بدر شاكر السياب مترجما

بقلم الدكتور كاظم خلف العلي – استاذ اللسانيات و الترجمة – كلية الآداب – جامعة البصرة [email protected]
أحسب أني أول من تناول موضوعة الترجمة لدى رائد الشعر الحديث بدر شاكر السياب بصورة موسعة في دراسة مقبولة للنشر في مجلة كلية الآداب بجامعة البصرة في العام 1995 و منشورة في مجلة دراسات الترجمة لبيت الحكمة العدد (1) لسنة 1999 . و هذا لا يعني أنه لم تكن هناك إشارات هنا و هناك تتناول هذا الجانب الإبداعي لدى بدر. و أرى من المناسب في البدء أن أستشهد هنا  بفقرة للناقد و الأديب و المترجم جبرا إبراهيم جبرا لتسليط الضوء بكلمات قليلة على سيرة السياب . يقول جبرا: ” كان في حياة السياب من الدرامة شيء كثير، دراسته، صباه في جيكور، فقره، غرامياته، سياسياته، اعتقالاته، خيباته، فدائياته، عذابه الأيوبي الأخير- كلها درامة متصاعدة يحتل هو فيها بؤرة ملتهبة، و قصائده لذلك تؤخذ كلها معا كمأساة درامية متكاملة تسترسل، و تنمو، و تتصاعد، نحو ذروة من ذرى التجربة الإنسانية الرامزة إلى الحياة البشرية: في ظرف معين من التاريخ، في ربع قرن من زمان مفعم بالأحداث و التفجرات – و في ظرف مطلق- هو ظرف الحياة العربية الجديدة، أو ظرف الحياة الإنسانية في أي زمان. هنا يكمن السر في عبقرية بدر، ذلك السر الذي يغرينا و سيغري الأجيال القادمة، بالبحث و التقول و التأويل في اتجاهات كثيرة. انه السر الذي يلازم الكتابات العظيمة ، فيجعلها في توهج دائم، و هو السر الذي يجمع بين أناس غدوا بعد موتهم أشبه بالأساطير” (1971: ص 22). و أظن أن في هذه الإشارة من جبرا سببا كافيا لقيامي بالبحث و التقول و التأويل في نتاج السياب مُترجَماً في كتيب خصصته لثلاث ترجمات إلى الإنكليزية لقصيدته الرائعة “أنشودة المطر”، و مُترجِماً في ثنايا هذه الدراسة.

1. السياب و إمكانات المترجم:
مثلما كان السياب مثيرا للجدل في أكثر من مسألة كما هي عليه الحال في قضية ريادته للشعر الحر، أو قيمة شاعريته و مكانتها، أو مسألة جذوره الثقافية (تراجع دراسة سامي مهدي، 1993: ص 118-254) ، فإن إمكاناته و إبداعاته في الترجمة كانت أيضا موضوع تقييمين، فهنالك من يقف إلى جانب السياب المترجم و يثني على دقة ترجماته و جمال لغته و عذوبتها، و هناك من يشكك في فهمه و استيعابه أصول النصوص المترجمة، بل و يثير الدعوة إلى ضرورة تخصيص دراسة مستقلة تبحث في أصول النصوص و ترجمتها (و هو على وجه الخصوص رأي الناقد إحسان عباس 1969: ص 237). و لكي نصل إلى رأي في هذا الموضوع أرى من اللازم علي أن استعرض شيئا من سيرة بدر و إمكاناته في اللغات الأجنبية. يذكر المحامي و الأديب محمود العبطة (1970:21) أن بدرا قد حصل في الصف السادس (البكالوريا) على درجة (88) في الإنكليزية، و على (91) في اللغة الإنكليزية و (90) في الفرنسية و (76) في الأدب الإنكليزي و (72) في التاريخ الإنكليزي و (88) في الترجمة عندما كان في الصف الثالث بدار المعلمين العالية في 1946-1947(المصدر ذاته: ص 22). و يرى العبطة (ص 13) أن درجاته العالية من الابتدائية إلى دار المعلمين العالية أدت إلى نبوغه الرائع في اللغات و التي سرعان ما انتجت منه شاعرا مطبوعا طلعة و مترجما بارعا و متتبعا ملما بتيارات العالم الكبير. و أرى إن تفوق بدر هنا في اللغتين الإنكليزية و الفرنسية و في الأدب و التاريخ الإنكليزيين و الترجمة يحسب لصالحه مترجما و مثقفا.
و يرى الناقد الفلسطيني عيسى بلاطة (1987:ص 86) في معرض حديثه عن كتاب السياب “قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث” أن ترجمات السياب للقصائد الواردة في الكتاب يمكن أن تعد على كل حال أمينة و إن غير المترجم عناوين بعض القصائد و أعاد تقسيم الأبيات بما تقتضيه موسيقى الجملة العربية و تركيبها، و كانت ترجمته غير موزونة ما عدا قصيدتين ترجمهما شعرا حرا فيه بعض القوافي. أما الدكتور سلمان الواسطي فيقول في بحث عن “نقد الترجمة” (1980: ص 282) أن السياب قد أجاد في ترجمة قصيدة “رحلة المجوس” لتي أس إيليوت لأن السياب كان متمتعا بكل مواصفات المترجم الناجح للشعر و هي : (1) المعرفة الجيدة باللغة الإنكليزية و (2) المتابعة العميقة للثقافة التي أبرزت إليوت و (3) شاعريته و حسه الموسيقي بحكم كونه شاعرا و تمكنه من العربية. و يستطرد الواسطي مضيفا إن ترجمة كترجمة بدر تدحض الرأي القائل باستحالة ترجمة الشعر.
و إذا كنا نقدر في بدر حصوله على (90) في الفرنسية بدار المعلمين العالية، و سعيه لتوسيع معرفته بتلك اللغة بمساعدة من زميله سليمان العيسى (علوش، 19974: ص 144) فإن مما لا يغفر له ترجمة القصائد المختارة من الشعر العالمي الحديث كلها عن الإنكليزية. إن معظم القصائد المترجمة في كتابه المذكور أنفا كتبت بغير الإنكليزية فهي كما وردت في متن الكتاب لا غلافه للإسباني فدريكو غارسيا لوركا و الإنكليزي تي أس إليوت و الأمريكي عزرا باوند و اليوناني انجلوس سكليانوس و التشيلي بابلو نيرودا و الفرنسي ارتو رامبو و الألماني رينيه ماريا ريلكه و الفرنسي جاك بريفيه و الإيطالي أوجينيو مونتال و الإنكليزية أدث ستويل و الإنكليزي ستيفن سبندر والبلجيكية أميلي كامير و البورتوريكي لويس مينوز مارين و الفنزويلي انجيل ميجيل كرميل و الإيطالي ارتورجيو فانيتي و الأمريكي جون فلتشر و التركي ناظم حكمت و الإنكليزي سيسيل داي لويس و الهندي رابندرانات طاغور و الإنكليزي والتر دي لامير(1) . و هذا يعني أن من بين العشرين شاعرا الذين ترجم لهم السياب هناك تسعة شعراء كتبوا قصائدهم بالإنكليزية، و يصبح العدد عشرة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار احتمالية كتابة الشاعر البورتوريكي مارين لقصيدته بالإنكليزية حيث إن اللغتين الرسميتين في بورتوريكا هما الإسبانية و الإنكليزية.  إن حال الترجمة هنا كحال من يستنسخ لا عن الأصل بل الصورة حيث يضيف إلى عيوب الاستنساخ عيوب الصورة (عبد العزيز، 1980: ص 100)، و بمقدورنا أن نتوقع مقدار العيب الذي “استنسخه” السياب عن عيب مترجمي تلك القصائد من لغاتها إلى الإنكليزية إذا ما وضعنا في البال قول يوجين نايدا (1976: ص 63) : لا اتصال سواء كان داخل اللغة الواحدة أو بين لغات متعددة أو كان اتصالا سيميولوجيا ، يمكن أن يظهر دون بعض الفقدان في المعلومات، و ليس من المحتمل أن يزداد مستوى استيعاب خبراء يناقشون موضوعا من صميم اختصاصاتهم إلى أكثر من 80%”.
فلو تصورنا أن مترجم تلك القصائد المكتوبة بغير الإنكليزية قد توصل إلى 80% من تلك النصوص  ألا يكون قد توصل بدر إلى أقل من 80% و هو ينقل تلك النصوص إلى العربية. إن حسنة السياب التي تستوجب الإشارة لها في هذا الموضوع بالذات هي إشارته (1955:ص100) لمدى الصعوبة التي يواجهها المترجم و هو ينقل قصيدة مترجمة أصلا مضيفا إن مما يزيد في تلك الصعوبة هو كون أغلب تلك الترجمات هي ترجمات شعرية. و يتوصل إحسان عباس (ص237) بعد دراسته للينابيع و الأصول الثقافية لبدر و مقارنته لنصوص قصائده المترجمة المختارة مع أصولها (كما في حالة اقتباسه عن كيتس و نقله بعض نصوص ستويل) إلى أن الترجمة يعوزها في بعض الأحيان قدر كبير من الفهم الدقيق للنص، و يدعونا لمقارنة ترجمة السياب لقصيدة ناظم حكمت و ترجمة عفيف فراج للقصيدة ذاتها. و ضمن السياق ذاته يشير حسن توفيق (1979:ص 65) إلى مدى العناء الذي تكبده بدر في ترجمة قصيدة “إلى الصيف” للشاعر الإنكليزي وليم بليك (القصيدة مضمنة في رسالة بعث بها السياب إلى صديقه محمد علي إسماعيل بتاريخ 24/12/1943وردت في السامرائي 1975:ص 22-23) بسبب ضعف مقدرته في الإنكليزية و لأن السياب كما يقول كان يستعين بالقاموس لأكثر من عشرين أو ثلاثين مرة في القصيدة الواحدة (2). إنه لمن الغريب هنا حقا أن نقف بين حافتي النقيضين، بين بدر الذي يدحض الرأي القائل باستحالة ترجمة الشعر و بدر غير المتمكن في الإنكليزية.
2. موقف السياب من الترجمة:
بإمكان المرء أن يتلمس موقف بدر شاكر السياب جليا واضحا في عدد من الرسائل التي بعث بها إلى بعض من أصدقائه، و خصوصا تلك المرسلة إلى الأديب جبرا إبراهيم جبرا و الشاعر يوسف الخال. و تكشف هذه الرسائل عن أن السياب لا يرى في الترجمة عملا إبداعيا و إن ما دفعه إليها هو بالأساس العوز و الفاقة اللتان كان يحس بهما هو و أفراد أسرته. و في أدناه بعض المقتطفات من رسائله التي تعبر عن نظرة إنتقاصية من الترجمة (3)
رسالته إلى يوسف الخال في 3/8/1961:

