الترجمة و ما بعدها: يا مترجمي العالم الثالث ابصموا ببصماتكم!

بقلم ا.د. كاظم خلف العلي
استاذ اللسانيات و الترجمة – كلية الآداب – جامعة البصرة
[email protected]
بحسب القصة التوراتية الواردة في سفر التكوين فإن الترجمة ابتدأت حين قرر الرب تشويش الدنيا كلها التي كانت تسكن مدينة بابل و من ثم بعثرتها على اصقاع الأرض حين قررت بناء مدينة عظيمة و برج يطول عنان السماء. و إنما سميت بابل ببابل من تبلبل الألسن. و حينما اختلفت اللغة الموحدة unifying language لأهل بابل احتاجوا إلى الترجمة للتواصل فيما بينهم. و من هنا ابتدأت الترجمة. و من هنا اتخذ العلامة جورج ستاينرGeorge Steiner عنوان كتابه “ما بعد بابل After Babel” الصادر عام 1975 ليؤرخ بدء الترجمة و الحديث عنها إلى وقت صدور الكتاب. لكن القصة القرآنية تختلف عن القصة التوراتية لأصل الترجمة، فبحسب ما يرد من اشارات متعددة في القرآن الكريم فإن اختلاف الألسن (و هي اللغات) و ألوان البشر (اعراقهم) انما هو آية من آيات القدرة الربانية و علامة من علامات عظمته ” و من آياته خلق السموات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم”. و في الحقيقية فإن مثل هذه القصص الدينية عن الترجمة أو عن بداية اللغة لا يعتد بها في العصر الحديث مثل الاعتداد بألواح سرجون الأكدى التي تضمنت أخبار انتصاراته بعدة لغات أو حجر الرشيد في زمن الملك المصري بطليموس الخامس و لا مثل النظرية الماركسية، مثلا، عن بداية اللغة بهمهمات العمال و هم يكدحون و يشقون.
و سارت عربة الترجمة و تأثرت رغم بقاء جوهرها على أنها عملية لنقل الكلمات و الجمل و الأفكار من لغة إلى لغة أخرى” بأقوال المترجمين من رجال الدين و غير رجال الدين و المحللين و المنظرين من خلفيات مختلفة. فشيشرو Cicero يقول في القرن الأول قبل الميلاد في معرض حديثه عن ترجمته لأثنين من خطباء أثينا :
And I did not translate them as an interpreter, but as an orator, keeping the same ideas and forms, or as one might say, the ‘figures’ of thought, but in language which conforms to our usage. And in so doing, I did not hold it necessary to render word for word, but I preserved the general style and force of the language
بينما يقول شفيع المترجمين القديس جيروم St. Jerome في القرن الرابع الميلادي عن اتجاهه في الترجمة مفضلا الترجمة المعنوية على الترجمة الحرفية :
Now I not only admit but freely announce that in translating from the Greek – except of course in the case of the Holy Scripture, where even the syntax contains a mystery – I render not word-for-word, but sense-for-sense.
و من ثم جاء المصلح مارتن لوثر Martin Luther الذي قام بأجرأ خطوة بترجمته الكتاب المقدس بإحدى اللهجات الألمانية الواسعة الانتشار لضمان قراءة أكبر عدد من الجمهور لترجمته و للكتاب المقدس. و قال في تعبير ديمقراطي عن اتجاهه في الترجمة:
You must ask the mother at home, the children in the street, the ordinary man in the market [sic] and look at their mouths, how they speak, and translate that way; then they’ll understand and see that you’re speaking to them in German.
و جاء الشاعر الإنكليزي جون درايدن John Dryden ليقسم الترجمة إلى ثلاثة أنواع هي الـ metaphrase الذي يناظر الترجمة الحرفية و الـذي يناظر الترجمة المعنوية الحرة paraphrase و المحاكاة imitationالحرة جدا مثل طريقة ماكاولي و إدوارد فتزجيرالد. و يصف درايدن المترجم الحرفي Verbal copier بالراقص على الحبال بأرجل مقيدة. تلك مهمة حمقاء ’Tis much like dancing on ropes with fettered legs – a foolish task.
