هل اقتربت ساعة الحسم في ليبيا؟

ساهر عريبي
[email protected]

أعلن خليفة حفتر قائد قطعات الجيش في الشرق الليبي إنطلاق ما وصفها بعمليات تحرير العاصمة طرابلس من الميليشيات المسلّحة التي تقاسمت النفوذ في العاصمة طرابلس منذ إسقاط حكم الرئيس الراحل معمر القذافي في العام 2011. وقد شهدت المدينة بين الفينة والأخرى إندلاع نزاعات مسلحة بين الجماعات المتنافسه على النفوذ بين , دفع المواطن الليبي ثمنا باهضا لها سواء على صعيد الأرواح او البنى التحتية او التداعيات الإقتصادية السلبية فضلا عن غياب الأمن وتردي الخدمات.

لم تشهد ليبيا استقرارا منذ إعلان حلف الناتو إنطلاق حملته العسكرية في التاسع عشر من مارس عام 2011 لإسقاط نظام حكم القذافي وإحلال الديمقراطية في البلاد. لكن البلاد لم تشهد منذ ذلك اليوم أي استقرار سياسي او امني بل تحولت الى مرتع للميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية التي سيطرت على عدد من المدن الليبية وخاصة مدينة بنغازي حتى وصل الأمر الى أن اعلن تنظيم داعش الإرهابي إقامة دولة الخلافة في مدينة سرت مسقط رأس الزعيم الراحل.

وبالرغم من ان ليبيا لاتعاني من حالة من الإنقسام الديني او الطائفي او العرقي بالرغم من وجود بعض المجموعات العرقية مثل الطوارق والتبو إلا أنها شهدت حالة من الإنقسام السياسي والإنشطار في مؤسسات الدولة فهنالك اليوم حكومتان أحدهما معترف بها دوليا في طرابلس وهي حكومة الوفاق الوطني ويرأسها فائز السراج وحكومة في الشرق الليبي يرأسها عبدالله الثني في طبرق.

وقد تأسست الحكومة الأولى كثمرة لإتفاق الصخيرات الذي وقعته اطراف الأزمة الليبية في مدينة الصخيرات بالمغرب في ديسمير من العام 2015 وبرعاية أممية , ونص الإتفاق على ان عمر الحكومة لن يتجاوز السنتين كحد أقصى, لكن السنتين إنقضيتا ولم تخرج ليبيا من الحالة الإنتقالية عبر إقامة إنتخابات حرة في البلاد. وأما الحكومة الثانية فقد وافق عليها مجلس النواب الليبي ومقره في طبرق في شهر سبتمبر من العام 2014 عقب الإنتخابات التي أسفرت عن خسارة الإسلاميين وخاصة جماعة الأخوان الإسلامية مما أدى إندلاع نزاعات مسلحة قسمت البلاد, ومؤسساتها بين الشرق والغرب.

وقد برزت في الشرق شخصية الجنرال خليفة حفتر وهو قائد سابق في الجيش أيام حكم القذافي لكنه وبعد فشل العمليات العسكرية الليبية في تشاد المجاورة طلب اللجوء السياسي الى أمريكا وعاد بعد السقوط الى البلاد ليقود ما تبقى من قطعات الجيش السابق ليشكل منها نواة لقوات عسكرية نجحت لاحقا في تحرير مدينة بنغازي من الجماعات الإرهابية. ثم تبع ذلك تحرير مدينة درنة كما وبسط سيطرته على منطقة الهلال النفطي التي يتم تصدير النفط عبرها , ثم توّج إنتصاراته بالسيطرة على مدينة سبها عاصمة الجنوب الليبي. وبعد ان بسط سيطرته على الشرق والجنوب أعلن قبل يومين إنطلاق عملية تحرير مدينة طرابلس مما وصفها بالميليشيات المسلحة المدعومة من حكومة الوفاق المدعومة بدورها من المجتمع الدولي.

وأما حكومة الوفاق الضعيفة فلم تنجح في إعداد قوات عسكرية او إنهاء أزمات البلاد لكنها كسبت ود الميليشيات المسيطرة على العاصمة حيث تم الحاقها بإجهزة الأمن والعسكر. وأما هذه الميليشيات فأغلبها تمتد جذورها لمدينة مصراته الواقعة على الساحل الليبي والى الشرق من العاصمة طرابلس. وقد لعبت هذه المدينة دورا أساسيا سواء على الصعيد العسكري او السياسي في البلاد منذ إسقاط النظام السابق وتعتبر من أشد المدن عداءا لحكم القذافي.

