل؟ يقول: فأسقط من يدي ولم أحر جوابا وكان الجواب ضحكة طويلة!!
كان الراحل سعدي عبد اللطيف قارئاً نهماً ينفق الكثير على الكتب والمجلات ولا يهتم بطعامه ولا ملبسه؛ وكان مترجماً جيداً اتسم ببساطة العبارة ووضوحها، فهو أول من ترجم: داغستان بلدي للشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، ونشرها في حلقات في “الفكر الجديد” في أواسط السبعينات واستمر يرفد الصحف والمجلات بترجماته الهادفة..
أشعر بحزن لرحيل الأستاذ المترجم والصديق الحميم المثقف سعدي عبد اللطيف فقد كنت أحسبه أن يكون آخر الراحيلن..
غادرتنا مبكراً ياسعدي.. أما تريثت رويدا؟
وا حزناه!
14 آب 2017

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close