لتکن مواجهة إيران في داخلها

سعاد عزيز
هناك مفارقة مثيرة للسخرية الى أبعد حد، ويتجسد في التدخلات الايرانية السافرة في بلدان المنطقة ذلك إن إيران وبعد أن تثبت رکائز و دعائم تدخلاتها، تقوم فيما بعد بالدفاع عن هذه التدخلات بإعتبارها تمثل الشرعية القائمة، ولعل ماقد عبر عنه القائد العام للحرس الثوري الايراني، محمد علە جعفري من سرور بقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على يد ميليشيات الحوثي المتآمرة على الشعب اليمني و التابعة لإيران، معتبرا إن ماقامت به هذه الجماعة المتمردة بأنه”القضاء على الانقلاب الذي دبر ضد الحوثي” يأتي في سياق دفاع إيران عن الاوضاع الشاذة التي تختلقها في المنطقة و من ثم تدافع عنها بإعتبارها الشرعية القائمة!
هذا الموقف الاستفزازي لجعفري، تزامن موقف إستفزازي آخر عندما حذر علي شمخاني، أمين المجلس الاعلى للأمن القومي الايراني، من المساس بالحشد الشعبي في العراق، في وقت تدعو فيه أغلب الاطياف السياسية العراقية بما فيها الشيعة أنفسهم، بحل ميليشيات الحشد الشعبي بإعتبارها تشکل خطرا على الامن و الاستقرار في العراق کما إن الحاجة إليها قد إنتفت بعد القضاء على داعش، ويکمن سر و اساس التمسك الايراني بهذا النهج المشبوه، في إبقاء المواجهة القائمة بين النظام الحاکم و خصومه و أعدائه خارج حدوده.
استراتيجية مواجهة الاعداء و الخصوم من جانب طهران خارج الحدود الايرانية، يأتي بالاساس خوفا من التأثيرات و التداعيات الجانبية للمواجهة مع الخصوم فيما لو وقعت داخل الحدود و تحديدا في العاصمة طهران و المدن الاخرى الکبيرة نظير اصفهان و شيزار و کرمانشاه و غيرها، فالقادة و المسٶولون الايرانيون صاروا يعملون علم اليقين بمدى کراهية و رفض الشعب الايراني لهم، خصوصا بعد إنتفاضة عام 2009، التي شاهدوا فيها بأم أعينهم موقف الشعب الايراني منهم و الذي کاد أن يطيح بهم لولا تخاذل الموقف الدولي عموما والامريکي خصوصا تجاه دعم و مساندة الشعب الايراني.
منذ فترة طويلة تدعو المعارضة الايرانية النشيطـة المتمثلة بالمقاومة الايرانية الدول الغربية عموما و بلدان المنطقة خصوصا الى دعم نضال الشعب الايراني من أجل الحرية و الاعتراف بها کطرف معارض للنظام و يسعى من أجل تحقيق أمان و طموحات الشعب الايراني، وقد تسنى لي خلال حضوري في احدى المٶتمرات التي تقيمها المقاومة الايرانية في باريس أن أسأل أحد المسٶولين عن أهمية و تأثير الاعترافين الدولي و الاقليمي بنضال الشعب الايراني و بالمقاومة الايرانية نفسها، فأکد لي بأن سر نجاح النظام الايراني لحد الان من حيث بقاء و إستمرار نفوذه في بلدان المنطقة يأتي من کونه يسعى دائما لبقاء المواجهة مع الاعداء و المناوئين خارج إيران، وإن عزل الشعب الايراني و المقاومة الايرانية عن بلدان العالم و المنطقة هو أمر يخدم مساع النظام بهذا الاتجاه، ولکن في حال قامت بلدان العالم و المنطقة بتغيير هذا الاسلوب فإن الاوضاع في داخل إيران ستتغير الى حد کبير و سيشهدون أحداثا و تطورات غير مسبوقة.
اليوم، وبعد أن إغتال عملاء إيران الرئيس اليمني السابق، و بعد أن تمادوا کثيرا في دورهم فە سوريا و إصرارهم على البقاء هناك حتى بعد إنتهاء کل شئ، الى جانب مايفعلونه في العراق و لبنان، فإن الحاجة قد صارت أکثر من ملحة لتغيير إستراتيجية المواجهة ضد إيران و نقلها الى داخل إيران نفسها!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close