الجهل والخرافة بين نظامين

كلمة الجهل او الجاهل كانت دائماً ترتبط بالغير متعلم ، والحقيقة الكلمة تعني عدم العلم بشيء ما ، ولكن الجهل ارتبط في العراق بالناس الذين لا يفهمون الأمور بصورة صحيحة ولا يشغلون عقولهم او يجهدونها لمعرفة الحقيقة ، فالإنسان العراقي كان ومازال وسط جيد لنشر الاكاذيب والإشاعات والخرافات .
وانا اتذكر في بداية الثمانينات كنت في الصف الاول في الجامعة وكانت لنا أوقات فراغ طويلة بين المحاضرات وفي يوم كنت وبعض الزملاء في باحة الكلية ، أتى احد الأصدقاء بجريدة الجمهورية وفيه خبر بالخط العريض لإعدام طبيب جراح لملاوطته نزيلة في مستشفى مدينة الطب في بغداد ، وكان الخبر يشير الى ان امرأة قد اعتدي عليها بعد اجراء عملية استئصال احدى ثدييها من قبل نفس الجراح الذي اجرى لها العملية حيث كانت تحت تأثير المخدر ، وبعد برهة كان الخبر كالنار في الهشيم انتشر في كل مكان وبأشكال مختلفة حسب مخيلتهم ، واغلب الطلبة كانوا مصدقين الخبر ويلعنون الطبيب ، ولم يسأل الطلبة أنفسهم هل الخبر صحيح ام مزيف ؟ او انه فقط قتل طبيب والتشهير به وقد يكون معارضاً للنظام ، فيكون النظام قد شوه سمعته والتخلص منه في آن واحد .
فكان صاحبي يعلل تصديق الطلبة الأخبار لخوف الناس من تكذيب الخبر ، ويُعتٓبٓر تكذيب الخبر النيل من مصداقية النظام فيتعرضون للحبس او فقدان حياتهم ، وكنت اوافقه الرأي بالطبع ، ولكن وبمرور الأيام كنّا نلاحظ شيئاً آخر بين الكثير من الطلبة الا وهو عدم القراءة او الاطلاع لغير الكتب المدرسية ، وقد توصلنا او بعبارة اخرى أقنعنا أنفسنا ان لا وقت لهم لقراءة كتب غير دراسية ، ولكن هذا التعليل بدء لا يقنعنا مع مرور الزمن بعد ان كونَّا صداقات مع طلبة في صفوف اخرى ، فوجدنا بينهم من يقرء وكانوا يجدون الوقت لمطالعة كتب اخرى كالقصص والروايات والكتب الفلسفية .
وبهذه المقدمة أودّ الحديث عن حالة كانت شائعة في حقبة الطاغية صدام وهي عدم مطالعة الناس لغير الكتب الدراسية ، وكان هذا الشيء ملفتاً ومقلقاً ، لان المطالعة يوسع فهم الانسان للامور بصورة اكثر عقلانية او لنقل تساعد بصورة او باخرى في زيادة الوعي وفهم ما يدور حولنا ، وفي الحقيقة النظام كان ينشر الجهل الفكري بمنعه الكثير من الكتب وملاحقة من يشتبه به بالقرائة لكتب كانت في لائحة الممنوعات كالكتب الماركسية والكتب الاسلامية الشيعية .
فالنظام كان يدرك ان المثقفين يشكلون خطر جدي على وجوده ، وكلما كان الشعب منعم بالجهل يشعر النظام بالطمأنينة اكثر ، فكان الفيل يطير في عهد الطاغية صدام، وهنا كان الفيل الطائر رمز للكذب، فالنظام كان يشيع الاكاذيب ضد احزاب المعارضة ، ويستخدم آلته الإعلامية لتدمير معنويات الناس وتظليلهم بسرد اخبار فيه قليل من الصحة والكثير من الاكاذيب ، وجند النظام الكثير من المرتزقة الاعلاميين والصحفيين العراقيين والعرب ، وحتى بعض النكات التي كنّا نسمعها والتي كانت توحي الى ان النظام والطاغية يعملون للبقاء للأبد يُشك في ان أدوات النظام هم من سربها ، وهنا كان يدب اليأس في قلوب الناس ، وقتل كل أمل للنجاة من كابوس الجلاد . واحزاب المعارضة لم تكن لها اي دور مؤثر على الساحة الداخلية ، لقد كانوا ظاهرة صوتية فقط في خارج العراق ، والشعب كان ينتظر سقوط النظام بالحرب التي كانت دائرة مع ايران ، فكان قوافل الشهداء تزف الى الداخل بعد كل تعرض او هجوم يشنه الجيش الإيراني والشعب كان صامت كصمت القبور وحتى بعد الحرب الثانية التي أشعلها النظام لم يقم الشعب على النظام الا بايعاز من أمريكا وهنا ظن الناس ان أمريكا ستساعدهم ، ولم يفكروا ولو للحظة واحدة ان أمريكا ليست فاعلة خير ، وأنها مرتبطة بالتزامات ومصالح مع دول الخليج ، وراح مئات الآلاف ضحايا القمع الدموي ، فالعفوية والفوضى كانتا سيدتا الموقف في إشعال الانتفاضة ، وخمدت لعدم التنظيم وقلة التفكير واعتمادها على ان تأتي مساعدة من أمريكا ، وتحول الشعب الى إسفنجة تمتص الخرافات بعد ان أنهكها الحصار وسار في طريق التدين كملجأ اخير وبات ينتظر لياتي مخلص لمعاناته ، ولعدم قدرته على النجاة من براثن النظام بمفردها فاتى المخلص وكانت أمريكا .

