التفكير العلمي

ترجمة: هاشم كاطع لازم – أستاذ مساعد – كلية شط العرب الجامعة (البصرة) [email protected]
العمليات العلمية
أثناء سنوات الدراسة في المدرسة ربما تكون قد أمضيت ساعات وأنت (تتعلم) شيئا ما لتدرك في مابعد بأنك كنت تحفظ حقائق عن ظهر قلب وأنك لم تكن تفكر في الواقع في مايخص المادة التي كنت تدرسها. لكنك حين تعطي لنفسك بعض الوقت وتفكر مليا بما تتعلمه: هل تتفق في الرأي في العادة مع المعلومات التي تقرأها؟ وهل أن الوقت الذي تمضيه لفهم موضوع ما قد أدى الى تغيير وجهة نظرك باي شكل من الأشكال؟
أن التفكير النقدي critical thinking ، أو تقييم المعلومات بشكل منتظم قبل قبولها أو رفضها ، يمكّن الناس من تجاوز حفظ الحقائق عن ظهر قلب الى التعلم واسع النطاق. والمعلوم أن أساس الدراسة العلمية يكمن في التفكير النقدي. ورغم أن حقولا معرفية مثل علم الأحياء تستخدم في الغالب مرادفة لتعبير العلم فأن مصطلح العلم science يدل في الواقع على دراسة أي شيء من خلال التفكير الموضوعي والنقدي من خلال ملاحظات العالم.
ويهدف العلم بقوة الى طرح أجابات موضوعية قابلة للأختبار للأسئلة الناشئة بشكل طبيعي عن الملاحظة. وعليه فأنه يتماشى مع الأسئلة والأجوبة الذاتية التي يمكن التعاطي معها من جانب كل من الدين والمجتمع. ورغم أن النظريات العلمية تؤدي في الغالب على أثارة الجدل في المجتمعات الأنسانية فأن الفرضية العلمية hypothesis توضع لتقديم تفسيرقابل للتطبيق والدحض للظواهر الطبيعية التي نلاحظها ، لذا فأن دراستك لعلم الأحياء تحتم عليك أن تقوم بدراسة دقيقة لكل فرضية أو نظرية تعتمد على الملاحظات والمعلومات المتوفرة الأخرى قبل التوصل الى الأستنتاجات.
لقد درجنا على تدريس المنهج العلمي بصفته يمثل تدرجا طوليا linear من الملاحظة الى الفرضية ثم الى التجريب ثم الى الخاتمة. والعملية العلمية في الواقع تسير وفق أطار عام تشكل فيه الملاحظة دورا حاسما. كما أن التركيز على تدرج الفكر النقدي الذي نستخدمه في العلم والحياة اليومية أمر تفوق أهميته أتباع الخطوات في (منهج علمي ما).
ورغم الأهمية القصوى لكل من الملاحظة والأستقصاء فأن العلم يتقدم من خلال الأبتكار والأبداع فحسب ، فأذا ماعمد كل عالم الى طرح الأفكار القائمة في الوقت الحاضر حصرا فكيف يتسنى لنا أن نحسّن فهمنا للعالم؟أن الفرضية أو التفسير المنطقي لمجموعة من الملاحظات تقدم أطارا للتقصي الدائم لموقف ما.
وتتطلب العمليات العلمية أشتقاق فرضية من خلال التحليل الموضوعي للمعلومات المتوفرة ، لكن الأنتقال من الحقائق الى التفسير المنطقي للحقائق غالبا مايتطلب الأبداع. ولابد أن تكون الفرضية قابلة للدحض ويمكن البرهنة على عدم صحتها من خلال التجريب أو الملاحظة الدائمة. ثم أن طبيعة العملية العلمية تقتضي بان لاتتم البرهنة على صحة الفرضية العلمية مطلقا لأستحالة معرفة كل جزء من المعلومات ذات الصلة. والمعرفة العلمية تنمو بشكل مضطرد وأن الملاحظات والتجارب المستقبلية يمكن أن تغير فهمنا القائم لأي موضوع. أن التفسير الموضوعي للحقائق القائمة يمكن البرهنة على خطئه في أي وقت من خلال أكتشاف حقائق جديدة تتعارض مع الفرضية.
وتشمل الطريقة الكلاسيكية التدريجية العلمية التفكير الأستقرائي inductive reasoning الذي يهدف الى تطوير فرضية تنشأ منطقيا الى حد كبير من المعلومات المتيسرة. وربما يجري تعميم الفرضيات لكنها محددة في العادة لما يمكن ملاحظته وتحليله في أطار زمني معقول ، والتفكير الأستنتاجي deductive reasoning يولّد مجموعة محددة من التنبؤات القابلة للأختبار. وأخيرا فأن أختبار تنبؤات محددة ربما يفند الفرضية أو يدعمها أو يعدلها بهدف أختبار أضافي.
