حينما يخاف الأيزيديون منّا

محمد الكاظم
فوز ناديا مراد بجائزة نوبل ليس انجازاُ شخصيا لها فقط، بل هو دليل على ان مأساة الأيزيديين لامست ضمير العالم، انها ادانة للوحشية القابعة في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، وادانة لنقاط السواد الكثيرة في عقولنا وفي سلوكنا وتأريخنا وفي ضمائرنا التي تغافلت عن شعب أهينت نساؤه واستبيحت قيمه ومفردات تأريخه وثوابته الثقافية.
انها ادانة للشعور المريض الذي انتاب اغلب المتفرجين -من خارج دائرة الكارثة-على مقاطع الفيديو التي كانت تصور عمليات الذبح والقتل والسبي والاغتصاب وتفجير السيارات المفخخة وتعتبرها انتصارا للدين والعقيدة والقومية مما ساهم في اتساع نطاق الظاهرة الداعشية من دائرة الميدان الى دائرة المجتمع. ومن دائرة الغرائز الى دائرة التنظير والتبرير.
داعش ليس مجرد تنظيم مكون من مقاتلين يعتنقون مجموعة أفكار خارج الزمان والمكان، بل هو تعبير عن نزوع عام لإلغاء الآخر يعشعش في عقول اغلب الشعوب العربية والإسلامية، صنعته سلسلة من الانكسارات السياسية والاجتماعية، والاوهام الثقافية، والتظليل التاريخي، إضافة ضبابية المدونات، وغيبوبة الفكر، وخفة العقل النقدي وقلة تأثيره في المجتمع.
ما حصل في العراق يمكن ان يحصل في أي بلد عربي او إسلامي آخر، وما حصل للأيزيديين يمكن ان يحصل لأي مكون آخر فليس هناك أسهل من تصنيف الآخر وجعله في خانة تبيح قتله واستباحه دمه وماله وعرضه، لأن المنظومة المحركة لمشاعر العنف تبقى تضخ كل يوم المزيد من الأدوات الثقافية للقتل، مالم تتخلص الشعوب العربية والإسلامية من بيع عقولها لمدوني الأوراق الصفراء التي عفا عليها الزمن والخضوع لرغبة العيش في خرائب الماضي
قضية الأيزيديين أصبحت قضية دولية بفضل بعض ناشطي هذا المكون الكريم في الوقت الذي فشلت كل الأحزاب والمؤسسات العراقية في تقديم نفسها للعالم على انها تمتلك قضايا تستحق إلتفات العالم لها لدرجة اننا لم ننجح في تحويل المأساة العراقية الكبرى الى قضية نلتف حولها جميعا لنسوقها من اجل نكسب تعاطف العالم معها لنؤسس لمرحلة ادانة المتسببين بها، والتأسيس لمرحلة التعاون الدولي لمحاربة البيئة التي تصنع ظواهر داعشية قادمة.

حينما أحاول اليوم ان ادخل الى عقل المواطن الأيزيدي سأجد انه سيستمر بالخوف من ثلاثية (الإسلام، العرب، العراق) لعقود قادمة، الدليل على ذلك هو ان ناديا مراد لم تتحدث معنا كثيرا بل ذهبت للغرب لتشكو له مأساتها فهي تعلم اننا سنهملها ونسخر منها ونتجاهلها كما نتجاهل موتنا اليومي وفسادنا واستهانتنا بالأحياء فضلا عن الأموات.
(الإسلام، العرب، العراق) هذه الكلمات الثلاث ستثير الرعب في قلب ناديا واخواتها، وستكون جزءا من رعب الجماعة الذي سيؤصل له الزمن والمرويات، ستخيف هذه الثلاثية الأيزيدي وتجعل مأساته تتكرر امام عينيه مرة أخرى، فهو يفكر بأن الدين الإسلامي خصم له، لأن الإسلام كان شعارا استخدمه الارهابيون للاعتداء على نساء المكون وبرر بيعهن في أسواق الجواري، كما ان القومية العربية خصم للأيزيدي فأغلب عناصر داعش الذين ارتكبوا تلك الجرائم كانوا من القومية العربية سواء كانوا من داخل العراق او من خارجه ، كما انه سيعتبر العراق خصما له فالعراق لم يحمه وقتها ، بل كان مسرحاً لتلك الجريمة وبعض من اشتركوا فيها كانوا من العراقيين الذين انتموا لداعش.
لا يوجد في ذهني الان ما يمكن ان انصح به لمعالجة تلك العقدة العميقة التي ستبقى جرحاً غائرا في ذات المواطن الأيزيدي ووجدانه، لكنني اعتقد اننا مطالبون أكثر من أي وقت مضى بضم أهلنا الأيزيديين الى قلب الوطن وجعلهم يشعرون بمواطنتهم.
اقترح على الحكومة العراقية تحديد يوم من أيام السنة لإستذكار مأساة الأيزيديين على جبل سنجار مواساة لهذا المكون الأصيل الجريح ومنح العراقيين جميعاً فرصة لإعادة ترتيب اوراقهم الوطنية وفسح المجال لإعادة بناء جسور الثقة بين العراقيين واحترام التنوع الثقافي على هذه الارض.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close