و بعد درايدن يأتينا المفكر الفرنسي و شهيد الترجمة إتيان دوليه Etienne Dolet الذي أعدم لإضافته ثلاث كلمات في ترجمته لأحد حوارات افلاطون. و هو شهيد و ليس ضحية مثلما تحاول بعض الكتب أن تصوره فقد كان ناشطا و مشاكسا و محرضا في ترجماته. و وضع لنا دوليه خمس قواعد للترجمة في مقالته “الطريقة الفضلى في الترجمة من لغة إلى أخرى The way of translating well from one language into another”:
(1) The translator must perfectly understand the sense and material of the original author, although he [sic] should feel free to clarify obscurities.
(2) The translator should have a perfect knowledge of both SL and TL, so as not to lessen the majesty of the language.
(3) The translator should avoid word-for-word renderings.
(4) The translator should avoid Latinate and unusual forms.
(5) The translator should assemble and liaise words eloquently to avoid clumsiness.
و لا يختلف الكسندر فريزر تايتلر Alexander Fraser Tytler كثيرا عن دوليه في قوانينه التي يقول فيها :
(1) The translation should give a complete transcript of the ideas of the original work.
(2) The style and manner of writing should be of the same character with that of the original.
(3) The translation should have all the ease of the original composition.
و يقسم شلايرماخر Friedrich Schleiermacher ، من بين إضافاته الكثيرة المهمة إلى الترجمة، المترجمين إلى صنفين: المترجم التجاري Dolmetscher’ و مترجم النصوص الفنية و الإبداعية Übersetzer. و يرى شلايرماخر أن هناك طريقتين في الترجمة هما التطبيع naturalizing و التغريب alienating اللتين يتبناهما من بعد الباحث لورنس فينوتي Lawrence Venuti و يصيغهما بــ domestication و foreignizing. و يرى ىشلايرماخر أن هناك طريقين أمام المترجم الحقيقي:
Either the translator leaves the writer in peace as much as possible and moves the reader toward him, or he leaves the عبر him
و ننطلق من شلايرمارخر إلى علامة مهمة من علامات الترجمة وضعها العالم اللساني الأمريكي رومان ياكوبسن Roman Jakobson بتصنيفه الترجمة إلى ثلاثة أصناف هي :
Intralingual, or rewording
Interlingual, translation proper
Intersemiotic
و الذي يقول في مقالته الفريدة “في الجوانب اللغوية للترجمة On Linguistic Aspects of Translation” الصادرة عام 1958 من أن “جميع التجربة الإدراكية و تصنيفاتها قابلة للنقل إلى أي لغة موجودةAll cognitive experience and its classification is conveyable in any existing language” و المنادي بالتكافؤ بالاختلاف equivalence in difference.
و هناك أيضا فني و داربلنيه Vinay and Darbelnet في دراستهما الأسلوبية المقارنة للغتين الفرنسية و الإنكليزية في العام 1958 Comparative Stylistics of French and English: A Methodology for Translation
و جي سي كاتفورد J.C.Catford و دراسته اليتيمة “نظرية لسانية للترجمة A Linguistic Theory of Translation” في 1965 الذي يتبنى نموذج العالمين اللسانيين الإنكليزيين فيرث و هاليدي اللذان يريا الترجمة على أنها تواصل يعمل وظيفيا في سياق و على مدى من المستويات و الرتب المختلفة which analyses language as communication, operating functionally in context and on a range of different levels (e.g. phonology, graphology, grammar, lexis) and ranks (sentence, clause, group, word, morpheme, etc). و الدراستان معنيتان بالتغييرات التي تحدث أصناء الترجمة (shifts).
و من الأمريكي ياكوبسن إلى الأمريكي يوجين نايدا Eugene A. Nida الذي قدم لنا ثنائيته “المكافئ الشكلي formal equivalence” و “المكافئ الداينمي dynamic equivalence” و “مبدأ الأثر المتكافئprinciple of equivalent effect ” و اشتراطاته للترجمة الناجحة:
1. Making sense
2. Conveying the spirit and manner of the original
3. Having a natural and easy form of expression
4. Producing a similar effect
و من نايدا إلى بيتر نيومارك Peter Newmark الذي يقدم لنا ثنائية لا تختلف عن ثنائية نايدا كثيرا أسماها “بالترجمة الدلاليةsemantic translation ” و “الترجمة التواصلية communicative translation”. و يرى نيومارك أن النوعين من الترجمة إذا ما اشتبكا، فإن الغلبة تكون للترجمة التواصلية “احذر الكلب beware the dog “على الترجمة الدلالية “كلب يعض A dog that bites”. و من بين تساؤلات نيومارك المهمة عن التكافؤ الداينمي و التعديلات الواجب القيام بها لمصلحة القاريء هو هل أن علينا أن نقدم كل شيء جاهزا للقارئ to be handed everything on a plat.
