الفساد في البلقان يعيق العضوية في الإتحاد الأوروبي

بقلم: أ.د. ألون بن مئير وأربانا إكسهارا
دول البلقان الست الغربية – صربيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو ومقدونيا والجبل الأسود وألبانيا – هي دول مأسورة من قبل سياسييها الفاسدين المرتبطين بالجريمة المنظمة. تم توثيق هذه الحقائق من خلال التقارير الدولية المختلفة والتي تثير مخاوف كبيرة بين مسؤولي الإتحاد الأوروبي بشأن عملية توسيع الإتحاد.

كان من المنتظر أن تفي هذه البلدان بالمعايير الإجتماعية والسياسية وحقوق الإنسان باعتبارها مؤهلات أساسية للانضمام إلى الإتحاد الأوروبي. ومع ذلك ، أصبح الإتحاد الأوروبي يشك بشكل متزايد في أن دول البلقان تستطيع الوفاء بهذه المعايير، حيث أن حياتها الإجتماعية والسياسية تعاني بشدة من الفساد. ومع ذلك ، يجب ألا تتوقف الجهود المبذولة للقضاء على الفساد لأن عضوية البلقان في الاتحاد الأوروبي تخدم المصالح الجيوستراتيجية للجانبين.

وقالت كورنيليا آبيل ، خبيرة منظمة الشفافية الدولية في جنوب شرق أوروبا ، قبل نشر أحدث مؤشر للفساد إن العلاقة بين السياسيين والشركات أو الجريمة المنظمة “تهدد أو حتى في بعض الحالات تعلق إلى حد كبير حكم القانون وتوزيع السلطة”. وضغطت مسؤولة السياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي ، فيديريكا موغيريني ، على القادة لبذل المزيد من الجهد لمكافحة الفساد ، ولكن دون جدوى.

يقول لافديم حميدي، رئيس تحرير جريدة “زيري” (Zeri) في كوسوفو التي حققت في الفساد في دول البلقان إن “دول البلقان هي بلا شك على رأس قائمة أكثر الدول فسادا في العالم”.

يبرز مؤشر إدراك الفساد لعام 2017 أن غالبية دول البلقان تحقق تقدمًا ضئيلًا أو حتّى لا شيء على الإطلاق في إنهاء الفساد. يخاطر الصحفيون والناشطون في هذه البلدان بحياتهم كل يوم في جهودهم لكشف الزعماء الفاسدين. يصنف المؤشر 180 دولة وإقليم حسب مستويات الفساد السياسي ، حيث 1 هو الأقل و 180 الأكثر فساداً على سلّم القياس.

ومن بين جميع مقاطعات البلقان تبيّن بأن مقدونيا هي الأكثر فسادًا في المرتبة 107. وقبل شهرين طلب رئيس الوزراء المقدوني السابق نيكولا جروفسكي اللجوء في هنغاريا بسبب فضيحة التنصت على الهواتف حيث وجدت المحكمة أنه مذنب فيها. يقول كمال أحمدي، الخبير في الشؤون السياسية في البلقان ، إن مقدونيا وغيرها من دول البلقان هي نفسها كما في نيجيريا أو في أي مكان آخر يسري فيه الفساد وراء قناع العلاقات القبلية والعائلية والعشائرية والعرقية.

يقول أحمدي: “إن النخبة في هذه البلدان” كانت دائماً تعمل على إقناع جمهورها بأنها متهمة بالفساد دون مبرّر من قبل الغربيين. وعليه، لن ينجح الإتحاد الأوروبي والمراقبون الدوليون في مقدونيا في محاربة الفساد بدون الرقابة المباشرة والنشطة على الأرض.

كوسوفو هي ثاني أكثر دولة فاسدة في البلقان حيث إحتلّت المرتبة 85. فمنذ أن أعلنت كوسوفو استقلالها في عام 2008 قدمت العديد من الفرص لزعمائها السياسيين ليصبحوا أثرياء للغاية. “وبغض النظر عن المكان الذي يخدمون فيه ، يبدو أن جميعهم يستفيدون بشكل أكبر بكثير مما تبيّنه أجورهم. “لقد أصبح مسؤولو الأحزاب رفيعو المستوى أغنياء جدّا ً لدرجة أصبح بإمكانهم استئجار سائقين خصوصيين لسياراتهم وحراس شخصيين دون الإعلان عن مصدر التمويل” ، كما يقول جيتون ذو الفاج الذي أمضى العقدين الأخيرين في كوسوفو مركّزا ً على استراتيجيات مكافحة الفساد.

في كوسوفو ، حيث وصلت البطالة إلى رقم مثير للقلق، بالتحديد لنسبة 30 ٪ ، نرى السياسيين هم أغنى طبقة في البلاد. توسعت الكثير من الشركات الكبرى بفضل دعم الساسة الذين يتلقون الملايين مقابل “جهودهم”.

ووفقا لمؤشر الفساد، انخفضت ألبانيا من المرتبة 83 إلى 91 على سلّم الفساد. لقد تم إحراز تقدم في معالجة الفساد البسيط في القطاع العام ، ولكن لا يزال يتعين القيام بالكثير من العمل، لا سيما فيما يتعلق بالفساد في الجهاز القضائي. ويقول جرجج إريبيا، وهو صحفي من ألبانيا ، إن “النظام القضائي، بما في ذلك المدعون العامون والمحاكم، يخضعون إلى نفوذ شديد من النخبة السياسية. السياسيون … يستخدمون سلطة غير محدودة للدولة لابتزاز الناخبين … والشركات الخاصة الكبيرة هي ، إلى حد ما ، امتداد للنظام السياسي “.

