هارون: موسى بن جعفر إمام الناس وحجة الله على خلقه، لكن الملك عقيم

* جميل ظاهري

الكثير لا زال يجهل أو يتجاهل أسباب العداء الدفين والحقد الكبير والضغينة التي يكنها الطغاة منذ اللحظة الأولى لنقضهم بيعة “غدير خم” في حجة الوداع بمؤامرة “سقيفة بني ساعدة” ومن تبعهم حتى يومنا هذا بخطهم الأموي السلفي التكفيري الوهابي ضد أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم وشيعتهم، ساعين جاهدين في إبقاء الأمة والبشرية جمعاء في ظلمات الجهل والقبلية والعصبية والوثنية وعبادة غير الله سبحانه وتعالى مستخدمين كل وسائل الاعلام المزيف ودعاة تزوير الحقائق وحرف الاذهان عما جاء به خاتم المرسلين محمد (ص) وحمله من بعده وصيه دون فصل الامام علي أمير المؤمنين واهل بيته الميامين عليهم السلام أجمعين، واحداً تلو آخر لإخراج الناس من ظلمة الجهل والغفلة والتكفير والظلم والاستبداد وسوء الاستغلال، سعياً للتصدي لناهبي ثروات المسلمين والدفاع عن حقوقهم المغتصبة وتسنم أرفع قمم العلم والاخلاق والمعرفة.

لقد عاش الامام موسى بن جعفر الكاظم بن الامام جعفر الصادق (عليهما السلام) مدة إمامته بعد أبيه في فترة تتّسم عادة بالقوّة والعنفوان وهي فترة صعود الدولة العباسية وانطلاقتها، واستلم شؤون الامامة في ظروف صعبة وقاسية، نتيجة الممارسات الجائرة للسلطة العباسية وعلى رأسها المنصور الدوانيقي، لكنه (ع) حيث جسّد دور الامامة بأجمل صورها ومعانيها. حيث احتل الامام الكاظم (ع) مكانة مرموقة على صعيد معالجة قضايا العقيدة والشريعة في عصره.

حيث برز في مواجهة الاتجاهات العقائدية المنحرفة والمذاهب الدينية المتطرفة والأحاديث النبوية المدسوسة من خلال عقد الحلقات والمناظرات الفكرية مما جعل المدينة المنورة محطة علمية وفكرية لفقهاء ورواة عصره يقصدها طلاب العلوم من بقاع الأرض البعيدة فكانوا يحضرون مجالسه وفي أكمامهم ألواح من الابنوس (نوع من الخشب) كما ذكر التاريخ.. وقد تخرّج من مدرسة الامام الكاظم (ع) في المدينة المنورة، والتي كانت امتداداً لمدرسة الامام الباقر (ع) واستمراراً لمدرسة الامام الصادق (ع) الكثير من العلماء والفقهاء في مختلف العلوم الاسلامية آنذاك.. عاصر الامام موسى بن جعفر (ع) من خلفاء العباسيين “المنصور” و”المهدي” و”الهادي” و”هارون الرشيد”، وقد اتسم حكم “المنصور العباسي” بالشدّة والقتل والتشريد وامتلأت سجونه بالعلويين حيث صادر أموالهم وبالغ في تعذيبهم وتشريدهم وقضى بقسوة بالغة على معظم الحركات المعارضة… اما في زمن ولده “المهدي العباسي” فقد خفّف من وطأة الضغط والرقابة على آل البيت (ع) مما سمح للامام موسى بن جعفر (ع) القيام بنشاط علمي واسع في المدينة المنورة حتى شاع ذكره في أوساط الأمة.

خلافة “الهادي العباسي” هي الاخرى اشتهرت بالشراسه والتضييق على أهل البيت وشيعتهم وتوعد الامام (ع) وهدده مراراً لكن لم تسنح الفرصة له بذلك إذ مات بعد وقت قصير، فانتقلت السلطة الى “هارون الرشيد” الذي فاق أقرانه وأسلافه إجراماً وممارسة الضغط والارهاب ضد العلويين؛ الى جانب إتسام عصره عليه السلام اتسم بموجات رهيبة من الاتجاهات العقائدية المنحرفة التي لا تمت إلى الاسلام بصلة، كما تميز بالنزعات الشعوبية والعنصرية والنحل الدينية، الاسلام بريء منها كل البراءة.

