الصديق في ميادين الجهاد من غزوة أُحُدٍ، إلى غزوة الخندق

د. علي محمد محمد الصلابي
أولاً: في غزوة أحد:
في يوم أحدٍ تلقَّى المسلمون درساً صعباً، فقد تفرَّقوا من حول النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وتبعثر الصَّحابة في أرجاء الميدان، وشاع: أنَّ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قُتل، وكان ردُّ الفعل على الصَّحابة متبايناً، وكان الميدان فسيحاً، وكلٌّ مشغولٌ بنفسه، شقَّ الصِّدِّيق الصُّفوف، وكان أوَّل مَنْ وصل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، واجتمع إلى رسول الله أبو بكر، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، وعليٌّ، وطلحة، والزُّبير، وعمر بن الخطاب، والحارث بن الصِّمَّة، وأبو دجانة، وسعد بن أبي وقّاص، وغيرهم ـ رضي الله عنهم ـ وقصدوا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الشِّعب من جبل أحدٍ في محاولة لاسترداد قوَّتهم الماديَّة، والمعنويَّة.
وكان الصِّدِّيق إذا ذكر أُحُداً؛ قال: ذلك يومٌ كلُّه لطلحة، ثمَّ أنشأ يحدِّث، قال: كنتُ أوَّل مَنْ فاء يوم أحدٍ، فرأيت رجلاً يقاتل في سبيل الله دونه، قال: قلت: كن طلحة، حيث فاتني ما فاتني، وكان بيني وبين المشركين رجلٌ لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه، وهو يخطف المشي خطفاً لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة، فانتهينا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ وقد كسرت رباعيَته، وشجَّ وجهه، وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «عليكما صاحبكما ـ يريد طلحة ـ فقد نزف». فلم نلتفت إلى قوله، قال: ذهبت لأنزع من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسم عليك بحقِّي لما تركتني، فتركته، فكره تناولها، فيؤذي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فأرزم عليه بفيه، فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة فكان أبو عبيدة من أحسن النَّاس هَتْماً.. فأصلحنا من شأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ثمَّ أتينا طلحة في بعض تلك الحفار، فإذا به بضعٌ وسبعون من بين طعنة، ورميةٍ، وضربةٍ، وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه.
وتتَّضح منزلة الصِّدِّيق في هذه الغزوة من موقف أبي سفيان عندما سأل، وقال: أفي القوم محمَّد؟ ثلاث مرَّات. فنهاهم النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجيبوه. ثمَّ قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرَّات. فنهاهم النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجيبوه. ثمَّ قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرَّاتٍ، ثمَّ رجع إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء؛ فقد قتلوا. . . فهذا يدلُّ على ظنِّ أبي سفيان زعيم المشركين حينئذٍ، بأنَّ أعمدة الإسلام، وأساسه: رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأبو بكرٍ، وعمر رضي الله عنهم.
وعندما حاول المشركون أن يقبضوا على المسلمين، ويستأصلوا شأفتهم؛ كان التَّخطيط النبويُّ الكريم قد سبقهم، وأبطل كيدهم، وأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسلمين مع ما بهم من جراحاتٍ، وقرحٍ شديد للخروج في إثر المشركين، فاستجابوا لله، ولرسوله مع ما بهم من البلاء، وانطلقوا، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت لعروة بن الزبير في قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ *} [آل عمران: 172]: يا ابن أختي! كان أبواك منهم: الزُّبير، وأبو بكرٍ لمّا أصاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أصاب يوم أحدٍ، وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا؛ قال: «من يذهب في إثرهم؟»، فانتدب منهم سبعين رجلاً: كان فيهم أبو بكرٍ، والزُّبير.
