منتدى الإعلام بدبي.. إحياء الحضارات

2 أبريل 2019
انطلقت الدورة الثَّامنة عشرة لمنتدى الإعلام العربي بدبي(27-28 مارس الماضي)، تحت عنوان «الإعلام العربي.. الواقع والمستقبل». جاءت حافلة بالندوات والكلمات التي حُددت بعشرين دقيقة، طُرحت فيها مواضيع في مختلف العناوين، مثل الدبلوماسية والإعلام، والاقتصاد والإعلام، والشهرة ومنصات الاتصال الاجتماعي، واتجاهات ترسم مشهد الإعلام، والتسامح عبر الإعلام، ومواجهة الأخبار الكاذبة، وغيرها الكثير، ومن بينها محاضرة تحت عنوان «حضارات أحياها الإعلام».
ظلت الحضارات القديمة بمنطقتنا مدفونة تحت طبقات التُّراب، شأنها شأن النّفط مكتنز تحت الأكواخ والبيوت ولم يدركه أحد، فالتنقيب بين الكنزين بدأ متزامناً، أي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ماعدا استخدام ما ساح من عيون النفط في الحروب قديماً، حتى سميت الفرقة المختصة به بالنَّفاطين، وما برز من آثار الحضارات الغابرة تلقفه الرحالون الأوروبيون، يوم لم تكن تلك الآثار تعني أصحاب الأرض.
غير أن النّفط لا يحتاج إلى دعاية وإعلام لاستخراجه وبيعه، وليس لرجال الدين طريقاً عليه، مثلما اعتبروا آثار الأولين أصناماً وأوثاناً، يُحرم الاهتمام بها، ويحل تدميرها، وما ممارسه تنظيم «داعش» و«طالبان» في تحطيم آثار آشور بالموصل وتدمر بالشَّام، وباميان بأفغانستان، إلا وفق تلك النَّظرة الدينية.
لم يعرف أجدادنا أنهم تناسلوا فوق حضارات شيدها أقوام اندرست أخبارهم، ولم يبق منهم إلا التلول التُّرابية والأطلال التي عليها، ولولا الإعلام، المقروء والمسموع والمرئي، ما تحدث العراقيون عن سومر وأكد وبابل وآشور، ولا تحدث المصريون عن عظماء الملوك، ولم يظهر لديهم نزوع المطالبة مِن الغرب بآثار الأهرام من مسلات وتماثيل. قال أحمد شوقي(ت1932) في السرقات الأثرية: «أَمَن سرقَ الخليفةَ وهو حيٌ/يعفُ عن الملوك مكفنينا»، وهذا ما استشهد به نائب في البرلمان العراقي(1927) عندما عُثر على سرقة كبرى على الحدود العراقية الأردنية، قام بها موظف بريطاني كبير(35 صندوقاً من الآثار).
لم يعرف العراقيون، ماعدا أهل الاختصاص، لولا مجلة «سومر»(1945)، أنهم يعيشون على أرض تضم مخلفات السومريين ومَن جاء بعدهم مِن الحضارات، التي لا تُقدر بثمن، مثل «الإناء النذري»، لوائح الشرائع، أو تماثيل «كوديا» الملك ورجل الدين الذي اعتمر عمامة اعتمر الآن طرازها فقهاء وقساوسة وأحبار. كانت الفكرة السائدة عن تلك الحضارات أنهم أقوام عصوا الله فقلب بهم الأرض وجعل عاليها واطيها، وظلت آثارهم عبرة لمَن أتى بعدهم، مثلما كان يُنظر لآثار العلا (مدائن صالح) أنها أرض عذاب لا يجوز النظر إليها عند المرور بها، فكيف بزيارتها! حتى كسر الإعلام هذا الطوق الديني المُغيب لحضارة عمران وفن راقيْين، واعتبارها ثروة وطنية لا تقل نفاسةً عن النَّفط.
نعم، كانت الحضارات القديمة معروفة في التاريخ الإسلامي، فأبو الحسن المسعودي(ت346هـ) كتب في «مروج الذهب» عن بابل والعجائب التي كانت فيها وعن الأهرام بمصر، وابن وحشية(نهاية القرن الثالث الهجري) ترجم كتاب قديم في الزارعة ببابل (الزراعة النبطية)، وأن أبا الريحان البيروني(ت440هـ) أتى على حضارة الهند في كتابه «تحقيق ما للهند من مقولة»، و«القانون المسعودي»، و«الآثار الباقية عن القرون الخالية». ناهيك عن كتاب «التوراة» وما ذكره عن بابل، والقرآن والآية التي تقول: «وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ»(البقرة:102)، ومنها اقتبس المتنبي(اغتيل354هـ): «ما نال أهل الجاهلية كلُّهم/شعري ولا سمعت بسحري بابلُ».
إلا أن إشاعة أخبار تلك الحضارات، عبر اللُّقى الأثرية والرُّقم الطينية، ما عُرفت إلا عبر الإعلام، ومعلوم أن الأثر يُعد أهم وثيقة لتاريخ الحضارة، ولعل معروف الرَّصافي(ت1945) لم يُجانب الحقيقة عندما أشار إلى الأثر كوثيقة: «فدعْ عنك لِغو النَّاطقين وخُذْ بما/رواه مِن الآثار ما ليس ينطقُ/فإن ذكروا النُّعمان يوماً فلا تثق/بأكثر مما قالَ عنه الخورنقُ»، والخورنق قصر النُّعمان بالحيرة.
حقق الإعلام، في مختلف وسائله، والبداية في نهاية القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين، أمرين في شأن الحضارات القديمة: أولاً، أنها حضارات إنسانية، تمتد في عروق الحاضر، وليست صنمية وكفرية، لا يجوز الحديث فيها، أي إزالة الفكرة الدِّينية عنها، ولما عجز أصحاب تلك الفكرة عن صد الشغف بالحضارات، أخذوا يفلسفونها على أن الديانات عبارة عن حلقات متصلة، بينما لكل حضارة حياتها الروحية النابعة من عصرها. عجبتُ لرجل الدين شغلته الآثار فأخذ يوفق بينها وبين اعتقاده المذهبي، على طريقة الإعجاز العلمي في الكُتب المقدسة! ثانياً: لفت الإعلام أنظار الحكومات بأن آثار تلك الحضارات تُشكل ثروة وطنية مهمة، توظف في اقتصاد السياحة.
ليس هناك ما يجذب السائحين أكثر من المواقع الأثرية والمُتاحف، فكم بشر قصد باريس لأجل مُتحف اللوفر، وكم قصدوا لندن لزيارة المُتحف البريطاني، لأنهما حوسا نفائس ما كان مدفوناً تحت ترابنا، ناهيك عن الدراسات العلمية عنها. فلماذا لا يُجذب السائحون إلى مواقع الحضارات نفسها التي نهبها المهربون ودمرتها القوى الدينية، كأصنام وأوثان. أقول: لولا الإعلام ما عرفنا آلاف السنين من حضارة أرضنا، ولولا التنقيب عن تلك الكنوز ما توافر للإعلام ما يُقدمه عنها.

الكاتب
رشيد الخيّون
الاتحاد الإماراتية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close