“أفضل أن تصلني – من إيناسيو سيلوني و مجلة تمبوبريزنتي- بطاقة السفر من بغداد أو البصرة، بطيارات شركة أليتاليا الإيطالية مثلا، استطيع السفر من العراق لبيروت، ثم استأنفه من بيروت إلى إيطاليا، لأنني مفلس، مفلس تماما، أنتظر خلال يوم أو يومين مولودا جديدا. لعل في هذا تفسيرا لسبب الإفلاس، و بالمناسبة ألا تستطيع أن تستحصل لي من مؤسسة فرانكلين في بيروت، أو من أية مؤسسة تشابهها، كتابا أترجمه: أفضل أن يكون رواية أو ديوان شعر أو أي كتاب آخر أدبي”.

و الذي نستشفه من هذه الرسالة فضلا عما أشرنا إليه آنفا هو عدم وضوح أو معرفة بدر لرغباته و إمكاناته بل و أهدافه و مراميه من الترجمة، فهو أولا يطلب أي كتاب، و ربما حصل على كتاب في السياسة أو الفلسفة أو الاجتماع فذلك لا يهم، و ثانيا أنه يفضل إن وقع الاختيار على الأدب أن يكون الكتاب هو رواية، و هذا مما يثير العجب حقا ً إذ انه كان بمقدور الشاعر بدر أن يترجم الشعر أفضل من أي جنس أدبي أخر. ولا نحسب أن أي أمرئ سيختلف مع وجهة النظر القائلة بأن المترجم الناجح هو المترجم الاختصاصي، وبدر هنا اختصاصي في الشعر فكيف يضع الشعر ثانيا ً في رغباته وتفضيلاته.

رسالته إلى يوسف الخال في 16/3/ 1962:

” أنا الأن في دوامة النشاط الشعري لكن قاتل لله الشعر، إنه لا يشبع من جوع ولا يكسو من عري. إن ترجمة كتاب واحد لمؤسسة فرانكلين مثلا ً، تدر من المال ما يعادل ربح دواوين عده”.
وما نلمحه في هذه الرسالة هو ربط الترجمة ربطا ً واضحا ًبالمادية والربحية، وربط الشعر بالجوع والعري (وقد يكون هذا صحيحا ً)، وربما كان موقفه هذا من الشعر بالمقارنة مع الترجمة، مثلا ً، الدافع لأن يأخذ موقفا ً أخر من الشعر كما يرى ذلك محمود العبطة (1965:ص 16): “وفي السنين الأخيرة نشر مقالات ظالمة وقصائد تزلف في صحف بغداد، كما توظف محررا ً في مجلة حكومية في البصرة، وسافر إلى روما وألقى محاضرة عاطفية عن الشعر في العراق أنزلته من عيون الناس، وأتصل بمجلة حوار المشبوهة ونشر فيها. إن هذه المواقف نقاط سوداء في صفحته البيضاء.  و ما يهمنا في هذا المجال هو محاضرته في روما وموقفه من الالتزام في الشعر والأدب عموما ً.

3. رسالته إلى جبرا إبراهيم جبرا في 22/1/ 1962:

” أرجو أن تكون بخير، وبعد، فقد انتهيت من تبييض ما ترجمته من كتاب الأدب الأمريكي إلى نهاية الصفحة (435″(

يرينا هذا الجزء من الرسالة مع الجزئين الواردين في (4 و 6) مدى تهافت بدر وحاجته للحصول على المال ورغبته في الحصول على أتعابه حتى إن لم يكن الكتاب قد طبع ونشر أو تمت مراجعته. بل إنه و في جميع الرسائل الخاصة بهذا الكتاب لا يطلب رأيا ً أو تقييما ً حول الترجمة ومكانتها أو وقعها عند جبرا مثلما يفعل مع المال حيث يرد في رسالة بعث  بها إلى جبرا قائلا ً: ” أما عرضك السخي علي بأن أشاركك في ترجمة كتاب من الأدب الأمريكي فإني أقبله مع الشكر العظيم، وأنا في انتظار أصول الكتاب المقررة لي لأشرع بترجمتها ترجمة تليق بأن توضع في كتاب واحد مع ترجمتك. ولكن بالله (عليك) كثر…. لتكثر معها “المصاري” ( السامرائي ص 128) والمقصود هنا بالكتاب هو “ثلاثة قرون من الأدب الأمريكي” الذي تمت ترجمته بناء على تكليف من مؤسسة فرانكلين الأمريكية، والذي صدر عن دار مكتبة الحياة ببيروت بجزئيه الأول (عام 1965) والثاني (عام 1966) وبظني ان المقصود بـ “كثر”  هو “عدد الصفحات”.

4.- رسالته إلى جبرا إبراهيم جبرا من لندن في 30/1/1963:

” فوجئت عندما علمت امس من السفارة العراقية ان رمضان قد حل. لكن هما ً أصابني سيأتي العيد وليس هناك من يشتري ملابس جديدة لأطفالي، إن راتب أمهم لا يكفي لأكثر من إطعامهم. أفلا تستطيع إقناع الدكتور محمود الأمين بإرسال ما استحقه عن ترجمة جزء من كتاب الادب الامريكي إلى زوجتي”.

5.- رسالته إلى جبرا ابراهيم جبرا من لندن في 30/1/1963:

” أنك أوسع نشاطا ًمن ان تحدك الترجمة عن كتابة الشعر او القصة او النقد”.

 ويبدو واضحا ً هنا أن السياب لا ينظر إلى الترجمة كونها عملا ً إبداعيا ً مثل كتابة الشعر أو القصة أو النقد بل هي أقل قيمة وشأنا ً منهما وهو ينقد هاهنا جبرا لانشغاله بالترجمة. ويكفينا من قصور نظرة بدر إلى الترجمة أن نقارن بين رأيه وبين رأي صديقه جبرا عندما يتحدث بوله وفخار كبيرين عن تجربته مع شكسبير (ينظر جبرا 1979 ص41-55) أو عند مقارنة عمل جبرا الإبداعي كمترجم وبقية نشاطاته الإبداعية الأخرى. لقد أغنى جبرا من خلال هذا الرافد الإبداعي المكتبة العربية بالكثير من الدراسات النقدية و الأدبية والفنية والتاريخية. ومما يثير الغرابة حقا ً انه ومع التطور الهائل ومع كل النشاطات والفعاليات والنتاجات المقدمة عبر الترجمة ومع كل المدارس والمعاهد والكتب النظرية عن الترجمة ما زال هناك من يشاطر السياب رأيه ويرى في الترجمة عملا إبداعيا ناقصا ً بدعوى أنها متطفلة على الآخر و معتمدة عليه. ويكفينا من جدال هؤلاء ان نشير إلى النتاجات الإبداعية لكل المترجمين المبدعين الكبار أمثال جبرا وسامي الـدروبي ومنير البعلبكي الذين لا يمكن تصور الحياة الأدبية  خصوصا و الإبداعية عموما بدونهم.