فقد تصارعت تلك الحركات الفكرية تصارعاً بعيد المدى أحدث هزاتاً اجتماعية خطيرة لكن الامام الكاظم (ع) والذي نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده المؤلم والمفجع، قد ذاع بين الناس لما يتحلى به من شخصية فذّة لامعة وتناقلوا فضائله، وتحدّثوا عن علمه الغزير، ومواهبه العالية.

وكان يذهب الى فكرة إمامته وأحقيته في الحكم والسلطة ليس كبار المسؤولين في بلاط “هارون” مثل: علي بن يقطين، وابن الأشعث، وهند بن الحجاج وأبو يوسف محمد بن الحسن وغيرهم من قادة الفكر الإسلامي.. فحسب بل وحتى “هارون الرشيد” نفسه الذي كان يؤمن بأن الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) هو أولى منه بهذا المنصب الهام في الأمة الاسلامية كما أفشى بذلك لابنه “المأمون”.

نقل “المأمون العباسي” كنت عند أبي “هارون” في احد الايام وتعجبت كثيراً من إكبار أبي لموسى بن جعفر وتقديره له. فقلت لأبي: يا “أمير المؤمنين”، من هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه؟ ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟

قال: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده فقلت: يا أمير المؤمنين، أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مني ومن الخلق جميعاً، والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإن الملك عقيم (كتاب – قادتنا كيف نعرفهم ج6، ص305، وعيون أخبار الرضا، ج1، ص91.).

رغم وقوف “هارون” على مقام الامام الكاظم (ع)، إلا أنه لم يرقَ له أن يرى في المجتمع من هو أفضل منه.. والجماهير وسائر الأوساط الشعبية والخاصة تؤمن أيضا هو أولى بالخلافة منه، وإن الامام (ع) يفوقه علماً وفضلاً وحكمة وثقة.. والمسلمين قد أجمعوا على تعظيمه، فتناقلوا فضائله وعلومه، وتدفقوا على بابه من أجل الاستفتاء في الأمور الدينية. فعصف بقلب “هارون” الحقد والخوف من الامام موسى بن جعفر (ع) فأودعه السجن لمرات عديدة في البصرة وأقام عليه العيون لرصد أقواله وأفعاله عسى أن يجد عليه مأخذاً يقتله فيه. ولكنهم فشلوا في ذلك فلم يقدروا على ادانته في شيء، بل أثّر فيهم الامام الكاظم (ع) بحسن أخلاقه وطيب معاملته فاستمالهم إليه، مما حدا بـ”هارون الرشيد” الى نقله من سجن البصرة الى سجن “السندي بن شاهك” بغية التشديد عليه والقسوة في معاملته.

انتقل الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) من ظلم “هارون” الى مطامير سجون الطاغية العباسي، ولعل هذه المحنة التي عاناها بعزم وصبر من أقسى المحن وأفجعها التي؛ ألمّت به فتحملها وكظم غيظه في صدره صابراً مجاهداً في سبيل الله., وقضى (ع) زهرة شبابه في ظلمات السجون (حوالي 14 عاماً) محجوباً عن أهله وشيعته، محروماً من نشر علومه على الناس جميعاً.

وقد جهد “هارون” في ظلم الامام الكاظم (ع) والذي كان شبيه عيسى بن مريم في تقواه وورعه وصلاحه، وأمعن في التنكيل به خوفاً من تسلمه الخلافة، علماً أن الامام (ع) لم يكن يبغي الحكم والسلطان، ولم يكن يبغي الجاه والمال، وإنما كان يبغي نشر العدل والحق بين الناس، ومقاومة ظلم أولئك الحكام وجورهم واستبدادهم بأمور المسلمين.. حتى أعيت “هارون” فيه الحيلة ويئس منه فقرر قتله.. فأمر بدس السم له في الرطب فاستشهد الامام الكاظم سلام الله عليه في 25 من شهر رجب سنة 183 هـ ودفن في مدينة الكاظمية المقدسة شمالي العاصمة العراقية بغداد.

[email protected]

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close