ألإقـتـصـاد ألروسـي وألإقتصاد ألعراقي … مقاربات مقتضَبة

د . عبد علي عوض
عندما يتناول أي متخصص بألشـأن ألإقتصادي دراسة وتحليل أية ظاهرة إقتصادية في بلد ما، فإنه يَجنَح إلى أسلوب المقارنة بين تلك ألظاهرة مع مثيلاتها في ألبلدان ألأخرى. ونظراً لتشابه مؤشرات واقع ألإقتصاد ألروسي ألحالي مع مؤشرات ألإقتصاد ألعراقي لِما يعاني منه ألإقتصادان من عمليات تخريب ممنهج ومنظّم وفسـاد مستشـري، نجد من الضروري إجراء المقارنة بين إقتصادي ألبلدين.
بعد تفكّك ألإتحاد السوفيتي عام 1991 وألتخلص من نظام البعث ألدكتاتوري في ألعراق عام 2003، إنتشرَت ظاهرة ألنهب ألعام ألمُباح وألفساد وتبوّء أناس من ألدرك ألأسفل للإدارة في كِلي ألبلدين. لكن على صعيد السياسة ألخارجية ألروسية، نجحَت إدارة بوتين بإستعادة ثقلها وهيبتها دولياً، وإنتهت مرحلة هيمنة ألقطب ألواحد( ألولايات المتحدة ألأمريكية)، ونجحت على صعيد ألعلاقات ألإقتصادية الدولية بإبرامها عدة عقود في مجالات تصدير ألأسلحة وألقمح وبناء ألمحطات ألكهروذرية وزيادة معدلات تصدير ألنفط وألغاز… وفي ألعراق، نجحَ رئيس الوزراء حيدر العبادي بكسر طوق ألعزلة ألإقليمية والعربية ألتي كان يعاني منها ألعراق بسبب النهج الطائفي ألمتطرف لسابقة/ صاحب المشروع ألإسلامي/ ألمالكي، وبفضل ألسياسة الجديدة، أعلنت بعض دول ألخليج إستعدادها للمشاركة بإعادة إعمار ألعراق وبناء مشاريع إستثمارية أنتاجية تعود بألنفع على الجميع.
أما واقع ألإقتصاد الروسي داخلياً، فيبيّن حجم ألكارثة ألتي حلَّت بروسيا ألتي تُعتبَر أحد أغنى بلدان ألعالم بموارده الطبيعية وألبشرية وألمادية، ولنرى بعض ألمؤشرات بألأرقام:
تمتلك روسيا (11,5 % ) من المساحة اليابسة عالميا , وتشكل 2% من سكان العالم , ولديها احتياطي نفطي يشكل (14,5 %) من الاحتياطي العالمي , ولديها 40% من الأحتياطي العالمي من الغاز , وتمتلك 25 % من المياه الصالحة للشرب في العالم , وتمتلك 25% من الغابات في العالم , و (9%) من الحقول المحروثة في العالم , والدولة الاولى في تصدير الماس …. وفي عام 1987 كان الناتج المحلي الاجمالي لروسيا السوفياتية فقط يشكل نسبة تتراوح ما بين 37-40% من الناتج المحلي الاجمالي للولايات المتحدة الامريكية ,أما روسيا الاتحادية فانها تشكل اليوم نسبة تتراوح مابين 10-12% من الناتج المحلي الاجمالي لامريكا. في عام 1987 بلغ عدد المدارس نحو 70 الف مدرسة وعدد الدارسين فيها نحو (23) مليون طالب ,أما في عام 2015 كان عدد المدارس (44.8) الف مدرسة يدرس فيها 14.4 مليون طالب.
