راعي البقر الذي اصبح تاجر سلاح

وصول الرئيس الأمريكي ( ترامب ) الى البيت الأبيض و تربعه على عرش الولايات المتحدة الأمريكية كزعيم لآكبر دولة عظمى في العالم و بعد ان يأس العرب من سلفه الرئيس ( اوباما ) الذي ابتعد كثيرآ عن قضاياهم و مشاكلهم و فضل البقاء بعيدآ و في موقع المتفرج تأملت الدول العربية و حكامها ( خيرآ ) من الرئيس الجديد الذي بدأ عهده و منذ الوهلة الأولى حازمآ صارمآ في مواقفه التي كانت اقرب الى عقلية البائع في الأسواق او راعي البقر الذي لا يفارق المسدس يده من تفكير السياسي العقلاني و الحاذق الذي يقود اقوى دولة في العالم اقتصاديآ و عسكريآ و تقع على عاتقها مسؤوليات كبرى في حفظ الأمن والسلام في العالم .

بدا الرئيس الأمريكي الجديد عهده بزيارة الى السعودية محملآ بحقائب مليئة بالفواتير التي يجب على الحكام السعوديين الألتزام بدفعها مقابل صفقات من الأسلحة و المعدات الحربية التي سوف تغرق المنطقة بحروب و نزاعات لها اول و لا يعرف زمان انتهائها و جعل من تلك الصفقة و التي عرفت فيما بعد بصفقة القرن مناسبة لكيل الأتهامات و الأهانات للسعودية و حكامها و كأنه قد فرض تلك المبيعات من الأسلحة فرضآ و اجبارآ و ما على الحكم في السعودية الا القبول بها راضخآ و مطيعآ في صورة فجة و غير مسبوقة من التعامل الدبلوماسي بين الدول و قد كان الرئيس الأمريكي الجديد يتبختر برفقة زوجته في ( ارض الحرمين الشريفين ) .

لم يكتف الرئيس الأمريكي بتلك الصفقة و المئات من المليارات من الدولارات بل اراد تغير النظام الحاكم في المملكة من خلال رجل امريكا القوي في السعودية ( محمد بن سلمان ) و الذي اطاح بكل التركيبة القديمة للأسرة الحاكمة و تبوأ عمليآ المنصب الأول فيها بأنتظار موت الملك العجوز ( سلمان بن عبد العزيز ) ليعلن رسميآ عن تنصيبه في الموقع الأول للمملكة و الذي كان متحمسآ و مندفعآ بأتجاه الأصلاحات و الأنفتاح و تغيير العقلية المتزمتة و المتعصبة التي حكمت المملكة السعودية منذ تأسيسها الذي استند على اكثر الكتابات الدينية انعزالآ و تطرفآ ما جعل منها اقرب الى السجن الكبير الذي يذعن القاطنون فيه الى الأوامر الصارمة منها الى دولة عصرية متحضرة .

بكل عنجهية راعي البقر المسلح و تهوره كان قرار الرئيس الأمريكي ( ترامب ) بنقل السفارة الأمريكية من ( تل ابيب ) الى مدينة ( القدس ) المحتلة و لم يكن قرار نقل السفارة من الأمور المستعجلة و الملحة و لا تقبل الأنتظار او التأجيل لكنها الأستهانة و الأستخفاف بالدول العربية و حكامها اولآ و شعوبها ثانيآ و هم في اضعف حالاتهم و اوهنها تفتك بهم الحروب الأهلية و الأزمات الأقتصادية و الرؤساء و الملوك المزمنين و اخيرآ ظهرت لهم ( القاعدة و داعش ) فأستحكمت حلقات الحصار و اصبحت مطبقة و في خضم هذه الأهوال و المشاكل تنتقل السفارة الأمريكية و تتخذ من ( القدس ) مقرآ لها التي صارت عاصمة رسمية لدولة ( اسرائيل ) اليهودية .

