مع انحسار نفوذ أميركا يتمدد النفوذ الصيني

الدكتور مانويل الميدا*-ترجمة: أنيس الصفار
انحسار نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، المرتبط بالازمة المالية العالمية وبما يوصف بمحور الارتكاز الاسيوي والستراتيجية الاقليمية المثيرة للحيرة والارتباك في اغلب الاحيان، لم يخلف وراءه فراغاً. وإن يكن فعل فإنما لفترة قصيرة من الزمن لا اكثر.
ويبدو ان التواجد الاميركي العسكري في المنطقة قد اكتفى بتوجيه معظم تركيزه في هذه الايام على جانب مكافحة الارهاب دون تقديم شيء يذكر في مجال الردع.
بيد ان ثمة لاعباً آخر اكثر خفاء ولكنه بالتأكيد ليس الاقل تاثيراً يواصل التوسع ومد اذرع نفوذه في الخليج ومنطقة الشرق الاوسط الاوسع، ذلك اللاعب هو الصين، حيث كشفت الاسابيع القليلة الماضية مدى تسارع خطوات العملاق الاسيوي وهو يمضي نحو ترسيخ حضوره.
فبمناسبة الذكرى التسعين لتأسيس جيش التحرير الشعبي، التي صادف حلولها في شهر تموز، افتتحت الصين اول قاعدة عسكرية لها خارج البلاد، وكان ذلك في جيبوتي. أعلن حينها ان تلك القاعدة مجرد منشأة لوجستية واجبها تقديم الدعم لمشاركات البحرية الصينية في المهام الانسانية ومكافحة اعمال القرصنة، ولكنها في الواقع تحتل موقعاً ستراتيجياً عند مدخل البحر الاحمر المؤدي الى قناة السويس.
خلال هذا الشهر ايضاً اقرضت البنوك الصينية عمان اكثر من 3,5 مليار دولار، وكان لذلك القرض اهميته الكبيرة في سد العجز المتحقق في ميزانية السلطنة للعام الحالي وخططها التقشفية التي اعقبت هبوط اسعار النفط. من قبل ذلك كان الثقل المالي الصيني، الى جانب الثقلين السعودي والاماراتي، قد لعب دوراً مهماً في رفع الحظر الذي يفرضه برنامج الانقاذ التابع لصندوق النقد الدولي على مصر في تشرين الثاني من العام الماضي.
وفي العام 2016 اصبحت الصين اكبر مستثمر في العالم العربي من خلال استئثارها بنحو 32 بالمئة من الاستثمارات الاجنبية المباشرة هناك (اي ما يعادل 30 مليار دولار تقريباً) في حين لم تسجل الولايات المتحدة، التي تعتبر ثالث اكبر المستثمرين المباشرين في البلدان العربية، سوى 6,9 مليار دولار.
في شهر آب نقلت وسائل الاعلام الايرانية ان المبعوث الصيني الخاص الى سوريا قد قدم الى علي اكبر ولايتي، كبير مستشاري آية الله خامنئي للسياسة الخارجية، خطة تتضمن المشاركة الصينية في سوريا.
وفي شهر آذار انتشرت وحدة صغيرة من الجنود الصينيين داخل سوريا لتدريب الجيش السوري وتقديم المشورة له، بيد ان اسبقيات الصين في سوريا تحولت على ما يبدو عن هدفها الاولي، المتمثل بالقلق على استقرار المنطقة ومن المتطرفين العائدين الى بلدانهم (لاسيما اقلية الايغور من اقليم شنيانغ)، الى اعتبارات جيوستراتيجية واقتصادية اوسع نطاقاً وابعد مدى.
فمع تراجع التوقعات بهزيمة الاسد عسكرياً ذلك التراجع الدراماتيكي تنامت التطلعات لتولي الصين دوراً محورياً في اعادة اعمار سوريا. المشكلة التي تواجهها روسيا وايران حالياً هي انهما طرفان في الازمة السورية التي تبدو عصية على الحل حتى الان. ومع محدودية قدرة هاتين الدولتين على الاستثمار في الاقتصاد السوري تأتي المشاركة الصينية بمثابة خشبة انقاذ، وهي خشبة لها قيمتها لأن الصين لا تبدو شديدة الاكتراث حول ما يثار بخصوص سجل حكومة الاسد.
هذه الرغبة الصينية لأخذ دور في استقرار سوريا، وهو ما يؤكده الخبراء الصينيون، لا يمكن فصله بالتأكيد عن الدور الذي تتوقعه الصين لإيران.
ذلك ان الصين كانت ترى في ايران منذ وقت طويل وسيلة مناسبة لمواجهة النفوذ الاميركي في الشرق الاوسط، ثم لم تلبث ايران ان اصبحت حلقة اساسية في “الحزام الصيني” وما اطلق عليه “مبادرة الطريق”، ثم جاءت الصفقة النووية فأزاحت العقبات المتبقية امام هذا الجزء من الخطة. وفي شهر شباط من العام الماضي، في حدث كانت له رمزيته الكبيرة، تحرك اول قطار بضائع من شرق الصين ووصل الى طهران في اقل من اسبوعين مروراً بكازاخستان وتركمانستان.
كذلك اصبحت الصين بعد الصفقة النووية تؤيد اكتساب ايران العضوية الكاملة في “منظمة شانغهاي للتعاون”، وهو ما كان الايرانيون يسعون اليه منذ سنوات. وتعتبر “منظمة شانغهاي للتعاون” المكافئ والمنافس لحلف الناتو في منطقة اسيا الوسطى.
غير ان من المحتمل ان تنظر الصين، مع تنامي تغلغلها في الشرق الاوسط، الى المنطقة نظرة تتخطى مديات التنافس بينها وبين الولايات المتحدة كقوتين عظميين. هذا الامر قد يثير بعض التساؤلات بخصوص قدرة الصين على التوصل الى توافق مع سياسات ايران في المنطقة، التي يعتبرها البعض من اكبر مصادر عدم الاستقرار هناك.
اول تقرير صيني يتناول سياسة الصين في المنطقة العربية، الذي صدر في السنة الماضية، استهل بالثناء على العلاقات الصينية الطويلة الامد مع الدول العربية كما طرح مبادرات عديدة لتعزيز تلك العلاقات. وقد شدد التقرير على الاهداف المشتركة، مثل صيانة سيادة الدولة ووحدة الاراضي ومكافحة التطرف والارهاب.
بيد ان السياسة الثورية التي تبنتها ايران منذ 1979 فيها تباين حاد مع المبادئ الاساسية للسياسة الخارجية الصينية، والسؤال الان هو: هل سيكون صوت الحزام الصيني ومبادرة الطريق هو الاعلى؟

*عن موقع مجلة يوراسيا ريفيو

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close