و نعود إلى الألمان مرة ثانية الذين نقلوا الترجمة نقلة كبيرة عبر دراستها وظيفيا ابتداء بجوليان هاوس Juliane House التي وظفت النحو الوظيفي النظمي systemic functional grammar لصاحبه هاليدي و مفاهيمه الأساسية و هي field – tenor – mode لتقدم لنا بعد ذلك نموذجها المقارن المكون من سبع خطوات في تحليل النص و الترجمة. و تؤكد جستا هولز مانتاري Justa Holz-Mänttäri في نظريتها في الفعل الترجمي translatorial/translational action على وجود لاعبين حيويين يؤثرون في الترجمة بالإضافة إلى المترجم و هم المنشيء و المفوض و منتج النص الأصل و منتج النص الهدف و مستمعمل النص الهدف و مستقبل النص الهدف:
(1) The initiator: the company or individual who needs the translation.
(2) the commissioner: the individual who contacts the translator.
(3) the ST producer: the individual within the company who writes the ST, not necessarily always involved in the TT production.
(4) the TT producer: the translator(s) and the translation agency or department.
(5) the TT user: the person who uses the TT, for example as teaching material or sales literature.
(6) the TT receiver: the final recipient of the TT, for example the students in a TT user’s class or clients reading the translated sales literature.
و تربط كاثارينا رايس Katharina Reiss وظائف اللغة بتركيز النص و الاستراتيجية المناسبة للترجمة لتقوم بعدها مع هانز فيرمير بتقديم نظرية الهدف skopos theory التي تعنى بهدف الترجمة. و تضع النظرية قوانينها كالآتي:
(1) A translatum (or TT) is determined by its skopos.
(2) A TT is an offer of information ( Informationsangebot ) in a target culture and TL concerning an offer of information in a source culture and SL.
(3) A TT does not initiate an offer of information in a clearly reversible way.
(4) A TT must be internally coherent.
(5) A TT must be coherent with the ST. (6) The five rules above stand in hierarchical order, with the skopos rule predominating.
و من بين الفوائد الكثيرة لنظرية الهدف أن الترجمة يمكن أن تعاد طبقا لتغير الهدف و التفويض commission الممنوح للمترجم ، و مما تؤكد عليه النظرية :
What the skopos states is that one must translate, consciously and consistently, in accordance with some principle respecting the target text. The theory does not state what the principle is: this must be decided separately in each specific case.
و من نظرية الهدف إلى نظرية النظم المتعددة polysystem التي أتى بها إيتمار إيفن زوهارItmar Even-Zohar اعتمادا على الشكلانيين الروس Russian formalists و عملهم في العشرينيات و التي بمقتضاها يشكل الأدب المترجم جزءا من منظومة (أدبية و ثقافية” يتنافس مع المنظومات الأخرى لاحتلال الموقع الأول. و هناك عواقب فيما إذا احتلت الترجمة الموقع الأول أو الموقع الثاني. و من الإسرائيلي زوهار إلى الإسرائيلي جدعون توري Gideon Toury الذي أنطلق إلى دراسات الترجمة الوصفية و دراسة الأعراف الفاعلة في الترجمة. و على ذات نسق الأعراف و الجينات يأتينا أندرو جسترمان Andrew Chesterman بمصطلح الميمات memes الذي يوظفه رجارد داوكنز Richard Dawkins في كتابه “الجين الأناني The Selfish Gene” و الميم كما يقول وبرسيلة مفاهيمية لدراسة الترجمة و إيجاد الحلول لمشاكل الترجمة، و من الميمات الكبرى في الترجمة:
The Source-Target meme,
The Equivalence meme,
The Untranslatability meme,

The Free v Literal meme,
The All-Writing-Is-Translation meme
و ينظر أندريه لوفيفر Andre Lefevere إلى الترجمة بوصفها عملية إعادة كتابة rewriting تحصل بحسب الشعريات و الآيديولوجيا المهيمنة و يدرس دور الرعاية patronage في الترجمة و تأثيراتها. و ترى المنظرات النسويات من أمثال لوري تشامبرلين و شيري سايمون و لويز فون فلوتو أن الترجمة لابد و أن تكون وسيلة لجعل المرأة منظورة و مسموعة و أن هدفهن هو زعزعة النظرة الجنسوية المنحازة من المرأة و الترجمة على حد سواء حيث أن المرأة هي الترجمة الكائن الاشتقاقي الضعيف بينما يكون الأصل هو المولد القوي. و تسعى المنظرات النسويات إلى التشكيك بالمجازات التي تربط الترجمة جنسيا بالمرأة و منها المجاز الفرنسي “الخائنات الجميلات Les belle infidelle” و مجاز جورج ستاينر في الحركة الهرمنيوطيقية. و ترى المترجمة النسوية سوزان دو لوتبنييه – هاروود Susanne de Lotbinière-Harwood:
My translation practice is a political activity aimed at making language speak for women. So my signature on a translation means: this translation has used every translation strategy to make the feminine visible in language.