6. رسالته إلى جبرا ابراهيم جبرا في 20|4|1963:

“ماذا تم بشان ثلثي المبلغ الذي أستحقه عن ترجمة كتاب (من الأدب الأمريكي) انني أحوج ما أكون إلى هذا المبلغ . كنت أظن ان الدكتور محمود (الأمين) قد صرفه لزوجتي  منذ ان كتب لك من لندن – لكنها لم تستسلم ) شيئاً حتى الآن.”(5(

واذا كانت الحاجة هي التي دفعت بدر إلى أن يقبل ترجمة كتابين أمريكيين لمؤسسة فرانكلين ويراجع ويقدم لكتاب ثالث (بلاطة :ص 117-118) فإن الترجمة ظلت دائما الملجأ الثانوي الأخير و الآمن لبدر في أوقات فصله المستمرة والدائمة من العمل . ملجأ ثانوياً . نعم . فحيث انه لا يلجأ إليها إلا عند فصله من العمل فمعنى ذلك انها ثانوية عنده, وحيث انه يعمل ويترجم في الصحف والمجلات بعد ساعات العمل الوظيفية وتنتشر أعماله من  دون أسمه (وإن كان لهذا أو لبعضه أسباب أخرى) فان هذا يعني أن مكانة الترجمة عنده ثانوية إذ إنه لم ينشر عملا شعريا واحداً دون اسمه وتوقيعه. و تأكيدا لهذا يقول خالص عزمي (1971: ص 19-20) أن السياب ذكر له أن اغلب نتاجه (غير الشعري) مبعثر هنا وهناك مؤكدا له بان ليس من الصعب معرفة نتاجه لمن يقصده و يتقصده . وفيما يخص لجوئه إلى الترجمة عند فصله من العمل نرى ان السياب قد قدم طلباً إلى شركة نفط البصرة للعمل فيها كمترجم بعد فصله من عمله السابق وبعد فشله في الحصول على عمل آخر وبعد زيادة الحيرة واليأس والدمار الذي أحس به , ولكن طلبه يرفض بدقائق معدودات من موعد مقابلته (عباس ,1969:ص 295-296) لأن وزير الاقتصاد الوطني إبراهيم كبة كان ماركسي الميول وكانت الموافقة على تعيينه قد تمت في غياب الوزير(بلاطة :ص 106) . ويقع في الاتجاه ذاته عمله مترجما في صحف “الجبهة الشعبية” و”الرأي العام” و”العالم العربي” وصحف الأستاذ محمد مهدي الجواهري (عباس ,1969:ص 169). وأما عن الشق الثاني من ثانوية مكانة الترجمة لديه فهو نشره لمقالات وقصائد دون اسمه وتوقيعه وهو ما يؤكده ثانية التميمي (1987:ص 254) عند زيارته في عام 1952 حيث زار التميمي السياب في مكتب جريدة “الجهاد” المقابل لمركز شرطة السراي المجاور للقشلة و أكد له السياب ان اغلب الترجمات الأدبية والسياسية التي نشرتها الجريدة (الجهاد) يومئذ هي مما ترجمه بإسمه الصريح أو خلواً من الاسم.

وفضلاً عما تقدم فإن بدراً قد مارس الترجمة بأشكال أخرى, ومنها عمله بوظيفة صغرى كمترجم في السفارة الباكستانية بأجر زهيد (كما يؤكد ذلك جبرا في لقاء مع بلاطة. بلاطة: ص106) وقيامه بترجمة قصائده للإنكليزية للشاعرة لوك نوران التي قامت بترجمتها الى الفرنسية (!) في مقهى انكل سام (توفيق: ص 102). و إذا كانت دوافع بدر للعمل كمترجم يمكن إجمالها بالحاجة إلى المال, وبالدافع العاطفي (كما في ترجمته للوك نوران), و بالدافع الرمزي (كما سنشير لذلك لاحقا عند حديثنا عن الأسطورة و الترجمة) فإن الترجمة كانت ثانوية عنده عند نقله لعشرين قصيدة – قصائد مختارة من الشعر العالي الحديث- “لأن العملية كانت كما يرى الناقد داود البصري إنما كانت لإتمام شاعريته: “…. ومن هنا تكون قيمة ترجمات السياب انها كانت تتم شاعريته ففي الوقت الذي لم يكن في شعره أقواس ولا أساطير ولا جمل معترضة ولا أناشيد (كورس) داخل القصيدة, ولا نقد للحضارة الجديدة ولا تعبير بالصور وغيرها مما هو من سمات الشعر الغربي يلجأ إلى الترجمة ليتمم شاعريته بما يعوزها.. ولكنه حيث تمكن من هذه السمات وعرف كيف يجاريها ويجيء بمثلها أو بأحسن منها توقف عن ترجمة الشعر لأنه حقق في شعره ما كان يبحث عنه في ترجمته . ومن هنا يكمن القول باطمئنان انه لم يترجم شعراً بعد صدور ديوانه “أنشودة المطر” (ص84( .

والسؤال الذي نود طرحه في هذا المقام هو : لو لم تكن الترجمة ثانوية عند شاعرنا أكان قد توقف عن القيام بها ؟

3. السياب والاختيار:

ونحن نتطرق لهذا الجانب من سيرة بدر المترجم, أود أن أقول إن مما يؤسف له حقاً ان الكثير من كتب الترجمة – منهجية او غير منهجية – تغفل في مناقشتها بعض المسائل التي أراها مهمة وذات علاقة حيوية بالترجمة, وأول تلك المسائل هي اختيار الموضوع المناسب للترجمة فما هي العوامل التي يمكن أخذها بعين الاعتبارعند اختيار نص ما للترجمة؟ من الممكن الإجابة عن هذا السؤال بالنقاط الآتية:

1. يحدد المترجم اختياره لنص ما بعد دراسة ما هو مطلوب في الساحة الأدبية، وما يحدده المناخ الأدبي لأنه من غير المعقول أن تترجم مادة غير ذات فائدة أدبية آنية لا تطور القضايا المطروحة للنقاش والجدل ولا تكمل ما هو موجود باللغة الأم.
2. يحدد المترجم اختياره بما يلاقي تجاوبا وصدى في نفسه أو يلامس تجربة ما، ويرغب في أن ينقل هذا الأثر والمؤثر إلى القارئ.
3. يحدد المترجم اختياره بالنصوص الإبداعية التي تخترق حاجز الزمن، بالنصوص التي تخاطب ما هو كوني وإنساني في الإنسان. فلن يعدم شيكسبير مثلا من يترجمه ويخرج أعماله لأن الموضوعات المطروحة في أعماله خالدة لا تفنى.
4. يحدد المترجم اختياره بالنصوص الإبداعية غير المستكشفة، أو غير المعروفة بشكل واسع.

واذا ما جئنا إلى مترجمنا السياب، فأي من هذه العوامل حددت اختياره للمادة المترجمة؟ لقد كان السياب في موقع الوسط من مسألة الاختيار(6). فهناك أولا الأعمال التي لم يكن للسياب أي خيار فيها، وخصوصا تلك التي ترجمها بدافع الحاجة إلى المال والتي اختارت فرانكلين ترجمتها، وهي :

1. مولد الحرية الجديد لأس . آيفرت.

2.الجواد الأدهم لولتر فارلي.

3. فصول كتاب “ثلاثة قرون من الأدب” وعنوان الكتاب هو كما اشرنا إليه وليس كما يشير إليه البعض، أو السياب ذاته. ويذكر البصري (ص 84) ان السياب ترجم فصلا واحدا من كتاب “ثلاثة قرون أدبية”، وبعد تدقيقنا هذه المسألة وجدنا ان السياب قد ترجم الفصول الآتية:

أ – توماس جفرسون: ص 110- 125.
ب – الحركة الرومانسية: ص 125- 158.
جـ – ناثانييل هوثورن: ص 259- 300.
د – فنان الجمال، وقد ترجمه مشاركة مع د. عبد الواحد لؤلؤة: ص 300- 326.

والكتاب المذكور (ثلاثة قرون من الأدب) هو ترجمة للأدب الأمريكي في القرنين الثامن والتاسع عشر اختيرت مواده من كتاب: الشعر والنثر الأمريكيين والذي حرره “نورمان فورستر” و “روبرت فولك” كما تبين ذلك ملاحظة حقوق الطبع الواردة في ترجمة الكتاب الصادر عن مكتبة الحياة ببيروت.

4. راجع ترجمة كتاب عن توماس جفرسون وكتب مقدمة له. والكتاب من تأليف “فنسنت شيان” وترجمة جاسم محمد.

أما الكتب والمواد التي ترجمها باختياره فإننا نوردها كما يأتي مع بيان أسباب الاختيار و دوافعه:

1. “قصائد من ناظم حكمت” وهي قصائد نشرت غير موقعة في جريدة “العالم العربي” البغدادية. ويستند البصري في توثيقها طبقا لأقوال محمود العبطة الذي كان مشرفا على الصفحة الأدبية في الجريدة (البصري: ص 83)، ويؤرخ لها بلاطة بالعام 1951. وقد ترجم الشاعر هذه القصائد لأن صاحبها ذو توجهات توافقت مع السياب في مرحلة ما، ولأنها يمكن أن تفيده في استكمال شاعريته.

