الدول الأقرب للحروب الطائفية

عندما ضربت الحرب الأهلية الطائفية العراق بعد سقوط نظام ( صدام حسين ) في حينها كان القتل يتم وفق اسماء الضحايا و القابهم الذين ساقهم حظهم العاثر للمرور في احياء او ازقة تنتمي لطائفة معينة فيلاقوا مصيرهم الأكيد و في الغالب كان القتل هو ( العقوبة ) الشائعة في تلك الحالات و على الرغم من ان نظام ( صدام حسين ) لم يعرف عنه انه كان نظامآ طائفيآ لا بل على العكس تمامآ فقد كان نظامآ علمانيآ واضح المعالم فقد كانت المناصب الحكومية تسند الى الشخصيات ذات الولاء المطلق للدكتاتور ( صدام ) و الذي لم يكن يتورع عن تصفية اقرب المقربين له عند شعوره بالخطر او حتى مجرد الشك كان يودي بصاحبه الى المجهول فهو لم يكن نظامآ طائفيآ او حتى قوميآ لكنه كان نظامآ ( صداميآ ) بحتآ .

الجناح الآخر من حزب البعث هو ذلك الذي كانت سوريا ميدان حكمه منذ عشرات السنين و هو كتؤمه العراقي بعيد كل البعد عن الطائفية و يعتمد اساسآ على الولاء المطلق للرئيس الراحل و الرئيس الحالي بغض النظر عن الأنتماء الطائفي و مع ذلك فقد اشتعلت الحرب الطائفية في سوريا و غاص هذا البلد في مستنقع الحرب الأهلية و كانت جيوش ( السنة ) تتدفق على سوريا لحماية اهلها من ( السنة ) المضطهدين من قبل الحاكم ( الشيعي ) و كذلك كانت جيوش ( الشيعة ) تتجمهر في سوريا لحماية النظام ( الشيعي ) الحاكم و منع سقوطه و انهياره .

عرف عن النظام الأيراني كونه نظام حكم ديني اسلامي يأخذ من المذهب الشيعي اساسآ في معتقداته الدينية و هذا النظام لا يخفي هذه الحقيقة بل هو يعلنها و يكتبها في دستوره و اذا كانت الأغلبية في بلدآ ما تنتمي الى دين معين او طائفة بعينها فهذا لا يعني ان تسلب حقوق الأقليات المتواجدة في ذلك البلد و تمنع من ممارسة طقوسها الدينية و تغلق اماكن عبادتها و صلاتها و ذلك بحجة ان اغلبية السكان تنتمي الى دين او مذهب معين و مع كل تلك الحقوق المسلوبة لأتباع الأديان و الطوائف الأيرانية الا ان تلك البلاد لم تشهد حربآ اهلية كتلك التي كانت في العراق او تلك التي تستعر في سوريا حاليآ .

اما النظام السعودي فهو كشقيقه في الضفة الأخرى من الخليج في كونه نظامآ دينيآ متزمتآ يأخذ من الشريعة الأسلامية و احكامها دستورآ له و من اكثر المذاهب السنية تشددآ مصدرآ لقوانينه و مع ان في السعودية اقليات دينية و طائفية الا ان النظام السعودي يضيق عليها الخناق و لا يسمح لتلك الأقليات من ممارسة شعائرها الدينية بحرية و انفتاح بل كان على الدوام في حملات التضييق على اتباع تلك الديانات و المذاهب و التشهير بها و السخرية من طقوسها و الأستهزاء برموزها من الأموات و حتى الأحياء و مع كل هذا التعسف و الأضطهاد الذي يمارسه النظام السعودي ضد المخالفين في الفكر و العقيدة الا ان ذلك لم يؤدي الى اندلاع حربآ طائفية بين ابناء الشعب الواحد كتلك التي حدثت في بلدان اخرى .

كانت الحروب الأهلية الطائفية المفتعلة سواءآ في العراق او سوريا تذهب في صالح الدولتين الطائفيتين ايران و السعودية فضلآ عن اسرائيل فقد كانت الحرب في العراق تمول من قبل السعودية فكانت الفصائل ( السنية ) تتلقى الدعم المالي و الأعلامي من الحكم السعودي الذي كان يذرف الدموع السخية على ( السنة ) المضطهدين في العراق اما النظام الأيراني فقد كان يؤجج نيران الحرب الطائفية من خلال بث الروح المذهبية في نفوس المواطنين ( الشيعة ) و الأيحاء لهم ان نظام ( صدام حسين ) كان نظامآ ( سنيآ ) ملتزمآ و انه كان يمثل السنة في العراق الذين اضطهدوا الشيعة و هذا الأمر ليس صحيحآ بالمطلق .

