يوم هبطت طائرة الخميني في طهران!

سعاد عزيز
عندما أسقطوا تمثال الرئيس السابق صدام حسين و صار العراق رسميا تحت الاحتلال الامريکي، قيل الکثير عن”العراق الجديد”، وعن الحرية و الديمقراطية و الرفاه الذي سينعم به في ظل العهد الجديد، لکن وبعد مرور أقل من عقد على العهد الجديد، صار المتابع يلاحظ تکرر عبارات الترحم على عهد صدام حسين و حتى حالة من الحنين إليه، والملفت للنظر بأن هذا الحنين قد شمل حتى قسوته و بطشه، فمالذي حدث؟
المشکلة التي واجهتها ماوصفوه بالعملية السياسية ومنذ البداية هو إن البعد الفئوي و العرقي و الطائفي ظل مهيمنا عليها بقوة حيث کانت السمة السائدة لکل التيارات و الاطراف السياسية هي في تغليب المصلحة الخاصة على العامة، وبمعنى آخر المصالح الفئوية و العرقية و الطائفية على المصلحة الوطنية، وصارت معظم الاطراف و التيارات تتحرك و تمارس نشاطاتها بمنطق الربح و الخسارة، وکل هذا کان يجري في ظل تقاسم دولي و إقليمي للعراق إنعکس على القوى و الاطراف السياسية بوضوح.
في خضم الاوضاع السائدة في العراق، کان هناك دائما دور أکثر من بارز للتأثيرات الخارجية، رغم إن الغلبة و اليد الطولى کانت لإيران، والسبب الاساسي کان في القوى السياسية الشيعية التي عادت أغلبها من هذا البلد بعد أن یم إختراق معظمها بل وحتى إن قوى و أطرافا عراقية غير شيعية لم تنجو هي الاخرى من النفوذ الايراني فخضعت هي الاخرى بصورة أو بأخرى له وبطبيعة الحال فإن التغلغل الايراني المستمر في مختلف مفاصل الدولة العراقية، قد غير من سياق و منحى العلاقات التي کان يرتبط بها مع العالم الخارجي، فبعد أن کان العراق و طوال العقود المنصرمة يمنح الاولوية لعلاقاته مع العالم العربي، فإنه وفي ظل النفوذ و الهيمنة الايرانية صارت هذه العلاقات لاتحظى أبدا بالسياق السابق بل وحتى صارت ثانوية و مهمشة، وهو ماکان ولايزال له ردود فعل بصور مختلفة على الاوضاع في هذا البلد.
العراق الذي کان الى فترات قريبة يعتبر القلب النابض للعالم العربي و يحتل دورا رياديا مميزا، ليس بإمکان الشعب العراقي و لا الشعوب العربية الاخرى أن تهضم و تستوعب إبعاد و تهميش العراق عن محيطه العربي، خصوصا وإن هذا التهميش يرافقه جهدا للتشکيك بعلاقاته مع العالم العربي و إعتبارها سببا لإنعدام الامن و الاستقرار فيه، وهو أمر يجري تسويقه بمختلف السبل و الطرق.
علاقات العراق مع العالم العربي و لأسباب کثيرة متعلقة بالعرق و التأريخ و المصالح المشترکة و الدين و غيرها، تعتبر ذات قيمة إعتبارية خاصة للعراق و ليس بالامکان التخلي عنها أو تهميشها في ظل أية عوامل أو مبررات أو ظروف کانت، لأن هذا الامر يسبب إختلالا في التوجه الجمعي للشعب العراقي وإن إعادة العراق الى محيطه العربي وفق السياق التقليدي المألوف و الذي جبل عليه طوال القرون الماضية، من شأنه أن يخدم الاوضاع في هذا البلد و يعيد التوازن و الامن و الاستقرار إليه، وإن التأريخ نفسه أکبر شاهد على إن الحقب التي تم فيها إبعاد العراق عن محيطه العربي کانت غير آمنة و لم يشعر العراقيون فيه بالاطمئنان و الراحة و العکس صحيح، وإن العمل على جعله قاعدة من أجل تنفيذ المشروع الايراني بفقامة إمبراطورية دينية يعني تطور طارئ و سلبي للغاية ولايمکن أن يتفق مع المعدن العراقي، خصوصا وإن هناك ثمة قناعة باتت تسري بين العراقيين ترکز على إن البلاء و المصائب قد إنهال على رٶوس العراقيين منذ هيمن النفوذ العراقي عليهم فيما هناك آخرون يعتقدون بأن البلاء و المصائب قد نزلت على المنطقة کلها منذ اليوم الذي هبطت فيه طائرة الخميني في طهران!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close