2. مسرحية “الشاعر والمخترع والكولونيل” للأديب الروسي “بيتر يوستينوف” نشرت في مجلة “الأسبوع” العدد 23 الصادر في أيلول 1953 طبقا لما يقوله صاحبها ورئيس تحريرها “خالص عزمي” (1971 : ص 18). وقد اختار السياب ترجمة هذه المسرحية لأنها لاقت في نفسه تجاوبا وأحدثت أثرا ولأن “ترجمة السياب لهذه المسرحية تحمل طابع النبوءة الغريبة بمرض الشاعر الذي أودى به إلى النهاية المحتمة” (توفيق: ص 32). و فضلا عن ذلك فإن هناك سببا آخر سنشير إليه عند بحثنا لوظيفتي الأسطورة والترجمة عند بدر.

3. “قصائد مختاره من الشعر العالمي الحديث” وضم الكتاب كما مر بنا عشرين قصيدة لشعراء من مختلف دول العالم. و قد يكون دافع بدر في ترجمة هذه القصائد جماليا و أيديولوجيا على حد سواء، لأن عددا كبيرا من شعراء هذا الكتاب يلتقون مع السياب في توجهاتهم وطروحاتهم (في الفترة من 1949- 1955) إذا ما اعتمدنا تقسيمات علوش الواردة في المجلد الأول من ديوان بدر شاكر السياب (علوش، 1971: ص ش)، ومنهم “ناظم حكمت” الذي وردت ترجمة قصائده في الفقرة الأولى.

4. ” الإله الفاشل” وهي فصول من كتاب ” The God that Failed”  نشرت متزامنة مع سلسلة مقالات بدر المعنونة “كنت شيوعيا” والتي بدأت بالظهور في جريدة “الحرية” في منتصف آب 1959 (البصري : ص 84 , بلاطة : ص 106). وكان اختيار بدر لترجمة فصول هذا الكتاب هو بدافع النيل من رفاق الأمس الذين أصبحوا أعداء اليوم, ولأن من بين كتاب “الإله الفاشل” ستيفن سبندر و إيناسيو سيلوني اللذين كان بدر معجب  بهما أشد الأعجاب .

5. “ثلاث قصائد من العصر الذري” لأدث ستويل نشرت في مجلة “التضامن”  العراقية عام 1960 موقعة بـأسم “أبو غيلان” (بلاطة : ص 216 . البصري : ص 83) و لا يخفى على القارئ الاثر الكبير الذي كان للشاعرة الإنكليزية ستويل في نفس بدر, وهو أمر تناوله العديد من النقاد بدراساتهم المقارنة.

6. عيون إلزا أو الحب والحرب” وهو كراس صغير غير مؤرخ منشور عن رابطة “أسرة الفن المعاصر” ومعظمهم من شباب البصرة ومنهم المتميزان عبد الوهاب بلال وطه العبيدي ( توفيق :ص 87) . والكتاب مطبوع في مطبعة دار السلام (عباس,1969: ص 421) ويضم قصيدة أخرى لأراغون بعنوان “الأيام الضائعة” (المصدر السابق : ص 984).  ويلاحظ عباس (المصدر و الصفحة ذاتهما) أن لقصيدة أراغون “عيون إلزا أو الحب والحرب” اثرا واضحا وكبيرا في قصيدة السياب “الأسلحة والأطفال” فكلا الشاعرين على سيف الخليج ينظران إلى السفن : التي اغرقتها المعارك عند أراغون, والمحملة بالبضائع والركاب مصورة على انها سفن حربية عند السياب.

7. قصيدة “إلى الصيف” للشاعر وليم بليك وردت مضمنة في رسالة بعث بها الشاعر إلى صديقه محمد علي اسماعيل بتاريخ 24/12/1943 (السامرائي : ص 22-23).

8. مقال في العدد الاول من مجلة “التضامن” في 1960 (قارن بين عباس , د.ت : ص 189 الذي يقول  ان السياب آمن عبر هذا المقال بفشل حضارة الغرب وفشل المادية الجماعية في مواجهتها , والبصري : ص 83 الذي يكتفي بالقول بأن المقال يتحدث عن الأسطورة و أعتقد انهما يشيران إلى المقال ذاته ) (7).

9. فضلا عما تقدم, هناك الكثير من الأغاني و الأبيات الشعرية التي ترجمها بدر مبثوثه بين سطور دواوينه. ومن تلك الاغاني و الأبيات ما لم يشر إليه بدر على انها مقتبسة (وقد كشفت الدراسات المقارنة عن الكثير منها وهذا هو هدفها ومسؤوليتها) ومنها ما أشار إليه بدر, وهي كما يأتي اعتمادا على المجلد الاول من الديوان الكامل الصادر في 1971:

1. ترجمة أبيات من الشاعر الانكليزي جون كيتس وردت في قصيدة “ذكرى اللقاء” في ديوانه أزهار أساطير ص (84 🙁

تمنيت يا كوكب
ثباتا كهذا – أنام
على صدرها في الظلام
وافنى كما تغرب

2. هناك ترجمة مع تنويع (ترجمه بتصرف) وردت في قصيدته “من رؤيا فوكاي” ضمن ديوانه أنشودة المطر” (ص:356):
أبوك رائد المحيط , نام في القرار : من مقلتيه لؤلؤ يبيعه التجار ..

ويقول السياب في هامش رقم (1) ” شكسبير- العاصفة اغنية “اريل”- روح الهواء الذي قد سخره “بروسبيرو” الساحر – لفرديناند : “على عمق اذرعة خمسه ينام أبوك في قرارة البحر, لقد اصبحت عيناه لؤلؤتين…اسمع ها هو الناقوس ينعاه” وقد اتخذه ت. س إليوت في قصيدته الكبرى “الارض والخراب” رمزا عن ” الحياة من خلال الموت” ولكن لاحظ كيف حولت “يبيعه التجار” المعنى (السياب، 1971:ص 356).

3. ترجمة بيت للشاعر الاسباني لوركا وردت ضمن قصيدته “من رؤيا فوكاي” ضمن ديوانه ” انشودة المطر” (ص : 357):

فأخضرت الرياح , والغدير , والقمر؟

 4. وفي نفس القصيدة والديوان (ص 357-358 ) وردت ترجمة سبعة أبيات لأديث ستويل من قصيدتها ترنيمة السرير “Lullaby” يقول السياب عنها في هامش صفحته (357) ان البيت الأول (من السبعة) و الأبيات الستة التي تليه تكاد تكون حرفية:

ورغم ان العالم استتر و اندثر.
مازال طائر الحديد يذرع السماء.
وفي قرارة المحيط يعقد القرى اهداب طفلك اليتيم ــ حيث لا غناء
إلا صراخ ” البابيون ” : “زادك الثرى
فازحف على الأربع .. فالحضيض والعلاء
سيان والحياة كالغناء”

5. وردت ترجمة بيت من ” فاوست ” لغوته في قصيدته ” المومس العمياء”  من ديوانه ” انشودة المطر “(ص 515):
الخيل من سأم تحمحم وهي تضرب بالحوافر

6. و وردت ترجمة المقطوعة الاتية من مسرحية “روميو وجوليت ” لوليم شيكسبير في قصيدة “الأسلحة و الأطفال” من ديوانه ” أنشودة المطر” (ص 567):
” دعيني … فما تلك بالقبرة
دعيني اقل انه البلبل
وان الذي لاح ليس الصباح”

7. وهناك ترجمة لبيتين من قصيدة ستويل “أم ترثي طفلها” وردت في القصيدة اعلاه (ص 579):
ومن يفهم الأرض ان الصغار
يضيقون بالحفرة الباردة ؟

ويورد السياب في هامش الصفحة المذكورة النص الاصلي : “ان الارض عجوز شاخت حتى لا تعلم بأن الصغار حركون كظلال “الربيع” مما يدل  على انها ترجمة بتصرف .