و تهتم الدراسات ما بعد استعمارية في الترجمة و في الحقول الأخرى بتركات الاستعمار و تأثيراته في الكتابة و الترجمة حيث ترى المفكرة النسوية التفكيكية غياتري جاكروفورتي سبيفاك Gayatri Jackrovorty Spivak صاحبة مقال “هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ Can the Subaltern Speak? ” الشهير في مقالتها “سياسات الترجمة The Politics of Translation”:
In the act of wholesale translation into English there can be a betrayal of the democratic ideal into the law of the strongest. This happens when all the literature of the Third World gets translated into a sort of with-it translatese, so that the literature by a woman in Palestine begins to resemble, in the feel of its prose, something by a man in Taiwan.
و تسمي سبيفاك مثل هذه الترجمات بالـتريجيمة translatese’. و يتفق الباحث المعروف لورنس فينوتي مع التوجهات الغربية المنحازة بتغليب جزالة الترجمة إلى الإنكليزية على المعايير الأخرى و ينتقد دور النشر الغربية التي لا تستقبل من الترجمات ما يكافئ صادراتها إلى لغات العالم غير المهيمنة.
و كرد فعل على الاستعمار و الاستعمارية برز الاتجاه الوحوشي في الترجمة الذي يرى في التهام الآخر و التغذي عليه مصدرا من مصادر تنشيط الذات و تقويتها و تجسد الاتجاه بكتابات الشاعر و المترجم البرازيلي هارولدو دو كامبوس Haroldo de Campos و التنظير له من قبل أيلس فييرا Else Vieira. و بمقابل التهام الأخر و تذويبه طرح العرب مفهوم “المثاقفة acculturation” و بمقابل “صراع الحضارات” طرحت ايران مفهوم “حوار الحضارات”.
و تدور عجلة الترجمة قتتغير وحدة البناء و التحليل فيها من الكلمة إلى الجملة إلى النص فالخطاب فالثقافة حيث تنبأ كل من أندريه لوفيفر و سوزان باسنيت قبل سنين بأن لا الكلمة و لا النص بل الثقافة هي الوحدة العملياتية في الترجمة neither the word, nor the text, but the culture becomes the operational ‘unit’ of translation.
و تغيرت الترجمة في كل ذلك بين حرفية و معنوية لدى كل من شيشرو و جيروم و آخرين و من translation إلى translationese و translates و translatuum ، و من مرة تكون شكلية formal و داينمية dynamic لدى نايدا و مرة دلالية semantic و تواصلية communicative لدى نيومارك إلى واضحة overt و غير واضحة covert لدى جوليان هاوس و إدائية instrumental و توثيقية documentary لدى كريستيان نورد. و تغيرت تسمية الحقل الذي يدرسها من الترجمة translation إلى علم الترجمة translatology إلى دراسات الترجمة translation studies.