مصالح الدول هي الأساس في سياسات تلك الدول كما هو معروف اما الشعارات البراقة و الجذابة فتستخدم في الأيهام و الخداع و هذا ما حصل عندما رفعت السعودية شعار الدفاع عن حقوق السنة في العراق سابقآ و في سوريا لاحقآ و هي في الواقع انما تدافع عن مصالحها في جعل تلك البلدان الخندق المتقدم في الحرب الطائفية و هذا ما كان ان ابعدت تلك الحروب المدمرة عن الساحة الخليجية و السعودية التي كانت هادئة هانئة لا يعكر صفوها سوى بضع طلقات نارية هنا او هناك في حين كانت جحافل ( المجاهدين ) تتدفق عل العراق و سوريا بدعم و تمويل من الدول الخليجية و بالأخص السعودية و قطر و كانت تلك الحرب الشرسة تدور و تستعر حين تقاتل ابناء العمومة و حين فتك الجار بجيرانه .

لم يكن الدور الأيراني هو الآخر بعيدآ عن الساحة العراقية فقد كانت آلة الدعاية الأيرانية تؤجج الصراع الدامي الدائر الذي كان في العراق و انتقل فيما بعد الى سوريا التي تحرض على الحرب و القتال لكن بعيدآ عن اراضيها و شعبها و ان كانت تلك الحروب تدور رحاها في دول مسلمة و ان كان القتلى من الطرفين المتعاديين هم من المسلمين و ان كان احد الطرفين ممن يشترك مع الأيرانيين مذهبيآ فأن المصالح العليا للدولة الأيرانية لا تأخذ تلك الأعتبارات على محمل الجد الا في الشعارات و الخطابات فقط .

قد يكون الشعبين العراقي و السوري من اكثر الشعوب العربية ابتعادآ عن الطائفية و يرجع ذلك الى الوعي الثقافي و السياسي الذي يغلب على طباع الشعبين اضافة الى طبيعة الحكم اللاديني العلماني الذي كان في العراق و الآن يحكم في سوريا و اذا ما اخذنا التداخل المذهبي في القبيلة و العشيرة الواحدة فأن صلات النسب و القرابة ما يمنع اقتتال الأخوة و ابناء العمومة الا اذا كانت هناك ايادي غريبة و دوافع خفية تؤجج و تحرض على الأقتتال في حين كانت الدولتين الدينيتين ايران و السعودية اقرب الى الحرب الأهلية الطائفية من غيرها من الدول الأسلامية فكلا النظامين دينيين مذهبيين لا يقبلان بالآخر المخالف و يعتبران ان الخلاف لا يستوجب الحوار بل يستوجب الألغاء و الأقصاء و ان قبول وجود الأقليات المخالفة في كلا البلدين و على مضض و تحت ضغوط خارجية و داخلية فأن درجة عالية من النفاق و الرياء يتمتع به كلا النظامين الأسلاميين السعودي و الأيراني ما اتاح لهما التمديد و الأطالة في الصلاحية و مدة البقاء في الحكم و هي انظمة آيلة للسقوط و التلاشي من عوامل في داخلها لا يمكنها ان تتماشى و تستمر مع التطور المتنامي في احترام حقوق الأنسان و الحريات العامة و التي لا تستطيع مثل هذه الأنظمة الغارقة في التخلف و الرجعية و المتمسكة بالقوانين و الشرائع القديمة التي مرت عليها قرون من السنين و قد لا يختلف الكثير في ان رحيل النظامان العدوانيان الأيراني و السعودي اللذان اغرقا المنطقة بالحروب و النزاعات سوف يكون في صالح دول المنطقة و شعوبها المسالمة الذين ذاقوا الويلات من تلك السياسات العدوانية و الأنانية و التي تميز بها النظامين خاصة و ان الصراع فيما بينهما عادة ما يكون ميدانه في الدول الأخرى فأن كل دول المنطقة وشعوبها لها مصلحة و فائدة في التخلص من هذين النظامين المنتهيا الصلاحية و هكذا يثبت للعالم كله ان الأسلام السياسي بشقيه السني و الشيعي يتفق في العنف و الهمجية و يختلف في الأتجاهات و المسارات فقط .

حيدر الصراف

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close