ثانياً: في غزوة بني النَّضير، وبني المصطلق، وفي الخندق، وبني قريظة:
أـ بنو النضير:
خرج النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى بني النَّضير يستعينهم في دية القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أميَّة من بني عامرٍ على وجه الخطأ؛ لأنَّ عَمْراً لم يعلم بالعهد الذي بين بني عامرٍ وبين النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكان بين بني النَّضير، وبني عامرٍ حلفٌ، وعهدٌ، فلمّا أتاهم النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالوا: نعم يا أبا القاسم! نعينك على ما أحببت، ثمَّ خلا بعضهم ببعضٍ، فقالوا: إنَّكم لن تجدوا الرَّجل على مثل حاله هذه، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعدٌ. قالوا: فمن يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرةً، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نفرٍ من أصحابه، فيهم أبو بكرٍ، وعمر، وعلي، فأتى رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الخبرُ من السَّماء بما أراد القوم، فقام، وخرج إلى المدينة، فلمّا استلبث النبيَّ أصحابُه قاموا في طلبه، فرأوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه فقال: رأيته داخلاً المدينة. فأقبل أصحاب النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتّى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.
فبعث النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ محمَّد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهلُ النِّفاق يحرضونهم على المقام، ويعدونهم بالنَّصر، فقويت نفوسهم، وحمي حيي بن أخطب، وبعثوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أنَّه لا يخرجون، ونابذوه بنقض العهد، فعند ذلك أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناس بالخروج إليهم، فحاصروهم خمس عشرة ليلةً، فتحصَّنوا في الحصون، فأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقطع النَّخيل، والتَّحريق، ثمَّ أجلاهم على أنَّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، فنزلت سورة الحشر.
ب ـ بنو المصطلق:
أراد بنو المصطلق أن يغزوا المدينة، فخرج لهم رسول الله في أصحابه، فلمّا انتهى إليهم؛ فدفع راية المهاجرين إلى أبي بكرٍ الصدِّيق، ويقال: إلى عمَّار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة. ثمَّ أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس: أن قولوا: لا إله إلا الله؛ تمنعوا بها أنفسكم، وأموالكم. فأبوا، فتراموا بالنَّبل، ثمَّ أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المسلمين، فحملوا حملة رجلٍ واحدٍ، فما أُفلت منهم رجلٌ واحدٌ، وقُتل منهم عشرةٌ، وأُسر سائرهم، ولم يقتل من المسلمين سوى رجلٍ واحدٍ.
ج ـ في الخندق، وبني قريظة:
كان الصِّدِّيق في الغزوتين مرافقاً للنَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكان يوم الخندق يحمل التُّراب في ثيابه، وساهم مع الصحابة للإسراع في إنجاز حفر الخندق في زمنٍ قياسيٍّ، ممَّا جعل فكرة الخندق تصيب هدفها في مواجهة المشركين.
المراجع:
علي محمد الصلابي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبو بكر الصديق، شخصيته وعصره، دار ابن كثير، ص. ص (77-80).
د. عاطف لماضة، مواقف الصِّدِّيق مع النَّبي في المدينة، دار الصَّحابة للتُّراث، الطبعة الأولى 1413هـ 1993م.ص (27، 28، 32).
د. يسري محمَّد هاني، تاريخ الدَّعوة إِلى الإِسلام في عهد الخلفاء الرَّاشدين، الطَّبعة الأولى 1418هـ جامعة أمِّ القرى، معهد البحوث العلميَّة، وإِحياء التراث.، ص 130.
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري: المطبعة السَّلفيَّة، الطَّبعة الثانية 1401هـ. (2/188)، (7/405).
مسلمٌ رقم (2418).
البخاري، كتاب المغازي، باب حديث بني النَّضير (5/217).
محمَّد بن عمر بن واقد، المغازي للواقدي، تحقيق ماردن جوشن، عالم الكتب بيروت، الطَّبعة الثالثة 1404هـ 1984م. (1/363).
أبو الفداء الحافظ بن كثير الدِّمشقي، البداية والنِّهاية، دار الرَّيَّان، القاهرة، الطَّبعة الأولى 1408هـ 1988م. (4/86)، (4/157).

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close