وتركز بعض المناهج العلمية على عملية أكتشاف معينة بأستخدام الملاحظات وتحليل المعلومات الموسع بهدف تطوير أفكار جديدة أو عالمية. والفرضيات التي يتم أستنباطها من هذا النمط من النهج العلمي تتسم غالبا بكونها تجديدية تستخدم التفكير الأستقرائي للتوصل الى أستنتاجات تؤدي الى تغيير الطريقة التي ينظر بموجبها العلماء الى موضوع ما. ويهدف العلم الذي يعتمد الأكتشاف الى التركيز على الملاحظات والمعلومات لوحدها متحاشيا التحيز المحتمل الرامي الى البحث عن المعلومات لمضاهاة فرضية قائمة.
وفي البحث العلمي ربما تضم الفرضيات المعقدة متعددة الأوجه العديد من الفرضيات المدعومة والمحددة أو أنه قد يتم أشتقاقها من تركيب حجم كبير من المعلومات الموجودة. وبسبب الطبيعة المعقدة لمثل هذه العملية فأن هناك حاجة محتملة لسنوات من الأختبارات لجمع معلومات جديدة لدعم فرضية من هذا النوع أو دحضها. ومع توفر القرائن الداعمة والكافية فأن هذه الفرضية متعددة الأوجه تشير بدلالاتها الى نظرية ما.
الطرق العلمية
رغم وجود (طريقة علمية) واحدة فأن التقصي العلمي يتبع بنية أساسية لتوجيه التفكير النقدي حول ملاحظة ما أو مجموعة من الملاحظات. والعلماء يتبعون سلسلة خطوات تؤدي الى الفرضيات الموضوعية المسنودة بالمعلومات وذلك اعتمادا على طبيعة الملاحظة أو السؤال. والمناهج العلمية قابلة للتطبيق ليس لعلم الأحياء فحسب أنما تمتد أهميتها لكل جانب من جوانب الحياة.
أختبار الفرضية
أن دحض أية فرضية يتطلب التجريب والدراسة التي تعتمد الملاحظة وتحليل المعلومات الموجودة. والتجارب عبارة عن دراسات علمية تقيّم فرضية ما من خلال أختبار تنبؤاتها. وفي أية تجربة يتعامل العلماء مع عامل واحد هو المتغير المستقل independent variable بهدف تبيّن تأثيره على عامل آخر هو المتغير التابع dependent variable. وبالأمكان الوصول الى أستنتاجات حول السبب والتأثير حين يتم التحكم بالمتغيرات الأخرى كافة. ولغرض المقارنة يتم أختبار مجموعة ضابطة control group بالترادف مع المجموعة التجريبية experimental group ويتم الأحتفاظ بالعوامل ذاتها كافة باستثناء المتغير المستقل في كل من المجموعتين الضابطة والتجريبية بهدف تحديد الأختلافات في المتغير التابع الى التغييرات في المتغير المستقل.
وحين يتعذر تحليل مشكلة ما من خلال التعامل مع المتغيرات ذات الصلة فأنه ربما تستخدم الدراسات المقارنة والتحليل المسهب للمعلومات الموجودة والملاحظة المنتظمة للمواقف أو البيئات الجديدة بهدف تقييم فرضية معينة رغم أنه لايمكن أختبار الكثير من الفرضيات بشكل مباشر لأنها تتطلب أستخدام واسع للدراسة التي تعتمد الملاحظة وكذلك تحليل المعلومات. تجدر الأشارة أن جمع المعلومات المنظمة وتحليلها يدحض الفرضيات أو يقدم الدعم لها لكن بذل الجهود الكبيرة أمر مطلوب لتجنب التحيز أو الأستنتاجات غير المناسبة. وفي بعض الأحيان تتصف العلاقة المتبادلة بالخطأ للسببية في الدراسات غير التجريبية. وحين يقع حدثان معا في الغالب (العلاقة المتبادلة) فأن التوصل الى الأستنتاجات حول العلاقة التي تربط بينهما (السببية) ربما يكون أمرا قد حصل قبل أوانه أو أنه غير صحيح.