وكان يعمل نحو (24) مليون مهندس وعامل فني في القطاع الصناعي، وفي عام 1992 تقلص العدد الى (11) مليون مهندس وعامل وفني بسبب تنفيذ برنامج الخصخصة ,وفي عام 2014 تقلص العدد الى (3) مليون مهندس وعامل فني يعمل في القطاع الصناعي الروسي. وخلال السنوات الثلاث (2013-2015) انخفضت الأجور بنسبة 35% والمرتبات التقاعدية بنسبة 35%. وبسبب تطبيق ما يسمى بالأصلاح الاقتصادي ,انخفض الأنتاج في القطاعات الانتاجية مابين 60-90% ,كما انخفضت انتاجية العمل نحو (2) مرة ,وبلغت نسبة الأندثار في القطاعات الاقتصادية وخاصة الأنتاجية مابين 55-90% ,وانخفض الناتج المحلي الأجمالي خلال الفترة 1992-2006 بنحو ( 2 – 4 مرات) .
اما القطاع الزراعي ,فقد حلت بهِ الكارثة الحقيقية، حيث أصبحَت ما بين 35-40 مليون هكتار متروكة وغير مزروعة ,وتستورد روسيا سلع غذائية بمعدل 60% من حاجتها، وخلال الفترة 1992-2004 اختفت (13) الف قرية في الريف الروسي، وان 80% من الآلات والمعدات تحتاج الى استبدال والقطاع الزراعي يحتاج الى تخصيصات مالية نحو 20% في حين يتم تخصيص 1% فقط ,وبلغت نسبة المشاريع الزراعية الخاسرة لعام 2004 نحو 50% في حين بلغت هذه النسبة في ظل السلطة السوفياتية نحو 3% لعام 1990.
خلال الفترة 1992-2002 استحوذ (15%) من الأغنياء الروس على (85%) من الدخل القومي وزاد عدد المليارديرية من 6 ملياردير عام 1997 الى 60 ملياردير عام 2007 والى 200 ملياردير عام 2015 ,وليس غريبا ان تكون الكلفة الشهرية لأطعام حيوان حراسة الاوليكارشية الروسية يساوي (4500) دولار ,في حين يساوي راتب البروفيسور الشهري 450-500 دولار؟! .
حسب تقديرات مجلس الدوما (البرلمان) بلغت الخسائر المادية للشعب الروسي بسبب تنفيذ برنامج الخصخصة للفترة (1992-2005) نحو (2) تريليون دولار اي اكثر مما خسره الشعب السوفياتي في حربه العادلة ضد المانيا الفاشية بـ (2.5) مرة ,وخلال الفترة (1992-2004) تم بيع (500) مؤسسة صناعية كبرى بـ (7) مليار و200 مليون دولار ,في حين قدرت قيمتها الحقيقية بتريليون دولار ,وتبلغ دورة راس المال (الاقتصاد المافيوي) او “اقتصاد الظل” في موسكو فقط نحو تريليون دولار. ومن نتائج سياسة العلاج بالصدمة (1992-1999) وتطبيق النهج الإصلاحي لليبرالية ألجديدة ( نيوليبراليزم)، فقدَت روسيا اكثر من (20) مليون شخص كمهاجرين، وتم تهريب اكثر من (3) تريليون دولار تعمل لصالح الاقتصاد الراسمالي الغربي، وبسبب هذا النهج تم تصفية واغلاق اكثر من (100) الف مؤسسة انتاجية في روسيا.
