لماذا الترکيز على الاستفتاء الکردي فقط؟

سعاد عزيز
توزعت الهموم المتباينة على دول المنطقة و العالم من جراء الاستفتاء الذي جرى في اقليم کردستان العراق، وکان هناك قاسما مشترکا بين هذه الدول يتعلق بکون هذا الاستفتاء يساهم في تهديد الامن و الاستقرار في المنطقة و يزعزعه، وحقا إن هذا المبرر له أهميته و قيمته الاعتبارية القصوى ذلك إنه لو تم مس أمن و إستقرار أية دولة فإن ذلك سينعکس بالضرورة على مجمل أوضاعها وهذا ماسيٶثر على سير الامور فيها، لکننا نتساءل: هل إن الاستفتاء الکردي لوحد‌ يهدد أمن و إستقرار المنطقة؟
دول المنطقة التي تبنت معظمها موقفا متشددا من الاستفتاء، لکن الموقفين الايراني و الترکي کانا متميزين الى أبعد حد ضد الخطوة الکردية، ولاسيما الموقف الايراني الذي إنبرى أکثر من مسٶول له للتحدث عن الآثار السلبية للإستفتاء على أمن و إستقرار المنطقة، وبطبيعة الحال فإن لهذه المواقف مبرراتها و مسوغاتها التي يمکن تفهمها من جانب دول المنطقة ماعدا إيران، التي لايحق لها لأکثر من سبب أن تتحدث عن الامن و الاستقرار في المنطقة و تزعم بحرصها عليه، ذلك إنه إذا ماکان للإستفتاء الکردي آثار و تداعيات و تهديدات مستقبلية”محتملة” على أمن و إستقرار المنطقة، فإن ماقامت و تقوم به إيران من تدخلات في المنطقة، والتي أحد نتائجها و إنعکاساتها و ردود فعلها هو هذا الاستفتاء، له تأثيرات و تداعيات عينية قائمة منذ العقد الثامن من الالفية المنصرمة، فهل يمکن تسويغ أو تبرير بل و حتى تجويز العبث الايراني بالامن و الاستقرار و منعه و حظره و تحريمه على الآخرين في المنطقة؟
الدموع التي تذرفها إيران على الامن و الاستقرار في المنطقة الذي تزعزع في المنطقة بسبب من الاستفتاء الکردي، تشبه تماما دموع التماسيح، فإيران عودتنا دائما أن تصطاد في المياه العکرة، ومثلما لها خبرة و ممارسة و باع طويل في إختلاق المشاکل و الازمات و الفتن و الفوضى، فإن لها باعا أطول في مجال إستغلال الفوضى الناجمة عن إنعدام الامن و الاستقرار لتحقق أهدافا و غايات و مکاسب خاصة، وقطعا فإنه کما إستفادت من کل المشاکل و الازمات التي مرت بالعراق بعد الاحتلال الامريکي له و عززت من نفوذها و هيمنتها على هذا البلد، فإنه ستقوم حتما بإستغلال قضية الاستفتاء لتمرير مخططات أخرى لها و تحقيق أهدافا أعدتها قبل الاستفتاء.
الخطر الايراني القائم على الامن و الاستقرار في المنطقة، يجب أن تکون عملية الاستفتاء الکردي دافعا و عاملا لإثارته و طرحه على طاولة البحث، ذلك إن إيران و من خلال الاحزاب و الميليشيات التي شکلتها في المنطقة بدءا بحزب”الشيطان” في لبنان و مرورا بالميليشيات الشيعية في العراق و أخيرا و ليس آخرا ميليشيات الحوثي في اليمن، تعبث وقتما تشاء مصالحها المشبوهة بالسلام و الامن و الاستقرار، وقد صار واضحا بل وحتى بديهيا من إن کل هذه الاحزاب و الميليشيات التابعة لإيران، إنما هي أذرع لها تعبث علنا ليس بالامن و الاستقرار في هذه الدول فحسب وانما حتى بسياداتها الوطنية.
موقف المنطقة بشکل خاص و العالم بشکل عام، من قضية الاستفتاء الکردي على خلفية تأثيراته و تداعياته السلبية على الامن و الاستقرار في المنطقة و العالم، يجب أن يقود بالضرورة الى بحث التأثيرات الضارة للتدخلات الايرانية في المنطقة على الامن و الاستقرار في هذه الدول بل وحتى إن التبرير الذي طرحه رئيس الاقليم الکردي لإجراء الاستفتاء هو إن الحکومة العراقية حکومة دينية طائفية و ليست مدنية، وبغض النظر عن کل شئ فإن کلامه صحيح، ويعلم القاصي قبل الداني بأن إيران تقف وراء ذلك، ونتساءل مرة أخرى؛ لماذا لايبادر العالم وقبلها المنطقة للوقوف بوجه العبث الايراني بالامن و الاستقرار؟
المنطقة و العالم إذ هما يعيشان هاجس التدخلات الايرانية و إستمرار تأثيراتها و تداعياتها السلبية يوما بعد يوم، فإن من حقهما البحث عن مخرج و حل لهذا الهاجس و قطعا فإن هناك فرصة أکثر من مناسبة لرد الصاع صاعين الى إيران و حصرها في زاوية حرجة و ضيقة على حد سواء، ذلك إن تقرير الامم المتحدة بشأن حالة حقوق الانسان في إيران الصادر في 4 أيلول 2017، قد تناول ولأول مرة مجزرة عام 1988، الخاصة بإعدام 30 ألف سجين سياسي إيراني کانوا يقضون فترات محکومياتهم طبقا لأحکام قضائية صادرة من المحاکم الايرانية، حيث جاءت فتوى للمرشد الاعلى الراحل خميني، لتلغي کل تلك الاحکام و تبدلها الى أحکام بالموت. زعيمة المعارضة الايرانية، مريم رجوي، التي کانت من خلال حرکة المقاضاة التي تقودها منذ سنة، وراء وصول هذه القضية الى الامم المتحدة، فإنها حققت خطوة هامة على طريق تدويل هذه المجزرة علما بأن منظمة العفو الدولية إعتبرت حينها هذه المجزرة بمثابة جريمة ضد الانسانية و يجب محاکمة مرتکبيها، ولاشك من إن هناك خطوة أخرى بالغة الاهمية يتوقع إجرائها أمميا في حال صوتت الدول لصالح ذلك وتتعلق بإدانة إيران لإرتکابها هذه الجريـمة إذ إن ذلك من شأنه أن يمهد الطريق أمام المطالبة بإستصدار أحکام قضائية دولية لملاحقة القادة و المسٶولين الايرانيين المتورطين في هذه الجريمة، ولايمکن إعتبار تحقيق هکذا أمر بقضية مستحيلة أو بعيدة المنال بل إنها ممکنة و ممکنة جدا لو تظافرت الجهود الدولية و الاقليمية فإنها ستقود لإحداث إنقلاب جذري في مسار الاحداث و التطورات المتعلقة بالاوضاع في إيران، وإن الکرة الان في ملعب المنطقة و العالم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close