بعد سقوط الطاغية كانت الأمور ميسرة لتولي الأحزاب الاسلامدموية السلطة بعد ان فتت بريمر البلد الى قوميات وطوائف واديان ، والأحزاب الاسلامدموية استغلت الفرصة لتزيد الجهل بالخرافة وتطبيقاتها وتضع البلاد في دوامة الخزعبلات ، فالفيل الطائر في زمن الطاغية صدام تحول الى حوت طائر ، واستلم الحكم الحملدار ( متعهد قوافل الحجيج ) الجعفري فحول البلاد الى قافلة حج وحول المؤسسات والوزارات الى حسينيات وكان اللطم والسرقة عنوان لفترة حكمه الذي لم يدم كثيراً ، واستلم صاحب الچمبر ( البسطة ) المالكي لثماني سنوات لم يقدم غير الوعود الجوفاء والخرافة للبسطاء وتبخر أموال العراق وكان عنوان حكمه جنة الفاسدين او كما يسميه البعض بدولة الفافون ، والعبادي استمر على نهج الآخرين في خداع الناس مدعياً انه سيخلص العراق من الفاسدين والحقيقة هو ركن من أركان الفساد ونشر الجهل والخرافة ، واما المراجع الدينية قدمت وتقدم نصائح في التشطيف وغسل الجنابة ، والحديث عن الجنة مبتعدة عن الدنيا ، فالفقراء لا يحتاجون الى الدنيا بل هم في أمس الحاجة الى الآخرة ، فهناك سيشربون انهار من الخمر وسيمتلكون غلمان وجواري وخيم للعيش والتناسل فيه ، فلا داعي للاهتمام بالدنيا أنها فانية، وان تمرض الفقير فزيارة المراقد تشفيه ، فالجهل لم يكن كافي لهذا الشعب البائس ليزيدونه بالخرافة ، فيحق لنا ان نقول عن هذا العصر عصر الخرافة، وأما الأحزاب التي تدعي انها علمانية فانضمت تحت كارتونات الأحزاب الاسلامدموية ورموزها الفاسدة او هادنتها، وتعجبت كثيراً لاختباء الحزب الشيوعي تحت عبائة الصدر وكأن التيار الصدري كان خارج لعبة الخرافة وتجهيل الناس والفساد ، وكأن الفاسد بهاء الأعرجي كان من تيار المريخ ، ان الشيوعيين أعادوا اخطائهم السابقة مع البعثيين في السبعينيات من القرن الماضي ونسوا مذابح ثلاثة وستين ولم يتعظوا من اخطائهم ، ولا نعرف كيف سيُشكل دولة مدنية بعباءة رجل دين !
نشر الجهل في عصر الخرافة مرفوق بسوط الحرام والخوف من الله ، فالناس كانوا بالامس يخافون جلاوزة صدام واليوم يخافون المعممين ورجال الدين ، فان تحدثت عن دولة مدنية يسوده المساواة والقانون فأنت ملحد وعدو الله ، وان تحدثت عن الفقر فان الله سيغنيك في الآخرة فعِش يا حمار الى ان يأتيك الربيع .

بهاء صبيح الفيلي
[email protected]
Skickat från min iPad

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close