و ما بعدها
و ضمن اهتماماتها بموقع الترجمة و المترجمين في مناطق الصراع و رفضها لبراءة الترجمة و كونها جسرا للتواصل بين الافراد و الأمم و ضمن منهجها السردي لدراسة الترجمة الذي طورته عبر مجموعة من البحوث و الكتب ترى عالمة الترجمة البريطانية المصرية الأصل مونا بيكر Mona Baker خطورة بعض السرديات المفاهيمية التي تتجاوز حدودها المنهجية مثل كتاب رافائيل باتاي Raphael Patai “العقل العربي The Arab Mind” و كتاب صامويل هنتغتون Samuel Huntingtton ” صراع الحضارات و إعادة تشكيل النظام العالمي الحديث The Clash of Civilization and the Remaking of the World Order” الصادر في 1996 خصوصا و أنه كان نقطة مرجعية لإدارة الرئيس جورج دبليو بوش و أن السرديات التي ولدها الكتاب ربطت مباشرة بأحداث الحادي عشر من أيلول 2001و الحرب على افغانستان و العراق. يقسم هتنغتون و هو العالم السياسي بجامعة هارفرد حضارات العالم إلى مجموعات مميزة و لكل منها صفات ثقافية متأصلة تتعارض مع القيم الأمريكية. و يقول في مقال بمجلة “الشؤون الخارجية” المؤثرة في الحديث عن الفكرة ذاتها منشور في العام 1993 أن على الولايات المتحدة أن تقيم تحالفات مع الثقافات الشبيهة بثقافتها و أن تنشر قيمها حيثما كان ذلك ممكنا ، و أن تحتضن الثقافات الغريبة إن كان ذلك ممكنا و لكن أن تقوم بالتصادم معها إن كان ذلك ضروريا. و من أمثلة هذه الأقوال السيئة ما طالب به أحد الكتاب الكويتيين في نصيحة لقادة الجيش الأمريكي بضرورة اعتمادهم لكتاب الدكتور علي الوردي “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث” الذي يحلل فيه بعض الجوانب السلبية من المجتمع العراقي دليلا للتعامل مع العراقيين، أو في توجيهات بعض القادة الأميركيين إلى قادة الميدان في العراق من تجنب تجنيد المترجمين العراقيين للعمل معهم إلا بعد ضمان إخلاصهم و ولائهم لأن العراقيين كما يقولون اعتادوا المكر و الخداع و الكذب لكي يستطيعوا التعايش مع دكتاتورية نظام صدام حسين و وحشيته. و مما يمكن ملاحظته من السرديات السينمائية السيئة فلم توم كروز “Mission Impossible 4” الذي يبدأ بوصول كروز للإمارات العربية مصورا إياها بالصورة النمطية السلبية بصحراء و عاصفة رملية و جمال مع أن الصورة الحالية للإمارات تجعل منها حلما لكل أجنبي، أمريكيا كان أو أوربيا. و من السرديات السيئة و الخبيثة ما كشفته أحدى التجارب الاجتماعية في موقع اليوتيوب حيث قام اصحاب الدراسة بالطلب من الجهور بصورة منفردة أن يذكروا ايحاءاتهم الأولى عن كلمات معينة مختلفة و عندما طلبت منهم ايحاءاتهم عن كلمة “مسلم” أجابوا كلهم “إرهابي”.
إن السرديات كما تقول مونا بيكر لا تجتاز الحدود اللغوية و الثقافية و لا تصبح سرديات عالمية كبرى global meta narratives من دون تدخل المترجمين الشفاهيين و التحريريين. أن ما هو مهم حاليا أن أعدادا من المترجمين المهنيين و غير المهنيين في الترجمة الشفاهية و التحريرية بدأت بتطوير سرديات بديلة عن السرديات القهرية التي تستعمل للنيل من الأمم و الشعوب الضعيفة . و هنا يكمن دور المترجم، المترجم غير التجاري بالتأكيد الذي عليه أن يعمل بوعي مقولتي الأديب اللبناني جبران خليل جبران “لا أريد أن آتي لهذه الدنيا و أخرج منها كما يأتي و يخرج منها الآخرون” و مقولته ” يقولون لي إذا رأيت عبدا نائما فلا توقظه لعله يحلم بحريته، و أقول لهم إذا رأيت عبدا نائما أيقظته و حدثته عن الحرية”. و فوق و قبل جبران قول رسولنا الكريم محمد (ص) “إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ، أو صدقة جارية”، و فوق رسول الله قول الله تعالى “و أبتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا”… فلنقدم من خلال ترجماتنا سرديات بديلة للسرديات القهرية التي يفرضها العالم المتقدم و لتكن مما ينتفع به الآخرون و صدقة جارية لنا و يا مترجمي العالم الثالث أبصموا ببصماتكم المميزة!
* نص المحاضرة التي القيت فب كلية الآداب بجامعة واسط بحضور الدكتور محمد رضا الأوسي عميد الكلية و الدكتور مازن الحلو رئيس قسم الترجمة و لفيف من أساتذة الكلية و طلبتها بتاريخ 28/3/2019.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close