استعراض العضلات هي من السمات المميزة لكل الرؤساء الأمريكيين و قد يكون نادرآ ان مرت فترة حكم رئيس امريكي ديمقراطي كان او جمهوري دون حروب حتى تلك التي كانت بدون معدات عسكرية و التي تسمى بالحرب الباردة و على المدى القريب كانت ساحة الرماية للرؤساء الأمريكان و من الحزبين هو العراق الذي بدأ الرئيس الأمريكي الأسبق الجمهوري ( جورج بوش الأب ) حرب الخليج الثانية و تحرير الكويت من القوات العراقية الغازية و يأتي خلفه الديمقراطي الرئيس ( بيل كلنتون ) و يشن عدة هجمات صاروخية مدمرة على المواقع العراقية المدنية و العسكرية و اختتم الرئيس الجمهوري ( جورج بوش الأبن ) المسلسل الحربي الممل ذلك بأحتلال العراق و اسقاط النظام الذي كان برئاسة ( صدام حسين ) .

كعادة اسلافه في الأستعراض الفج للعضلات كانت الرشقات الصاروخية على المواقع و الأهداف السورية و بنفس الحيلة القديمة التي استخدمت في العراق و التي انطلت على الكثيرين من امتلاك سوريا للأسلحة الكميائية المحرمة و استخدامها كسلاح تدمير شامل ضد المعارضين للحكومة في دمشق و ان اتت تلك الضربات بالعكس ما توقعته ادارة ( ترامب ) و حلفائها الغربيين و اذا ما تركنا الحكومات في السعودية و البحرين فأن تلك الضربات الخرقاء جلبت التأييد الشعبي الواسع من جماهير الشعوب العربية بما فيها الخليجية للحكم السوري الحالي بأعتباره ضحية للعدوان الأمريكي و الغربي الغير مبرر و من دون الدليل الواضح و الدامغ على استخدام السلاح الكيميائي المحرم دوليآ و انسانيآ و اخلاقيآ .

لم يقتصر العداء الأمريكي المحتدم على الدول العربية الموالية او المناوئة بل تعداها الى دول كانت بالأمس القريب تعد من الحلفاء المقربين للغرب و حلف الأطلسي الذي تشكل ( تركيا ) قاعدته المتقدمة في الحرب الباردة التي كانت ضد الأتحاد السوفييتي السابق و المنظومة الأشتراكية الحليفة له و كانت قاعدة ( انجرليك ) العسكرية واحدة من القواعد الكبرى خارج امريكا و التي هي مهبط للطائرات الحربية الأمريكية و مربض للقوات البرية و اسلحتها حتى استدارت ( تركيا ) عن الحليف الأمريكي السابق و اتجهت صوب روسيا العدو السابق بعدما شعرت بتخلي الأمريكان عنها و اصطفافهم مع الكورد و قوات الحماية التي يعتبرها الحكم التركي العدو الأول الذي يتربص بهم .

توج الهجوم الأمريكي الكاسح على المنطقة بخروج امريكا و بشكل رسمي من الأتفاق النووي مع ( ايران ) و من طرف واحد رغم المناشدات و الألتماسات من قبل اغلب دول العالم و في مقدمتها الدول الأوربية الغربية التي ناشدت لا بل توسلت من الرئيس ( ترامب ) فقط التريث برهة و لو قصيرة من الزمن قبل الأقدام على الخروج من الأتفاق النووي مع ايران الا ان العنجهية و التهور هي التي كانت السائدة و ظهر الرئيس ( ترامب ) على شاشات التلفزيون متباهيآ و مفتخرآ بتوقيعه العريض الذي طبع به تلك الوثيقة التي اعادت المباحثات بين ايران و امريكا و الدول الغربية الى المربع الأول و نقطة البداية من جديد .

الهجوم الأمريكي العسكري و الأقتصادي على المنطقة بأكملها كان عدائيآ شرسآ و بشكل علني و سافر و يحمل في طياته حقدآ دفينآ و ثارات مكبوتة تبدو قديمة و راسخة في الأذهان و العقول فقد تكون حكومة الولايات المتحدة الحالية قد اضاعت البوصلة و فقدت القدرة على تحديد الأتجاهات و المسارات لأن الهزيمة الأمريكية المرة و التي لا زال طعمها العلقم تحت المذاق كانت هناك بعيدآ حيث حقول ( الأرز ) الغنية و نهر ( الميكونك ) الوفير و الجنرال ( جياب ) و القائد ( هوشي منه ) و لسنا نحن شعوب هذه المنطقة الذي نال منا الفقر و الجهل و الحكام و جعلونا شعوبآ مهزومة مهاجرة تائهة في فيافي الأرض و قفارها تبحث عن وطن ضائع و هوية مفقودة .

حيدر الصراف

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close