ابونؤاس في سطور!

* د. رضا العطار

تخضع الاداب في كل عصر من عصورها لمقاييس من التطور والارتقاء مماثلة لسنن التقدم التي ترافق حياة الامم والشعوب. فكان من الطبيعي ان يتزيًن الادب العربي شعره ونثره في العصور العباسية بأزياء جديدة، بعد ان اطل العرب على دنياهم المستحدثة وانتقلوا من عهود البداوة والعهد الاموي الى عهود الحضارة والعمران في بغداد. فامتزجوا بمظاهر بالحضارات للدولة المجاورة، واقتبسوا منها طرائق جديدة في العيش ذات نصيب وافر من الترف والافتنان في اشكاله وصوره، هكذا اولع اهل العراق بلذائذ الخوان فكانوا لا يشربون الا اجود الخمور، وافتنوا بتنظيم الموائد وتزيينها بالزهور والرياحين، ولعل مجالس الشراب كانت اكثر مجالسهم دلالة على المجون. فقد غدا
ابو نؤاس إمام الخمرة والطرب. اسمعه كيف يصدح في احد مجالسه :

شجاني وابلاني تذكّر من اهوى * * والبسني ثوبا من الضّر والبلوى

يدل على ما في الضمير من الفتى * * تقلّب عينيه الى شخص من يهوى

وما كل من يهوى هوى هو صادق * * أخو الحب نضوُ لا يموت ولا يحيا

خطبنا الى الدهقان بعض بناته * * فزوجنا منهن في خدره الكبرى

وما زال يغلي مهرها ويزيده * * الى ان بلغنا منه غايته القصوى

رحيقا ابوها الماء والكرم امها * * وحاضنها حرّ الهجير , اذ يحمى

لساكنها دنّ به القار مشعر * * اذا برزت منه , فليس لها مثوى

يهودية الأنساب مسلمة القرى * * شامية المغدى , عراقية المنشا

مجوسية قد فارقت اهل دينها * * لبغضتها النار التي عندهم تذكى

رأت عندنا ضوء السراج فراعها * * فما سكنت حتى امرنا به يطفى

وبينا نراها في الندامى اسيرة * * اذ اندفعت فيهم , فصاروا لها اسرى

اذا اصبحت اهدت الى الشمس سجدة * * وتسجد اخرى حين تسجد للمسرى

أُميتت بلذّات الكؤوس نفوسهم * * فأنفسهم احيا و اجسادهم موتى

وساق غرير الطرف والدلّ فاتن * * ربيب ملوك, كان والدهم كسرى

حثثنا مغنّيا على شرب كأسه * * فتدركه كأسُ وفي كفّه اخرى

فأمسك ما في كفّه بشماله * * واومأ الى الساقي , ليسقي باليمنى

فشبّهت كأسيه بكفّيه, اذ بدا * * سراجين في محراب قسّ اذا صلّى

أديرا عليّ الكأسَ تنكشف البلوى * * وتلتذّ عيني طيب رائحة الدنيا

عقارا كأن البرق في لمعانها * * تجلّى لأبصار, فكادت به تعمى

اذا ما علاها الماء خلت حَبابها * * تفاريق درّ من جوانبها شتئ

فتزداد عند المزج طيبا, كأنها * * اشارة من تهوى الى كلّ ما تهوى

* من ديوان ابي نؤاس لعمر فاروق الطباع دار الارقم للنشر بيروت 1998

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close