8. ووردت المقطوعة الاتية مضمنة من لوي ماكنيس في قصيدة بالعنوان ذاته ضمن ديوانه ” شناشيل ابنة الجلبي” (ص 696):

وبين المحبين , زوجين عادا
يدحرج شاي الصباح
صحارى يضيع الصدى في دجاها الفساح ,
وعند المساء تقوم الجريدة
جدارا يدقانه بالأكف الوحيدة
فتضحك , اذ يضربان , الرياح ”
9. ومن الاغاني , يذكر البصري ( ص 47 ) ان السياب قد ترجم للفصحى اغنية ” نجمة الصباح ”  وضمنها قصيدته “ليال السهاد”

لقد اعتمدنا هنا على ما اشار اليه السياب ذاته على انه ترجمة , وهناك بالتأكيد مالم يشر اليه السياب – كما أسلفنا – ومنه نورد المثال الاتي :

و أكيل بالأقداح ساعتي و أسخر باكتئابي

وهذا البيت الوارد في قصيدة السياب “ملال” ضمن ديوانه “أزهار و أساطير” (ص 86) قريب من قول إليوت:
I measured out my life with coffee spoons

وقد اشار لذلك عباس ( 1969 : ص 145) ضمن طائفة كبيرة من التشابهات يقول عنها (المصدر والصفحة ذاتهما) ” … فإن السياب كان يستعير الصور المترجمة ويدرجها في شعره, فيخفي مكانها على القارئ في درج النغم” و إذا  كان فعل عباس “فيخفي” يثير نوعا من القصدية , فإن عباس ذاته ( ص 257) يتحدث عن : “اختزان”  الشاعر لمقاطع من ستويل ضمنها قصيدته “من رؤيا فوكاي” ودليله على ذلك الربط المتباعد ( غير المتسلسل ) لأبيات من ستويل ضمن القصيدة أعلاه

4- الاسطورة والترجمة عند السياب :

يبرر السياب لجوء الشاعر المعاصر – و لجوئه هو بالذات – إلى الأسطورة بفقر العالم المحيط به روحيا وجدبه , و إلى سيطرة منطق الحديد والذهب في هذا العالم, و ان الشاعر بلجوئه إلى الأساطير والخرافات إنما يحتمي بحضن دافئ لا يرتبط بعالمه المعاش برابط و هو باستثماره لهذه الأساطير والخرافات يوظف رموزا يتحدى من خلالها الواقع غير الشعري ومنطق الحديد والذهب (بدر شاكر السياب مقتبس في عباس , د.ت : ص 187) (8). وجلي هنا ان دوافع الشاعر المعاصر ودوافع السياب لاستخدام الاسطورة تتلخص في : (1) جدب الواقع وفي بنائه من خلال الأساطير عوالم جديدة جميلة غنية بالروح والدفء والجمال تعوض عن عالم الشاعر المعاش , وفي (2) الإفادة من الأسطورة كرمز يتحدى من خلاله العوالم التي تتقاطع مع عالمه (أراءه ومبادئه واتجاهاته) (9). وإذا ما تمعنا جيدا في الاعمال التي قام بدر بترجمتها أمكننا القول ان الترجمة عنده قامت بالوظيفتين ذاتهما في الاسطورة فلقد أغنى السياب من جانب عوالمه المقفرة من خلال ترجمة الاعمال الشعرية لعدد كبير من الشعراء في العالم، وحصل من خلالها على متع و تجارب جمالية أغنت فقر عالمه و أمدته بالنشاط والقوة (في شعره, كما أشار إلى ذلك البصري وكثيرون غيره). ومن جانب اخر فإن السياب قد أفاد من الكثير مما ترجمه كرموز يقول عبرها ما لا يستطيع قوله مباشرة لأسباب عديدة (10).

لقد ترجم السياب مسرحية  “الشاعر والمخترع والكولونيل” وهي للممثل والأديب والشاعر الموسيقي والرسام والمخرج المسرحي والسينمائي المشهور بيتر يوستينوف , والمسرحية  – كما مر بنا قوله – كانت تحمل طابع النبوءة الغريبة بموت الشاعر وهو في أوج شهرته وشبابه (عزمي : ص45 -49) والرمزية التي تحملها ترجمة المسرحية كبيرة , فهي من ناحية نشرت دون اسم السياب وكان ذلك بطلب منه لأن جو المسرحية وظروف المترجم تمنعان ذلك (السياب لخالص عزمي, : ص19) , ومن ناحية أخرى فقد كان مستوى الرمز, بل النبوءة عاليا إلى أبعد الحدود. يقول الشاعر مخاطبا الكولونيل والمخترع :

ولكنني أريد لحياتي نهاية هادئة نبيلة …
لا أريد دموعا كثيرة بل زهورا كثيرة ..
و أعترف إنني أرجو أن تكون جنازتي رائعة تضم مشاهير القوم ..
وقد ارتدوا ملابسهم السوداء وعلى رؤوسهم
قبعاتهم الطويلة.. يسيرون في
صفوف منتظمة لا نهاية لها
و ان تمطر السماء .. وان تنتقل روحي بين المشيعين
أو تحتمي تحت مظلة أحد المشاهير.(ص 59-60)

نعم لقد كانت نبوءة السياب كبيرة, فقد مات والدنيا تمطر مطرا لم تعرفه البصرة من قبل ( ربما استجابة لأنشودته), ودفن تحت مظلة أحد مشاهير البصرة والعرب والمسلمين : في مقبرة الحسن البصري . ولقد كان تأثير هذه المسرحية كبيرا على شعر السياب, فعزمي (ص47) يتلمس صداها في “قصيدة النهر والموت” من ديوانه “أنشودة المطر” (ص 455):
واليوم ,  حين يطبق الظلام
و أستقر في السرير دون أن أنام
وأرهف الضمير : دوحة إلى السحر
مرهفة الغصون والطيور و الثمر-
أحس بالدماء والدموع , كالمطر
ينضحهن العالم الحزين
أجراس موتي في عروقي ترعش الرنين ”

وفي قصيدة “في المستشفى”  من ديوانه  ” شناشيل أبنة الجلبي” (ص 676):
كمستوحد أعزل في الشتاء
وقد أوغل الليل في نصفه,
أفاق فأوقظ عين الضياء
وقد خاف من حتفه,
أفاق على ضربة في الجدار
هو الموت جاء
وأصغي : أذاك انهيار الحجار
أم الموت يحسو كؤوس الهواء ؟
لصوص يشقون دربا إليه
مضوا ينقبون الجدار,
وظل يعد انهيار التراب
و وقع الفؤوس على مسمعيه,
يكاد يحس التماع الحراب
و حزاتها فيه … يا للعذاب
وما عنده غير محض انتظار
هو الموت عبر الجدار

كما ان السياب ترجم عشرين قصيدة لشعراء  تقدميين من أقطار عديدة في العالم ضمنها كتابه “قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث” . ويرى بلاطة (ص84) ان السياب أنشغل عام 1955 وهو عام صدور الكتاب أعلاه بالترجمة لأنه لم يرد ان يكتب شعرا جديدا يصطدم به مع السلطات حينئذ, ولكن يبدو ان  الترجمة كانت  مكشوفة رمزيا لاحتوائها على الكثير من الأفكار حول المعتقلين والعمال والوطنيين والفقر والاضطهاد والاستغلال فأوقف بدر في مركز شرطة الكاظمية سبعة أيام, وقام بالدفاع عنه الأستاذ  محمود العبطة أمام حاكم جزاء بغداد الأول . و عندما لم يجد الحاكم من سبب يجرم به المترجم حكم عليه بغرامة مالية قدرها خمسة دنانير بموجب قانون المطبوعات العثماني الصادر في سنة 1323 وذلك لأنه لم يذكر اسم المطبعة في الكتاب (!) (بلاطة : ص86 : إحسان عباس : ص 238) . ويذكر عباس (المصدر والصفحة ذاتهما) ان رد فعل الحكومة العراقية آنذاك لم يكن هو الوحيد إزاء ترجمة هذا الكتاب إذ ان مجلة “الثقافة الوطنية” البيروتية هاجمت في عدد تشرين الثاني 1955 هذا الكتاب متهمة الشاعر بقيامه بترجمة قصائد لشعراء من الفاشست النازيين أمثال باوند وعدد من الجواسيس الذين اشتغلوا في الانتلجنس سيرفس أمثال ستيفن سبندر.