لم تحرز البوسنة والهرسك أي تقدم في مكافحة الفساد في العقد الماضي لتحتل المرتبة نفسها التي إحتلتها ألبانيا. لا يزال الفساد السياسي في هذا البلد يشكل على جميع مستويات الحكومة مصدر قلق بالغ. كتب السفير البريطاني في البوسنة والهرسك ، مات فيلد ، مؤخراً عن الفساد ، قائلاً:

“من الصعب تقدير التكلفة النهائية للفساد لكنها تشمل الملايين في الإنفاق الحكومي الفاسد وفي الأموال المسروقة وفي الإستثمارات الأجنبية الضائعة. وهذا الثمن يقع دائمًا على دافع الضرائب وهو المواطن الذي لا يحصل على الخدمات العامة الجيدة التي يدفعها.

سمّت كورنيليا آبل ، المسؤولة عن الشفافية الدولية ، صربيا كمثال على “النظام السياسي الأسير” مشيرة إلى التأثير المفرط لرئيسها ، ألكسندر فوسيك. وقالت: “أصبحت صربيا مثالاً بارزًا لشخص واحد في موقع القوة يؤثر على الجميع”. وهبطت صربيا خمس نقاط على مؤشر إدراك الفساد ، من 72 في عام 2016 إلى 77 في عام 2017.

ويذكر مؤشّر مكافحة الفساد في قطاع الأعمال المدعوم من الإتحاد الأوروبي أن “الفساد مشكلة في صربيا وتفوق نسبة الرشوة على المعدل الإقليمي. ينبغي على الشركات الأجنبية أن تكون على دراية بتضارب المصالح داخل مؤسسات الدولة في صربيا. إن المشتريات الحكومية واستخراج الموارد الطبيعية والسلطة القضائية عرضة بشكل خاص للتزوير والإختلاس “.

كما لم يحقق الجبل الأسود أي تقدم يذكر في كفاحه ضد الفساد ، وظل في المرتبة 64. وقال خبراء الشفافية الدولية إن محاولة الإنقلاب المزعومة عام 2016 “أوقفت جهود مكافحة الفساد إلى حد ما”. وكثيرا ما يتم انتقاد الجبل الأسود لعدم قيامه بما يكفي للتصدي للجريمة المنظمة والفساد حيث تطالب بروكسل بتحقيق نتائج ملموسة في مكافحة الفساد على المستوى السياسي الرفيع كواحد من الشروط الرئيسية للإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي.

إن الفساد السياسي المستشري في دول البلقان هو بالتأكيد إحدى العقبات الرئيسية التي تباطىء بشكل كبير عملية الإندماج في الاتحاد الأوروبي. ومع الأخذ بعين الإعتبار على أية حال بأن دول البلقان حريصة على الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي ، وبما أن الإتحاد الأوروبي أيضا ً مهتم بإغرائها في الدخول في مداره وإبعادها عن تركيا وروسيا، يحتاج الطرفان إلى اتخاذ تدابير محددة لمعالجة مشكلة الفساد.

إن الإتحاد الأوروبي في وضع قوي لاستخدام نفوذه من خلال تقديم الإستثمارات والقروض وإمكانية الوصول إلى السوق الأوروبية، والتي لا تستطيع روسيا ولا تركيا منافستها بفعالية – ومع ذلك ، فهاتان الدولتان لا تتوقفا عن أي شيء لدمجها في مجال نفوذهما. وفي المقابل ، ينبغي مطالبة البلقان بإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية.

كما ينبغي على الإتحاد الأوروبي أن يصر على مزيد من الشفافية والمساءلة ، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ من الفساد المنتشر من قبل المسؤولين المنتخبين. ولتحقيق هذه الغاية ، يجب على الإتحاد الأوروبي أن يستأنف مطالبته بوجوب إنفاذ القانون والعدالة ، ليس فقط في كوسوفو (التي انتهت أخيرا ًبعد عشر سنوات) ولكن في جميع دول البلقان التي ترغب في أن تصبح أعضاء في الإتحاد الأوروبي.

وللمجتمعات المدنية في جميع أنحاء البلقان دور كبير تلعبه من خلال الإحتجاج وتنظيم مسيرات ضخمة والمطالبة بإنهاء الفساد الذي أصاب جميع الطبقات الحكومية، بما في ذلك القضاء وتنفيذ القانون. وإذا فشلت حكوماتهم في اتخاذ خطوات واضحة وحاسمة للتعامل مع الفساد، قد يضطر الجمهور إلى اللجوء إلى العصيان المدني الذي قد يتضمن الإضرابات العمالية والمظاهرات الطلابية وتباطؤ في عمل موظفي الحكومة.

يعتبر التصدي لمشكلة الفساد في البلقان أمرًا أساسيًا لمصالح الإتحاد الأوروبي الجيو- إستراتيجية بالإضافة إلى رفاهية البلقان المستقبلية داخل مجتمع الإتحاد الأوروبي. ويجب أن يُنظر إلى انضمام دول البلقان إلى الإتحاد الأوروبي على أنه زواج ضروري سيعزز بشكل كبير أمنها الجماعي في الوقت الذي يحسِّن فيه بشكل كبير نوعية الحياة واحترام حقوق الإنسان في جميع أنحاء البلقان.

Copyright © 2019 Alon Ben-Meir Institute, All rights reserved.
You are receiving this email because you subscribed for Article Alerts at alonben-meir.com.

Our mailing address is:
Alon Ben-Meir Institute
Park West Station
P.O. Box 20543
New York, NY 10025

Add us to your address book

Want to change how you receive these emails?
You can update your preferences or unsubscribe from this list

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close