وربما تصف فرضية ما ، في بعض الأحيان ، علاقة سببية بين المتغيرات لايمكن مواصلة تقصيها من خلال جمع المعلومات المتعلقة بالعلاقة المتبادلة وخاصة في الدراسات الأنسانية. وربما يعمد العلماء في بعض الأحيان الى استخدام نظام نموذجي model system لفسح المجال أمام التحليل التجريبي للفرضية. والنظام النموذجي بمثابة كائن حي يشبه الأنسان في الجانب البيولوجي في ما يتصل في الأقل بالمتغيرات قيد التقصي. وعلى خلاف البشر فأن الأنظمة النموذجية يمكن التعامل معها للتحكم بالمتغيرات الخارجية في تجربة ما مما يعني أفساح المجال أمام علاقات السبب \ النتيجة من أجل أخضاعها للدراسة. وتقدم التجارب في الأنظمة النموذجية دعما مضافا للعلاقات السببية بين متغيرين فهناك على سبيل المثال علاقة متبادلة بين التدخين وسرطان الرئة في البشر. في هذا السياق ليس بمقدور العلماء أن يكلفوا مجموعة ضابطة ومجموعة تجريبية من البشر ويطلبون منها التدخين أو عدم التدخين طيلة سنوات في مختبر مسيطر عليه. والبديل عن ذلك أن الدراسات تجري بأستخدام الفئران بصفة نظام نموذجي بهدف تقييم التأثيرات السببية المحتملة للتدخين على سرطان الرئة.
ويتم تحليل المعلومات الجديدة بأسلوب موضوعي لتحاشي التحيز فالفرضية التي تفتقر الى الدعم تتعرض أما الى الرفض أو التعديل استجابة للمعلومات بمجملها. والفرضية المسنودة تخضع للأختبار الأضافي لحين توسع الأدلة الساندة الى حد كبير لدرجة أن العلماء لن يتمكنوا عندئذ من أختبارها. ولن يكون بمقدور العلم أن يثبت فرضية ما رغم أن الكثير من الفرضيات المدعومة الى حد كبير قد أصبحت جزءا لايتجزأ من المادة التي تضمها الكتب المنهجية. ولدى الأطلاع على أي كتاب منهجي حاول أن تميز بين الملاحظات والمعلومات والتفسيرات المسندة بقوة والمشتقة منها. وفكر مليا ما أذا كنت تتفق مع المنطق وكذلك الدعم لكل تفسير بشكل منفصل. وأذا شعرت بضرورة الحاجة لأدلة أخرى أعمل المزيد من البحوث الأضافية ثم قرر أما القبول أو الرفض بعد أن تكون قد جمعت المعلومات الأضافية.
والفرضية الواسعة جدا التي تؤثر على الكثير من الملاحظات والظواهر العلمية تصبح (نظرية) حيث تتسم الأدلة الداعمة بالقوة بحيث أن مواصلة اختبار المقدمة الرئيسية ينظر أليه بأعتباره أضاعة للموارد. وتبدأ الكثير من النظريات المهمة بملاحظة واحدة أو مجموعة محددة من الملاحظات المثيرة بحيث تتطلب مثل تلك الملاحظات مصوّرا شاملا. ويقدم قانون الجاذبية مثالا كلاسيكيا حول مثل هذا الأمر ففي العلوم يشير التعبير (قانون) law الى ملاحظة تم أختبارها بشكل دقيق (أو مجموعة من الملاحظات ذات الصلة) وهي تتسم بالأهمية العالية بحيث تؤثر على نطاق واسع من الأستقصاءات العلمية. وتقتصر القوانين العلمية على وصف ظاهرة ما لكنها لاتسعى الى بيان الكيفية التي يحصل بموجبها التأثير. وفي هذا المثال يدل قانون الجاذبية على المعادلة التي تصف رد فعل الأشياء التي ينجذب بعضها الى البعض الآخر لكنها لاتبين أسباب مثل هذا الأنجذاب. ومع تزايد معرفة العاملين في مجال الفيزياء أصبح بمقدورهم أختبار التفسيرات الى أن يتم دعم الفرضيات التي توضح قانون الجاذبية بالأدلة الكافية حتى تصبح نظرية للجاذبية. ورغم توفر الأدلة الكثيرة التي تدعم نظرية الجاذبية فأن العلم يؤمن تماما أنه في حال سلوك شيء ما بشكل يغاير فهمنا الحالي للجاذبية فأن العلماء سوف يستبعدون نظرية الجاذبية ويعمدون الى أيجاد فرضية جديدة قابلة للأختبار بهدف أيضاح المعلومات الجديدة بأكملها.

https://dlc.dcccd.edu/biology1-1/scientific-thinking

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close