ان روسيا ليست بحاجة الى الأستثمارات الأجنبية أصلا ,فهي دولة غنية في مواردها المادية والبشرية ,فلو تم إستثمار تلك الموارد وبشكل عقلاني ووفق رؤية استراتيجية إقتصادية وطنية وتم تطبيق القوانين الصارمة بهدف منع هروب رؤوس الأموال للخارج ومحاربة جادة لظاهرة الفساد المالي والادراي والتي أصبحت اشبه بمرض السرطان يفتك بالمجتمع والاقتصاد الوطني لما آلَت إليه ألأمور من سوء بحيث بلغَت الأموال المهربة الى خارج روسيا للفترة (1990-1997) نحو 7 تريليون دولار , فكم بلغت الاموال المهربة خلال الفترة (1998-2016) ؟؟ اما الخسائر المادية بسبب هجرة العقول للفترة المذكورة فقد بلغت نحو (800) مليار دولار. وخلال فترة ما يسمى بالاصلاح الاقتصادي (1992-2016) زادت عملية تهريب رؤوس الاموال السنوية الى خارج روسيا من 150-200 مليار دولار سنويا , ,وبلغ اجمالي قيمة مشتريات الحكومة الروسية للأوراق المالية لعام 2015 نحو (91.2) مليار دولار ,كان الأفضل والأجدر بالحكومة الروسية ان تستثمر هذه الأموال في تطوير قطاعي الزراعة والصناعة بهدف تلبية حاجة السوق الداخلية ومعالجة البطالة وخاصة وسط الشباب ,ولكن سطوة ألأوليغارشية أقوى …؟!.
وعلى صعيد ألواقع ألعراقي:
— في مجال البُنى التحتية للقطاع ألمدرسي، يحتاج ألعراق حالياً إلى أكثر من ( عشرة آلاف مدرسة) للتخلص من ظاهرة الدوام المزدوج وألثلاثي، ولكن نعلم جيداً بقضية ألفساد ألخاصة بألهياكل ألحديدية لبناء ألمدارس.
— تحوم محاولات دعاة اللبرالية الجديدة لخصخصة مصانع ألقطاع الصناعي ألعام ( 115 مصنع) وبيعها برخص ألتراب… مع ألعلم كان ولايزال بألإمكان تحديث تلك المصانع وجعل منتجاتها منافسة للمنتوج ألأجنبي، إضافةً إلى عدم ألجدية لإحياء ألقطاع ألخاص وألقطاع ألتعاوني.
— بلغت المبالغ ألمسروقة من قِبل أحزاب ألسلطة وألمخصصة لإنجاز 9000 آلاف مشروع 228 تريليون دينار/ هذا ما أعلنته عضو مجلس النواب د. ماجدة ألتميمي/ وهذا المبلغ يعادل 198 مليار دولار!؟… أي أنّ تلك المشاريع وهمية ومجرد حبر على ورق. وألمبلغ ألمذكور لا علاقة له بألمليارات ألمهربة عن طريق نافذة بيع ألدولار.
— في ألقطاع ألصحي: إنتشرَت ألمستشفيات ألخاصة بألتوازي مع تردي ألخدمات في ألمستشفيات ألحكومية العاجزة عن توفير الخدمات لشريحة الفقراء ألذين أصبحوا فريسةً لجشع ألأطباء.
— في ألقطاع ألزراعي: إنتشرَت ظاهرة تجريف ألأراضي ألزراعية وتحويلها إلى عرصات سكنية وألجهات ألحكومية واقفة تتفرج وغير مستعدة لتطبيق قانون ( ألرقبة). إضافةً إلى ظاهرة ألمماطلة بتسليم ألفلاحين لمستحقاتهم ألمالية لقاء تسليمهم إنتاجهم من الحبوب، وتلك ألسياسة يُراد منها إجبار ألفلاح على تركه مهنة الزراعة لكي يتسنى للتجار الطفيليين إستيراد ما يحتاجه ألعراق من حبوب.
— هجرة العقول ألعراقية ( ألثروة ألعلمية) إلى خارج ألعراق مع عدم ألسماح للكفاءات العلمية ألمتواجدة بألخارج للعودة لخدمة بلدهم.
إنّ ألحال المأساوي بألعراق لن يتغيّر بتغيير أسماء ألقوى ألسياسية ألجاثمة على السلطة ألتي مارسَت الفساد قبل إحتلال داعش لثلث مساحة ألعراق… فلا سبيل أمام ألعراقيين لبناء ألعراق سوى ألتخلص من تلك ألمافيات ألسياسية بإعادتها إلى بالوعات دورات المياه حتى تُطوى صفحة مظلمة من تاريخ ألعراق.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close