ام وحيد ضد الحزب والثورة

كان حلم كباقي أحلام الأمهات الضائعة في غمرة جنون الشرق الاوسط وفوضويته..حلمها الوحيد كما هو اسم وليدها البكر الذي صمد بعد عدة اخفاقات حزينة للاحتفاظ بالجنين حتى ولادته وللناس فلسفة متميزة في تفسير الاحداث…فمنهم من يقول بسبب حركتها الدائمة في العمل ومنهم من صنّفها كعقاب الهي لنذر لم تف به للامام واكثرهم فطنة وعبقرية اوعزها لزواج الأقارب ، حلم دفعت في سبيله الكثير من صحتها وعافيتها وماتدخره من صدقات شبه اجبارية ممن يرزقون ابناءا ذكورا او شفاء او مغادرة مريض من المشفى الذي تعمل فيه ” فراشه ” سومرية ورثت صفاء الوانها وروعتها من جنوب العراق، جمال روحها ورشاقتها في تفادي الخطوب وصلابة الحياة التي رمّلتها مبكرا لتقعد كدجاجة مخلصة على بيضة واحدة ماتبقى من العمر .فالسومرية في بلادنا محرم عليها أن تعيش او ان تتزوج بعد زوجها وان هي فعلت فالعار سيلاحقها كظلها حتى الموت بتهمة تعدد الازواج.

حلمها أن يصبح ابنها طبيبا يعالج الفقراء أمثالها في مدينتها البائسة والمتعبة التي يغسلها الغبار بكرة واصيلا مدينة كتب الله عليها في لوحه المحفوظ أن تبقى تنزف دون مقابل وتموت من أجل لاشيء، يسوقها القائد للحتوف بقلب عامر بالايمان.

اكمل وحيد مراحله الدراسية بتفوق ليدخل الى كلية الطب, كان انجازا كبيرا ومفرحا جعل ام وحيد تضاعف الجهد والعمل كي توفر لابنها كل مصاريف الدراسة , فهي مازالت تتذكر كيف كانت تقضي الليالي والايام للعناية وتقديم الخدمات الاضافية لبعض المرضى لينقدها ذويهم اوقات الزيارة ماتيسر من نقود قد تصل الى خمسة او عشرة دنانير من العوائل الميسورة في نزوات الكرم المفاجىْ, ورغم ماترافق العملية من سطوة ذل السؤال والتلميح لأهالي المرضى احيانا ممن يمارس دور المتغافل او المنشغل بايماءة فرك الابهام والسبابة لهم مع ابتسامة خجولة وشرح مفصل لجهودها الجبارة التي بذلتها من اجل مريضهم الا ان سعادتها بجمع مبلغ محترم في نهاية كل شهر كانت لاتوصف ,وتمنحها رضى وافر بانها تفعل ذلك من اجل وحيد وليس لها , معاهدة نفسها في كل مرة تمسح عرق الحياء فيها بعد ان تدسّ النقود في عبّها بانها ستعيد كل هذه الاموال الى الفقراء بعد ان يتخرج وحيدها ويعمل ربما في نفس المشفى الذي تعمل فيه كما كانت ترجو, لتفتخرامام زميلاتها ومرؤسيها بثمار جهدها وتعبها كونها المعيل الوحيد له بعد وفاة ابيه.

صوت ضحكته المجلجلة في رواق المستشفى مازالت ترن في اذنيها وهو يطبع بغنج طفولي قبلة على خدها امام الجميع وهي تردد ” يمه عيب انت دكتور واني فراشه” بالبيت يمه… بالبيت اني امك مو هنا.. يمه عيب مناه الناس…. فيرد وهو يضحك ومن غيرك انتي ايتها الجنوبية الرائعة صنع هذا الدكتور؟ كان يصرعلى ضمّ كفها المتغضن الى صدره ليلثمه مرارا عند دخولهم المشفى صباح كل يوم وقبل ان يفترقا كلاهما الى مكان عمله في البناية…صار وحيد طبيباً وشاءت الاقدار ان يتعين في نفس المشفى…يالها من مصادفة طيبة جعلت الحلم اكثر بهاءا وروعة.

مازالت هذه المسكينة تعيش ذكريات الحلم الذي انقضى بسرعة عجيبة وهي تعيد كل يوم تفاصيل حياتهما منذ ولادته حتى يوم اعتقاله وهو برفقة اصدقاءه في احدى الليالي الباردة في مدينة الثورة ,عندما كانت تتنظره بعد منتصف الليل ليعود لفراشه حتى تستطيع ان تغمض عينيها وتستقر روحها وتغفو بسلام, لكنه لم يعد ,جاءوا بعدها ليفتشوا في غرفته واخذوا معهم بعض من مقتنياته الخاصة , كتبه,صوره ورسائله… لم يدم الامر طويلا حتى جاءها احد منتسبي جهاز الرعب ” الامن ” العام ليخبرها بان ابنها الخائن المدعو وحيد عبد لازم قد تم اعدامه لانتسابه لحزب الدعوة العميل وعليها ان لاتقيم اي عزاء والا ستتعرض للمسائلة القانونية وهذه الوثيقة تؤيد ذلك, ووضع في يدها المرتجفة ورقة صغيرة أُختزل فيها كل تاريخهم ومعاناتهم وقهرهم وحتى انسانيتهم.

رصاصة بليدة مرت في جوف ذالك الليل … هناك في اقبية جمهورية الموت وبمرسوم دموي متوحش استقرت باحشاء الحلم المجهض قبل ولادته , فهو محكوم بقرار تاريخي من هيئة الرجولة المهزمة في مضايف التأمر القبلي ومصادق عليها باعراف الجُبن العشائري الرخيص,هكذا وبدون مقدمات يتم اغتيال الحلم ولاتفه الاسباب , كانت تتمنى انها كانت هناك شاهد على الفاجعة, مرت بخاطرها صفير الاطلاقة المندفعة باتجاه قلب العالم, صلابة نحاسها وهي تخترق مسامات صدر وحيدها الجميل توجع قلبها وتشعل النار في جوانحها , ترى هل نثر اصطدامها ذؤابات شعره الناعم على جبهته , ترى هل صرخ ” يمه ” قبل ان يفارق الحياة ؟ هل قال شيئ عني ؟ هل طلب رؤيتي!!؟ اسئلة كثيرة تزدحم في خاطرها دون اجابة وهي تواجه هذا المصير المخيف لوحدها ,أُعدم وحيد لان اجهزة القمع الحكومي كانت مؤمنة بانه ضد الحزب والثورة, وأَعدم الحزنُ حياة امه الفقيرة لانها كانت ام لشاب في مقتبل العمر يقولون انه كان ضد الحزب والثورة!! وتردد في الازقة المجاورة قول , انهم اعدموه لانه كان ضد الحزب والثورة!!!.

عباس العزاوي

31.8.2017

,
Read our Privacy Policy by clicking here
×

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close