وفي مرحلة صدامه مع الشيوعيين وافتراقه عنهم, يقال ان السياب كان ينشر فصولا مترجمة من كتاب الإله الفاشل  The God that Failed   من تحرير رجارد كروسمن وقد نشرت تراجم الفصول مع سلسلة مقالاته في جريدة “الحرية” كما أشرنا لذلك سابقا.  و يضم الكتاب المذكور أحاديث ستة من الرجال يروون فيه قصة تغييرهم لأفكارهم عن الشيوعية (ونحن لهذا السبب نفضل ترجمة توفيق (ص 102) تحت عنوان “الإله الذي هوى”). وهؤلاء الرجال هم رجارد رايت و آرثر كوستلر و ايناسيو سيلوني ولويس فيشر وستيفن سبندر واندريه جيد (البصري : ص 84 : توفيق ص 102). وبإمكاننا أن نضيف سببا آخر لترجمة بدر لفصول هذا الكتاب , فقد كان من بين المسهمين فيه أدباء وشعراء تعلق بدر بهم بميل وارتبط بهم كثيرا, ومنهم على وجه الخصوص إيناسيو سيلوني وستيفن سبندر. فقد كان سيلوني ممثلا لمجلة تمبو بريزنتي –  و لنتذكر طلب السياب من يوسف الخال في الرسالة المؤرخة بـ 3/8/1961 بخصوص بطاقة السفر – وكان سبندر  محررا في مجلة انكاونتر, وكان بدر معجبا بهما اشد الإعجاب  و سر بلقائهما كثيرا في روما (بلاطة : ص124). واشترك بدر مع هذين الرجلين  بالتجربة مع الشيوعية وبالعمل مع المنظمة العالمية لحرية الثقافة. وجدير بالذكر ان سبندر استقال من عمله في مجلة انكاونتر بعد أن أعلن المدير العام للمنظمة في أيار 1967 صحة الأنباء القائلة بتمويل وكالة الاستخبارات الأمريكية لنشاطات المنظمة و ان استنكر الخدعة التي قامت بها الوكالة (بلاطة : ص 122)، وربما فسر هذا الهجوم الذي قامت به مجلة “الثقافة الوطنية”  البيروتية
وأما ترجمة “ثلاث قصائد عن العصر الذري” لأدث ستويل فقد كانت أسطورية لاحتواء النص الأصلي على العديد من الأساطير والإشارات التاريخية. ولقد أفاد السياب من هذه القصائد في هجائه للعصر الذري كما هو معبر عنه في قصيدتيه “من رؤيا فوكاي”  و  “مرثية جيكور” (عباس , د.ت : ص187) .و في المجلة ذاتها التي نشر فيها ترجمة “ثلاث قصائد عن العصر الذري”, أي مجلة التضامن ، وفي السنة نفسها 1960، نشر بدر ترجمته  لمقال عبر فيه عن إيمانه بفشل الحضارة الغربية الذريع فيما يخص وعودها وتبريرها للتضحيات الإنسانية الكبيرة أمام التوسع والمنافسة, وعن فشـل المـادية الجماعية في مواجهه تلك الحضارة. ويرى الناقد إحسان عباس (المصـدر والصـفحة ذاتـهما) ان هذا الـيأس الذي عبر عنه السياب بترجمة المقال المذكور كان هو السبب وراء إعجابه بمبررات ستيفن سبندر عنها في كتابه “الشاعر والحياة” والذي قام بترجمته الدكتور مصطفى بدوي ضمن سلسلة (الألف كتاب) المصرية
5. السياب و فرانكلن:
يتفق جمع كبير ممن نقد و أرخ للسياب أو ممن زامله وصادقه، فضلا عن الإشارات الواضحة التي تقدم بها السياب في مقتطفات رسائله التي تناولناها سابقا، على أن الحاجة للمال هي التي دفعته لفرانكلين . و مؤسسة فرانكلين كما توضح ذلك محررة عملت بالمؤسسة في بيروت هي القاصة سميرة عزام منظمة أميركية غير ربحية تأسست في العام 1952 و لها مكاتب في العديد من دول العالم، و هدفها نشر الثقافة الأميركية عبر ترجمتها إلى لغات العالم المختلفة. و يقال أن مصدر أموال المنظمة يأتي من الهبات المعفية من ضريبة الدخل، و لكن من الراجح أن تكون الحكومة الأميركية قد قدمت لها العون المالي في محاولة منها لمكافحة الشيوعية (سميرة عزام في لقاء مع بلاطة، بلاطة: ص 117-118). و قد ترجم بدر لتلك المؤسسة الكتب الآتية:
الجواد الأدهم لولتر فارلي
2. مولد الحرية الجديد لفرجينيا اس آيفرت
فصولا من كتاب النثر و الشعر الأميركيين
مراجعة توماس جفرسون و كتابة مقدمة له.

وتثير ترجمة بدر لهذه المؤسسة مسألة في غاية الأهمية, ألا وهي ضرورة انتباه المترجم لدوره ومسؤوليته إزاء من يترجم له. و لكي نحدد موقفنا من هذه المسألة علينا أن نحدد أولاً معرفة بدر المسبقة أو جهله بارتباطات ودوافع ونوايا مؤسسة فرانكلين, ودوافع بدر من الترجمة لها ان كان هناك ثمة دوافع.

إن الخطر الذي يكمن من جراء التعامل مع مؤسسات كفرانكلين هو في ان تلك المؤسسات تدفع لقارئ العربية عن دراية وقصد مخططين أفكارا معينة قد لا تناسب مرحلة معينة من مراحل تطور الأمة العربية (محمد, 1966:ص63). وفيما يخص هذا الجانب بالذات ألمح جبرا (في لقاء أجرته معه هناء العمري, 1985: ص84) إلى سيادة  موجة من الترجمات التي تتسم بالعبث والانحطاط والتحلل الوجودي في ستينيات هذا القرن في الوقت الذي كانت فيه قوة العرب المعنوية في أوجها. ويعلق جبرا (ألمصدر السابق) حول سيادة ترجمة كولن ولسن بالذات ويقول بأن ولسن كان “جماعا للأفكار بارعا في تقديمها بشكل مقروء يكاد يكون قصصيا وجذابا مع الاهتمام بالنواحي الجنسية ……. ولاقت كتبه الرواج لخلو الساحة من كتب أفضل واكثر أصالة وأقرب صلة بالفن الحقيقي”.

و إذا كانت بعض التراجم إلى العربية تصدر عن تخطيط وتدبير, فإن بعضها يصدر بسبب عشوائية الترجمة وعدم وعي القائمين على مؤسسات الترجمة والنشر حيث يرى محمد (ص62) أنه في الوقت الذي خططت فيه دار اليقظة الدمشقية لنقل الأدب الروسي الطليعي مشجعة على قراءته فإنها ترجمت أيضا كتاب “الساعة الخامسة والعشرون” وهو كتاب يسم التجربة الروسية بالألية ويجردها من إنسانيتها. ونحن هنا أمام حالتين مختلفتين : ففرانكلن مؤسسة غير تجارية, لها أهدافا و نوايا, واليقظة مؤسسة تجارية أهدافها وغايتها غير واضحة وغير محددة أذ هي – كما رأينا – تقدم الوجه والنقيض في الوقت عينه.

ونعود لبدر, فإن كان بدر غير عالم بغايات و أهداف فرانكلن ومصادر أموالها فأن ذلك قد يعفيه من بعض المسؤولية. وإن كان يعلم, فهل تبرر له قطيعته مع الشيوعية الوقوع في إسار فرانكلن ومن وراء فرانكلن (11). يقول الطاهر (1973:ص105) ملمحا بشكل خفي إلى مؤسسة فرانكلن وارتباطاتها “ولم تكن مقالاته في جريدة الحرية لترفع من شأنه ولتخليه من المسؤولية… فيما صح منها و ما لم يصح. ثم كانت … و كانت … مجلة شعر، وجائزة مجلة شعر لعام 1960، وصدور “أنشودة المطر” عن دار مجلة شعر… و لا أدري في أي مرحلة كانت “القوميين السوريين”… ولكنه ترجم لفرنكلن اكثر من كتاب منذ 1961”.

وهل تعفي الحاجة إلى المال من المسؤولية أمام القارئ العربي؟ لقد ترجم بدر كما قلنا كتابي “مولد الحرية الجديد” و “الجواد الأدهم” وكلاهما موجه للناشئة. فالكتاب الأول من تأليف فرجينيا أس ايفرت يقع ضمن خمسة مجلدات كتبت عن أبراهام لنكولن، وهي: مسرب الجاموس، من خارج البرية، ثلاثة انهار الى الجنوب، واجب أمامي، مولد الحرية الجديد. ولكي نعرف مدى دعائيته و أغراضه، علينا ان نقرأ الملخص الوارد في الغلاف الثاني للكتاب الصادر عن دار مكتبة الحياة ببيروت:

حين يجود تأريخ الإنسانية بالأفذاذ فإن النتيجة تكون
وجها جديدا للإنسانية يبتدعه هؤلاء نتيجة كفاح طويل
في سبيل إرساء المبادئ التي يحملون. و هذا الكتاب
يعالج جوانب من احدى تلك الشخصيات الخيرة في
تاريخ الإنسانية. شخصية أبراهام لنكولن، الصوت النبيل
الذي ندد بالتمييز العنصري ونادى بتحرير العبيد،
و أضاف إلى هذه المأثرة مأثرة الحفاظ على وحدة بلاده
و إحقاق الحق في مناخات الظلم و الاستغلال، فكان
مثال السياسي الإنسان، الذي ترك في السياسة و الإنسانية
تراثا حيا يهتدي بهديه من يكتب لهم أن يكونوا
أمناء على مقدرات حريات الشعوب.
كتاب جدير بالقراءة.

و مما يلفت النظر حقا هو السطران الأخيران و كون لنكولن مثال يحتذى و الكتاب جدير بالقراءة. و هي نغمة ستتكرر في ملحق الكتاب الثاني “الجواد الأدهم” المطبوعة في الغلاف الثاني “إن الأطفال على أختلاف أعمارهم ستسرهم قراءة ((الجواد الأدهم)) لأن كلا منهم قد يكون اليك رامسي : أنموذج الولد الأمريكي المملوء مرحا و حيوية و شجاعة”.

