يا اطفال العرب … اتحدوا

* د. رضا العطار

لم يكن من الممكن ان اتبين – في غبشة الفجر – ملامح تلك الساحة الرحبة التي تجمع فيها هذا العدد الهائل من الاطفال ولا الاسباب التي دفعتهم الى هذا التجمع في هذه الساحة. ولذا فقد حاولت ان اقترب قليلا من مكان تجمعهم. ولكنني وجدت قناة صغيرة تحول بيني وبينهم فاكتفيت بالسير جيئة و ذهابا على ضفافها لعلي اقف على شئ من امر هؤلاء الاطفال. او ان ارقب ما يصنعون وهم فيما يبدوا من اصل واحد، او تربط بينهم وشائح قربى وصلات رحم رغم اختلافهم في كثير من التفصيلات الجزئية. لكن ملامحهم واحدة وطريقتهم العابثة واحدة وسلوكهم فيما بينهم واحد. وبذلك استطعت ان اقف على شئ غير قليل من امرهم.

لم يكن بينهم عمل واحد يجمع بينهم ولا هدف مشترك ولا معنى واضح لسلوكهم.
فقد انشغلت مجموعة منهم بالعاب مختلفة بينما انغمست مجموعة اخرى مع طيور الحمام تطوح به في الهواء ليحلق عاليا ثم يذهب بعيدا في اعماق الفضاء الواسع.
في حين انهمكت مجموعة اخرى باللعب مع طيور جارحة اظنها صقورا او نسورا تحط على اكتاف القوم مرة وعلى ايديها مرات فتقذف بها في الهواء في زهو وفرح غامر. وتظل تتابعها في سعادة بالغة.

من بعيد نراءى لي مشهد دخان كثيف يملأ الافق حسبته في بداية الامر حريقا شب في ذلك الركن الهادئ الذي كسته خضرة ظاهرة لكني عندما اقتربت قليلا وجدت الدخان ازرق اللون على نحو لم نألفه في الحرائق من قبل. ثم تبين انه عادم لمجموعة كبيرة من النراجيل المشتعلة امام مجموعات من الرجال، صفت كراسيهم على شكل هلال، وفي نقطة الوسط امام المجموعة استوت صينية نحاسية كبيرة جمعت النرجيلة ولوازمها والقوم يجذبون انفاسا شرهة ثم يسعلون طويلا فتلتهب حبات الجمر نافثة لسنا من اللهب، فيتصاعد ذلك الدخان الازرق الذي يملأ المكان.

وفي الجهة المقابلة كانت مجموعة اخرى من الرجال تقف صامتة مكتفية بفتل شواربها مزهوة بشبابها مستعرضة الاذرع والعضلات والسيقان الطويلة وكأنها تشترك في مسابقة لعرض كمال الجسم. وفي هذه الاثناء انطلق صوت غريب قادم من ضمير الغيب ينادي بقوة ( من كان منكم نشطا، فليرمي بحجر )

عندئذ تقدم طفل صغير شاقا طريقه وسط هذه الجموع الغفيرة وكأنه يخرج من بين ارجلها وامسك بقطعة من الحجر بكل ما تستطيع يده الصغيرة ان تقبض عليها وقذف بها بكل عزم واصرار وقوة وعناد ثم انحى على الارض يلتقط حجرا آخر. واندهشت لجرأة الصغير وثباته واستعداد لتحمل نتيجة عمله لكني افقت على منظر طفل آخر يشق الصفوف وفي يده حجر ثم طفل ثالث ورابع وخامس.

وتكاثر عدد الاطفال دون اتفاق سابق فيما بينهم وكانت ارجلهم الصغيرة تهرول مسرعة لتقذف بالحجر ثم تعود تبحث عن حجر آخر بغير ملل. وسمعت صوت الشاعر يشق عنان السماء وهو ينشد:

يا ايها الاطفال ! من المحيط الى الخليج، انتم سنابل، وانتم الجيل الذي سيكسر الاغلال، ويقتل الافيون في الرؤوس، ويقتل الخيال

ايها الاطفال انتم بعد طيبون وطاهرون كالندى، طاهرون كالثلج، لا تقرأوا عن جيلنا المهزوم. فنحن خاطئون ونحن مثل قشرة البطيخ تافهون، ونحن منخورون كالنعال.

لا تقرأوا اخبارنا – لا تقتفوا آثارنا – لا تقبلوا افكارنا – فنحن جيل القيء والزهري والسعال – ونحن جيل الدجل – والرقص على الحبال.

– يا ايها الاطفال – يا مطر الربيع – يا سنابل الامال – انتم بذور الخصب في حياتنا العقيمة – وانتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة.

فسر في جسمي نشوة الامل وانا استمع الى غناء الشاعر وجري الاطفال – فما زال امامنا شعاع يهدي في هذه الظلمىة الحالكة – واذا بي اهتف من اعماقي

( يا اطفال العرب اتحدوا !! )

اجل اتحدوا وقلدوا اطفال الحجارة في كل مكان، كوّنوا نقابات باسمكم تدافع عنا نحن الكبار نحن جيل الضعف والجبن والخور – لم يعد امامنا امل سواكم – اتحدوا واسقطوا كل نظام فاسد، اتحدوا وقوموا سلوك الكبار، اتحدوا فقد اصبحنا مضغة الافواه، واضحوكة الناس في كل الارجاء حتى غدا العالم لن ينظر لنا نظرة احترام.

اسمعوا العالم كله ان العرب ما زال فيهم عرق ينبض وما زالت هناك سواعد تستطيع ان تلتقط الحجر وتقذف به في عيون الاعداء وفي عيون الحكام ايضا، لان الصغار ليسوا كالكبار يجيدون النفاق ويتلهون بالحمد والثناء على كل فاسق وآبق. فيا اطفال يعرب اعيدوا لنا الثقة والامل، بعد ان يئسنا من هذه الامة اللاهية.

*مقتبس من كتاب افكار ومواقف لمؤلفه الدكتور امام عبد الفتاح امام.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close