اليقظة اللغوية؟!!

التقدم بحاجة إلى لغة معاصرة والتأخر يتنازل عن اللغة , والمجتمعات المتقدمة تولي لغاتها أكبر الاهتمام , لأنها العنصر الأساسي للتعبير عن التقدم والمواكبة وتحقيق السبق الحضاري ,
فبدون اللغة لا يمكن للإنسان أن يشارك بدقة ووضوح أخاه الإنسان بما يفكر به ويراه ويتطلع إليه.
فاللغة هي التي تحدد معالم السلوك والتفاعل ما بين أبناء المجتمع وترسم ملامح شخصيتهم وتؤكد هويتهم ، وحالة أي مجتمع تتناسب ودورلغته وموقعها في الحياة وقدرتها على تحقيق الأماني والغايات.
ولا يمكن لأية لغة أن تتفاعل مع زمانها إذا كان أهلها مندحرين في السوالف ومتفاعلين مع أجداث البعيد.
وفي العالم المتقدم تجد النشاطات التي يعيشها قد تفاعلت مع اللغة وأصبح للغته ميادين يومية متعددة ، هدفها زيادة المخزون اللغوي لدى أبناء المجتمع لكي تكون عقولهم قادرة على إستيعاب التطورات المتجددة , والتواصل مع الثورات العلمية والتكنولوجية المتأججة.

فتجد برامج متنوعة عن اللغة ومفرداتها ككتب الكلمات المتقاطعة وملئ الفراغات وبرامج الحاسبات ، وغيرها الكثير مما لا يخطر على البال العربي من نشاطات تنمي أرصدة المفردات اللغوية في عقول الناس وتغير سلوكهم نحو الأفضل ، لأن وعي المفردة اللغوية وفهمها يؤدي إلى سلوك جديد متفق معها، وبقلة المفردات وضعفها يتدهور السلوك.

بينما نحن لا نعرف هذه النشاطات الفكرية والثقافية والمبتكرات التي تساهم في التقدم والإرتقاء الحضاري , ولا نؤمن بدور المفردة اللغوية وتأثيرها في تنشيط العقول وتربيتها , وتهذيب السلوك وتحقيق الإبداع الأصيل على جميع مستويات الحياة , وأروقة التقدم والتطلع الإنساني إلى أمام.
ولدينا كتاب واحد، أجدادنا فهموا ما فيه من مفردات ومعانيها وما يتصل بها، فإستحضروا أمهات الأفكار التي بنت معالم حضارية ذات قيمة إنسانية وتأريخية.
واليوم نعيش في زمن لا يفهم العرب فيه إلا نسبة ضئيلة من مفردات قرآنهم ، وعدم قدرتهم على تطوير المعاني وتجديد الكلمات لكي تكون ذات دور حضاري معاصر.
بل ما نراه هو جنوح عن اللغة وهروب إلى لغة أخرى خصوصا الإنكليزية ، وعدم التمعن بالعربية وإظهار دورها وفعالياتها الإبداعية , وقدراتها على المواكبة والنماء والإبتكار مثل أية لغة أخرى في الأرض.
بل أنها تتفوق على العديد من اللغات بأبجديتها ومفرداتها وأصواتها وتركيباتها ونضوجها البلاغي والنحوي المتميز , فمعظم اللغات لم تنضج بلاغيا ونحويا إلى اليوم لكنها تتفاعل بمعاصرة وجد ونشاط مع ما يستجد من متغيرات وتطلعات إبداعية متسارعة.
ففي المجتمعات الأرضية تجد آلاف المطبوعات التي تساعد على تنمية المفردة اللغوية , بينما لا تجد منها إلا ما ندر في مجتمعاتنا العربية.
والسبب الأساسي ليس في اللغة العربية ، وإنما في أبناء العربية الذين إستهانوا بأنفسهم ودورهم الإنساني، وداسوا على لغتهم بأقدام الجهل والتداعي والخنوع ، وأصبح الكثير منهم يخجل من نفسه عندما يتحدث بلغته ويريد الكلام بلغة أجنبية , لكي يحسب على أنه صاحب شأن وينتمي إلى حلبة الحياة التي تتصارع عليها القدرات .
وقد ذكر لي أحد الأخوة قائلا ” بأنك لا تحتاج إلى اللغة العربية في إحدى الدول الخليجية لأن الجميع يتفاهم بالإنكليزية !!” , وقد تيقنت من ذلك بزيارتي لتلك الدولة.
ففي مجتمعاتنا نحن نخالف مجتمعات الدنيا التي يجب على القادم إليها أن يتعلم لغتها لكي يمكنه العمل والعيش فيها، بينما نحن نتنازل عن لغتنا ونتعلم لغة القادم إلينا ولا نجبره على تعلم لغتنا . فلماذا لا تكون من شروط العمل في بلداننا أن يكون الوافد قادرا على الكلام بلغتنا ، أليس هذا هو العرف السائد في مجتمعات الدنيا إلا عندنا!!

أي أن العربي يسعى إلى التجرد من هويته وأصله بالتنازل عن لغته وعدم تقديرها والإعتزاز بدورها وقوتها ، فهو يهرب من أي شيئ يضعه في خانات الأوصاف التي تبرر الهجوم الشرس عليه من قبل الآخرين وإجتثاثه من الحياة ، لأن العرب قد أصبحوا في زاوية حضارية تضيق عليهم كل يوم ، حيث يحشرون ولغتهم وما عندهم ، وينظرون إلى أحوالهم بعيون السوء والضعف , ويستجلبون الأفكار السيئة والحملات المتوحشة إلى ديارهم , لكي يحققوا نداء هزيمتهم الداخلية ويقضون على وجودهم الصحيح وينفون معاصرتهم.
وبسبب هذه الهزيمة الداخلية العميقة ، فأن العرب صاروا أعداء لغتهم ، وذلك بإهمالها وعدم إحترامهم لمفرداتها وكسلهم في تطوير أرصدتهم من المفردات ، مما وفر الأسباب اللازمة لضعف تعبيرهم وخمول تفكيرهم وتنامي إنفعالهم وإستعار غضبهم الذي يتم توظيفه لتدميرهم والقضاء على هويتهم.
وفي هذا الوقت الحضاري العربي العصيب ، أصبح من أولويات البقاء والتواصل الإنساني ، العودة إلى المفردة اللغوية وتعميق المعرفة اللغوية ، لكي يستعيد العرب شخصيتهم ودورهم ويتخلصوا من أفكار اليأس والإحباط وعوامل الذل والهوان ، وأن يتعلموا كيف يضعون أفكارهم في كلمات معبرة عن الفعل والجد والإجتهاد والإبداع المتميز والقوي.
فاللغة العربية هوية الذات العربية ، وبضعف اللغة يضعف الإنسان ، وبتعثره في التعبير عن أفكاره ومشاعره بلغته ، تكون الأمة قد تعثرت وفقدت أهم ملامح وسمات شخصيتها، وطمست دورها وأنكرت تأريخها وإندحرت في آبار وكهوف هزائمها المتفاقمة ، وهي تقف كالمسمار تنتظر أن تسقط على رأسها مطرقة الفناء التي تحملها أذرع الطامعين بها.
فهل من يقظة لغوية ساطعة؟!!
د-صادق السامرائي

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close