السياب و مكانة ترجماته:

يحدد البروفيسور بيتر نيومارك (1988:186) خطة نقد الترجمة بالنقاط الآتية:

تحليل موجز لنص لغة المصدر مع التأكيد على نواياه و جوانبه الوظيفية.
تفسير المترجم لغرض نص لغة المصدر ، و طريقة ترجمته و قراء الترجمة المتوقعين.
تقييم الترجمة من منظور (1) المترجم و (2) من منظور الناقد الترجمي.
مقارنة منتخبة و ممثلة للنص الأصلي و الترجمة.
و حيثما كان مناسبا، لابد من تقييم لمكانة الترجمة المتوقعة في حضارة لغة الهدف أو آدابها.
و يذكر نيومارك (المصدر ذاته:189) فيما يخص مستقبل الترجمة أو مكانتها (الفقرة الخامسة في الخطة أعلاه): و أخيرا ، و في حالة النصوص الجدية، و لنقل رواية أو قصيدة أو كتاب مهم، فعليك أن تقيم أهمية العمل الكامنة ضمن لغة الهدف. فهل كان العمل يستحق الترجمة بالفعل؟ و أي نوع من التأثير سيكون له على اللغة و الأدب و الأفكار في بيئتها الجديدة؟ و في رأيي، إن هذه الأسئلة يجب أن يجيب عليها المترجم في مقدمته…و يجب أن تكون هذه محاولة ناقد الترجمة لأن يضع الترجمة ضمن بيئاتها غير المعتادة”.
بإمكاننا و نحن نتحدث عن مكانة نصوص بدر المترجمة في اللغة و الأدب و الثقافة العربية أن نقول ، و هذه المسألة عامة، أن هذه النصوص إنما تستمد مكانتها في العربية من مكانتها في لغاتها الأصلية. و يمكننا القول بأطمئنان أن مكانة من ترجم لهم بدر ، من الشعراء بوجه خاص، هي مكانة رفيعة و نصوصهم تعكس ذلك. و لقد لاحظ الناقد البصري (ص 84) أن السياب – فيما يخص ترجماته الشعرية- لم يتناول إلا ما كان حديثا أو معاصرا أو مجددا، و أنه ترجم لشعراء كان أغلبهم أقطاب الشعر الحر في بلدانهم و العالم. إلا إن مما يؤسف له حقا هو تقييم بدر لبعض اعماله المترجمة (و إن كان ذلك التقييم ممكن تبريره بغضب بدر و حنقه غير المحسوبين لأنفصاله عن الشيوعيين و إن كان ذلك الغضب و الحنق غير متوقع صدوره من شاعر كبير) حيث يذكر بدر في العدد 1458 من جريدة الحرية (مقتبس في عباس، 1969: ص 297-298): “لقد قرأت شعر الكثيرين من الشعراء الشيوعيين من ناظم حكمت و بابلو نيرودا و أراغون و ماو تسي تونغ و الشاعر السوفياتي سيمونوف فوجدته سخيفا بل وجدت الكثير منه لا يستحق حتى أن يسمى شعرا”. و واضح هنا أن النقد الذي يوجهه بدر نقد لا علمي بل نقد عاطفي متسرع، و إذا كان ذلك الشعر سخيفا و لا يستحق تسميته بالشعر فلم شغل بدر جل وقته في الترجمة في الفترة التي قضاها بترجمة الشعر و ليس بكتابته؟ أو لم يكن لذلك الشعر أثره و أقتباساته في شعر السياب؟ يقول أحسان عباس (المصدر السابق) “لقد أبرز (بدر) مدى المداجاة التي عاش فيها لا في شؤون المعتقد السياسي يل في شيئين أهم من ذلك في نظري أولهما: التذوق الفني و الأحكام النقدية التي كان يصدرها أعجابه بأولئك الشعراء حتى ليترجم قصائد لهم و ينشرها في الصحف، و الثاني: صدق البواعث التي وجهت عددا من القصائد التي نظمها في تلك الفترة، فمثل هذا التصريح قد ضرب بفأس حادة على جذور الشعر الذي نظمه السياب حين كان ينتمي إلى الحزب الشيوعي”. و إذا كان الحال كذلك مع بدر ، فلنا أن نتصور الموقف ذاته مع ستويل و إليوت و سبندر و سيلوني و كل من كان معجبا بهم لو أنهم تعارضوا مع أفكاره و مبادئه و توجهاته.
و للتوضيح من مكانة و أثر ترجمات السياب في اللغة و الأدب العربيين لنرى ما كان لترجماته من أثر و مكانة في نفسه و عمله هو بالذات. لقد كان من مكانة تراجم السياب الكبيرة و الرفيعة أثرها الواضح في أعماله هو و في أعمال من أقتفوا أثر أعماله، من حاكاه و أخذ عنه و من أخذ و أضاف (و نترك ذلك كله للمختصين). لقد كان السياب مترجما من اللغة الأجنبية إلى اللغة الأخرى (العربية)، و مترجما في اللغة الواحدة (العربية) و إذا ما شئنا استخدام مصطلح ستانلي هايمن (1958: ص 37 و ما بعدها) بقوله :”حين تتسع الهوة بين الأدب الجدي و ذوق جمهور القراء، يحظى ذلك الجزء من وظيفة الناقد – الذي يقتضيه أن يكون همزة الوصل بين العمل الغامض و الصعب و بين القاريء بأهمية كبيرة”.
نعم، فلقد كان بدر المترجم الناقد للأساطير و الرموز و الإشارات و التضمينات المختلفة. و إذا كان السر الذي يغري الباحثين بالبحث و التقول و التأويل في أتجاهات كبيرة و كثيرة فيما يخص السياب و كل كاتب و أديب بمنزلته يكمن في عبقرية نصوصه و خلودها (مخاطبتها لما هو كوني و إنساني و خالد في الذات الأنسانية على مر العصور) فإن مكانة ترجمات السياب مشمولة بالمعيار ذاته. فكل ما ترجمه السياب مما هو آني و مرحلي غير ذا قيمة كبيرة، و ذلك يتجلى بوضوح عند مقارنتنا للترجمات التي كانت دوافعها مالية و تلك التي كانت وراءها دوافع جمالية و آيديولوجية.
7.السياب- كلمة أخيرة:
الآن و بعد أن استعرضنا تراث الترجمة عند شاعرنا الكبير السياب، ماذا تبقى أن نقول؟ يرد الناقد أحسان عباس (ص 348) على الأنتقاد الموجه لبدر لمدحه رئيس وزراء العراق عبد الكريم قاسم الذي تقدم له بمساعدة مالية حين كان مريضا ببيروت إثر مناشدة عدد من الأدباء اللبنانيين بعد أن هجاه السياب قبلها بعدد من القصائد و منها “إلى العراق الثائر” و “سربروس في بابل” قائلا:
ما مدى المثالية التي نريد أن يتحلى بها شخص على حافة القبر و هو لا يجد عونا من لائميه أنفسهم؟ إن ((الأستشهاد)) حقيقة لا يمكن أن نتطلبها و نحن نحجم عن تقديم ما هو دونها بكثير . و أن من يطالب بدرا بذلك فهو أحد رجلين: إما أمرؤ يجد فيه تميزا حقيقيا بنهاية بطولية ، و إما أمرؤ يختبيء وراء المثل الأعلى ليداري ما يحس به من عجز و تقصير.
نعم. لقد ترجم بدر فأخفق هنا و أصاب هناك. أخفق لأننا نطلب منه أن يكون شهيدا يعاني و يناضل و لا يوجد لديه ما يكفي لسد رمق عائلته و لإمداد شاعريته بالحياة و النشاط و التجدد ، و أصاب حين رأينا فيه دور المترجم الناقد و هو يفسر لنا و لمريديه من الشعراء و الأدباء سواء عن طريق أعماله المترجمة لكبار الشعراء في العالم أم عن طريق الترجمة الداخلية و تمثله لأفكار و صور و استعارات و موسيقى من ترجم لهم. و حقا قال البصري(ص 84) إن بدرا كان يتمم عبر الترجمة شاعريته، و هل كانت شاعريته قليلة؟
الهوامش
يذكر البصري (ص 83) أن من بين القصائد المترجمة قصيدة لكافكا (!) و هو ما لم نجده عند تدقيقنا لكتاب السياب المذكور، إلا أنه من الغريب و المثير أن يخطأ بدر ذاته عندما يذكر الشاعر الإنكليزي أودن على أنه من بين الشعراء المترجم لهم في الكتاب (تنظر رسالته إلى جبرا في السامرائي، 1975: ص 114) ، و يخطأ سامي مهدي (1993: ص 163-164) عندما يذكر ان السياب ترجم لأراغون قصيدته ((عيون الزا)) أو ((الحب و الحرب)). و الحقيقة ان السياب ترجم قصيدتين هما ((عيون الزا و الحب و الحرب)) و ((الأيام الضائعة)) و نشرهما ضمن كراس صغير عن (اسرة الفن المعاصر) كما أن مهدي (المصدر السابق: ص 164) ينسى ذكر دي لامير ضمن من ترجم لهم السياب في كتابه ((قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث)) و قد ترجم السياب له قصيدة “جزيرة العرب”.
يتناقض قول توفيق تماما مع ما أشار إليه بلند الحيدري (مقتبس في البطل، 1984: ص 71) من ألحاح بدر في الأستماع إلى أليوت و ستويل و ديلان ثوماس من أسطوانة عند صديق لهما هو جبرا ابراهيم جبرا. و يتناقض قوله أيضا مع شهادة سميرة عزام (المصدر السابق) من أن بدرا كان يدمن قراءة الشعر الأنكليزي و انه كان يستعين على رحلة الباص إلى المجلة التي يعملان بها بقراءة ديوان من الشعر الأنكليزي حيث كان يتأبط واحدا على الدوام و بخاصة دواوين أو أشعار ستويل. و يجور سامي مهدي (ص 176) على الحقيقة بقوله إن معرفة السياب بالأنكليزية و اطلاعه الواسع على آدابها ليس إلا ((شائعة)) انطلقت من حقائق كون بدر تخرج في دار المعلمين العالية و عمل مدرسا للغة للأنكليزية في أحدى المدارس الثانوية و ترجم كتابا شعريا و كتابا لفرانكلن و راجع كتاب لها فضلا عن اشتغاله في بعض الصحف و من انه كان يشاهد و معه دواوين شعر بالأنكليزية .فما الذي يريده مهدي من بدر ليكون ذا معرفة بالأنكليزية. إن كل نتاج بدر (الذي أشار إليه مهدي، و ذلك الذي لم نتمكن من الحصول عليه لأسباب عديدة) تجعل من السياب شاعرا و مترجما واسع المعرفة و الأطلاع بالإنكليزية خصوصا إذا ما أخذنا بنظر الأعتبار ظروف السياب الشخصية و ظروف العراق عامة.
الرسائل هي كما وردت في السامرائي على الصفحات 119 و 137 و 148 و 152 و 153و 160 على التوالي.
بترجمة جبرا و ليس بترجمته إذ يقول في رسالة بعث بها في 8/2/1962 إلى جبرا ممتدحا ترجمته لمسرحية هاملت: “شكرا على أهتمامك بي، و هذا ليس بغريب منك و أنت الصديق الحميم و الفنان و الشاعر و القصاص.. و مترجم هاملت (و أنت تعلم أنني أعتبر ترجمتك لهاملت مفخرة أدبية لك و للغة العربية التي أتسعت لشكسبير بمثل هذا الجمال و البلاغة)(السامرائي: ص 128).
هكذا وردت في الأصل، و الصحيح ((تتسلم)) أو ((تستلم)).
يشير السياب إشارة مفردة عابرة إلى مسألة الأختيار في رسالة بعث بها إلى جبرا في 2/12/1963 قائلا “… أم لعلك تترجم كتابا تجمع فيه بين حسن الأختيار و روعة الترجمة؟” (السامرائي: ص 190).
يذكر السياب في رسالة بعث بها للدكتور سهيل أدريس في 1/8/1956 نيته ترجمة بحث بعنوان “المسرحية الشعرية في العصر الحديث”إسهاما منه في عدد “الآداب” المكرس للمسرح (السامرائي:ص 74). و يترجم بدر، في رسالة مبكرة بتاريخ 7/5/1947 يبعث فيها لصالح جواد الطعمة (السامرائي: ص 53-54) مقطعا للشاعر الأنكليزي جون ميسفيلد و يلخص مضمون الباقي من القصيدة.
يقول السياب (مقتبس في بلاطة: ص 189-190) أيضا عن سبب أستخدامه للأسطورة: “لعلي أول شاعر عربي معاصر بدأ باستعمال الأساطير ليتخذ منها رموزا ، كان الدافع السياسي أول ما دفعني إلى ذلك، فحين أردت مقاومة الحكم الملكي السعيدي بالشعر اتخذت من الأساطير التي ما كان لزبانية قاسم أن (يفهموها) ستارا لأغراضي تلك. كما أني أستعملتها للغرض ذاته في عهد قاسم. ففي قصيدتي مثلا المسماة “سربروس في بابل” هجوت قاسما و نظامه أبشع هجاء دون أن يفطن زبانيته إلى ذلك. كما هجوت ذلك النظام أبشع هجاء في قصيدتي الأخرى “مدينة السندباد” و حين أردت أن أصور فشل أهداف ثورة تموز الأصلية أستعضت عن أسم “تموز” البابلي بأسم “أدونيس” اليوناني الذي هو صورة منه”.
لا يختلف علي (1987:ص 92-103) عن هذين التقسيمين إلا أنه يسميهما بالوظائف الجمالية و الوظائف السياسية.
يرى حسين (1990: ص 50) أن السياب يختلف عن الشعراء الغربيين في أن ميله للأسطورة لا يمثل غوصا في سبات العالم على حد قول أرنست فشر و لا هروبا إلى اللا مسؤولية، بل أنه يعبر عن أعلى قيم المسؤولية الأجتماعية و الإنسانية حين يضحي الشاعر (و المترجم) بنفسه من أجل الحرية.
تنظر دراسة سامي مهدي (1987: ص 54-78) حةل ارتباطات مجلة شعر و حوار و المنظمة العالمية لحرية الثقافة و مؤسسة فرانكلن ، و كلها مؤسسات أرتبط بها بدر بشكل أو بآخر.
المصادر و المراجع
1. مصادر الدراسة
السياب، بدر شاكر. قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث. بغداد: دون إسم المطبعة، 1955.
الجواد الأدهم. ترجمة بدر شاكر السياب و تأليف ولتر فارلي. بيروت: دار مكتبة الحياة، 1961.
مولد الحرية الجديد. ترجمة بدر شاكر السياب و تأليف فرجينيا أس آيفرت. بيروت: دار مكتبة الحياة،1961,
ثلاثة قرون من الأدب . ترجمة بدر شاكر السياب بالأشتراك مع عدد من المترجمين، بيروت : دار مكتبة الحياة، 1965.
ديوان بدر شاكر السياب، بيروت: دار العودة، 1971.
2- المراجع العربية
البصري، عبد الجبار داود. بدر شاكر السياب: رائد الشعر الحر. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة. ط2 1986.
البطل، علي. شبح قايين بين أديث ستويل و بدر شاكر السياب: قراءة تحليلية مقارنة. بيروت: دار الأندلس، 1984,
التميمي، كاظم نعمة. “الموت عمدا تحت شناشيل أبنة الجلبي”. مجلة الأقلام، العددان 11 و 12 تشرين ثاني و كانون أول 1987. صص: 250-257.
السامرائي، ماجد (جمع و تقديم). رسائل السياب. بيؤوت: دار الطليعة، 1975.
الطاهر، علي جواد. “السياب الظاهرة الحية”. مجلة الأقلام، كانون ثاني 1973: صص: 101-107.
العبطة، محمود. أضواء على شعر و حياة بدر شاكر السياب. بغداد: مطبعة دار السلام 1970.
العمري، هناء. “حوار مع جبرا أبراهيم جبرا حول الترجمة”ز مجلة آفاق عربية. العدد الثامن، آب 1985. صص: 82-89.
المحامي، محمود العبطة. بدر شاكر السياب و الحركة الشعرية الجديدة في العراق. بغداد: دار المعارف، 1965.
الواسطي، سلمان. “في نقد الترجمة”. مجلة الثقافة الأجنبية. العدد 1، 1980. صص: 275-288.
بلاطة، عيسى. بدر شاكر الساب: حياته و شعره. دار الشؤون الثقافية العامة، ط 4، 1987.
توفيق، حسن. شعر بدر شاكر السياب: دراسة فنية و فكرية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 1979.
جبرا، إبراهيم جبرا. ” من شبك وفيقة إلى المعبد الغريق”. في كتاب السياب في ذكراه السادسة. بغداد: دار الحرية للطباعة، 1971.
جبرا، إبراهيم جبرا. ينابيع الرؤيا. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 1979.
حسين، مسلم حسب. الرمز في الشعر العراقي المعاصر-رواد الشعر الحر- رسالة ماجستير غير منشورة. جامعة البصرة، 1990.
عباس، إحسان. بدر شاكر السياب: دراسة في حياته و شعره. بيروت: دار الثقافة، 1966.
عباس، عبد الجبار . السياب. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة: د.ت.
عبد العزيز، أحمد. “الترجمات و الجهود التي تذهب سدى: لوركا و ترجمتان لمختارات من شعره”. مجلة الأقلام، العدد 9، حزيران 1980. صص 99-105.
عزمي، خالص. صفحات مطوية من أدب السياب. بغداد: مطبعة الجمهورية، 1971.
علوش، ناجي. “المقدمة” في ديوان بدر شاكر السياب. بيروت: دار العودة، 1974.
محمد، محيي الدين.” مخطط عاجل للترجمة”. مجلة الأقلام، 1966. صص: 62-66.
مهدي، سامي. “مجلة شعر اللبنانية : مدخل إلى دراسة تقويمية”. مجلة الأقلام. العدد التاسع، أيلول 1987. صص: 54-78.
مهدي، سامي. وعي التجديد و الريادة الشعرية في العراق. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1993.
هايمن، ستانلي. النقد الأدبي و مدارسه الحديثة. ترجمة أحسا عباس و محمد يوسف النجم. بيروت: دار الثقافة، 1958.
3- المراجع الأجنبية
Newmark, Peter. A Textbook of Translation. New York: Prentice Hall, 1988.
Nida, Eugene A. ” A Framework for the Analysis and Evaluation of Theories of Translation”. In Translation: Applications and Research. New York: Gardner Press.pp. 47-92.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close