وقدحظيت مدينة مصراته بدعم من كل من قطر وتركيا بحكم ارتباطها بجماعة الأخوان المسلمين وكذلك بدعم إيطالي نظرا لأنها أيدت خطة حلف الناتو لأسقاط النظام السابق. وفي مقابل هذا الدعم حصل الشرق الليبي ممثلا بخليفة حفتر وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي على دعم الدول المناهضة للمحور القطري التركي الا وهي الإمارات ومصر والسعودية. وأما على الصعيد الدولي فإن الشرق انفتح على كل من روسيا وفرنسا في محاولة لموازنة الدور الغربي الممثل بايطاليا وأمريكا اللتان وقفتا خلف حكومة الوفاق بطرابلس.

وقد أسهم هذا الدعم في تحرير القوات الأمريكية لمدينة سرت من قبضة تنظيم داعش وتسليمها لحكومة الوفاق فيما ساهم الدعم المصري والإماراتي والفرنسي في تحرير مدينة بنغازي ودرنة من نير الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة. وقد ادى هذا الدعم كذلك الى تقوية شوكة قوات الجيش بقيادة خليفة حفتر فيما تمكن الدعم الإيطالي الأمريكي من الإبقاء على حكومة الوفاق طوال السنوات الأربع الماضية بالرغم من ضعفها وهشاشتها.

ومن اللافت ان السعودية دخلت مؤخرا بشكل مباشر على خط الأزمة الليبية, إذ أعلن حفتر إنطلاق عمليات تحرير طرابلس بعد ساعات من عودته من السعودية ولقائه ملكها سلمان بن عبدالعزيز. وقد سبق ذلك تقاربا بين مجلس النواب الليبي والحكومة المؤقتة مع السعودية مسفرا عن نمو مضطرد في الشرق للجماعات السلفية الغير مرتبطة بالقاعدة او داعش ولكن بالمؤسسة الدينية السعودية. وقد أثارت هذه العمليات غضب ايطاليا وبريطانيا حيث دعت الأخيرة مجلس الأمن الدولي الى الإنعقاد بعد ان نجحت قوات حفتر وخلال ساعات معدودة من الوصول الى تخوم العاصمة طرابلس مهددة باسقاط حكومة الوفاق وإعلان وقوع البلاد في قبضة حفتر.

ومما يجدر ذكره أن ليبيا تشهد تنافسا حادا بين كلا من إيطاليا وفرنسا , فإيطاليا المستعمر السابق للبلاد تحتفظ بعلاقات اقتصادية واسعة وخاصة في القطاع النفطي, لكن فرنسا دخلت كمنافس شرس لإيطاليا وحاولت أخذ زمام المبادرة من يديها مما أدى الى توتر العلاقات بين البلاد خلال الفترة الأخيرة, وخاصة عندما استغلت فرنسا انشغال ايطاليا بتشكيل الحكومة الجديدة لتعلن عن مؤتمر باريس لحل الأزمة الليبية.
واما الولايات المتحدة فقد دخلت في خط الصراع معلنة وعلى لسان الرئيس ترامب وقوفها الى جانب ايطاليا , مؤكدة على ان امريكا غير معنية بالشأن الليبي الا فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب.

ولذا فقد أثارت هذه العمليات العسكرية قلق الدول المؤثرة في ليبيا وكذلك دول الجوار وخاصة الجزائر وتونس اللتان تخشيان دخول البلاد في حالة فوضى شاملة ستكون لها تداعياتها الأمنية على البلدين اللذين يحتفظان بحدود طويلة مع ليبيا. فمن ناحية تخشى ايطاليا فقدان نفوذها في البلاد لصالح فرنسا فيما لو سقطت حكومة الوفاق وأما قطر وتركيا فإن هذه العمليات ستقضي على نفوذهما عبر مدينة مصراته وجماعة الأخوان. فيما سيعتبر انتصار حفتر تعزيزا للنفوذ السعودي الإماراتي المصري في ليبيا. ومع تعزيز العلاقات بين تونس والسعودية مؤخرا فإن الأخيرة ستعزز تواجدها في الشمال الأفريقي عبر تشكيل تحالف يضم مصر وتونس بالإضافة الى ليبيا وقد تنضم اليه الجزائر لاحقا بإنتظار المتغيرات السياسي في اعقاب استقالة عبدالعزيز بو تفليقه.

وأما على الصعيد الداخلي فإن الشعب الليبي ضاق ذرعا من الأوضاع المتردية على مختلف الصعد وخاصة الأمنية والإقتصادية منها واستمرار النزاعات المسلحة ولذا فهو يتطلع الى الخلاص من هذا الوضع الذي يكاد يكمل عقدا كاملا, في الوقت الذي كان يعيش حالة من الأمن والرفاه الإقتصادي يحسد عليها في زمن النظام السابق. وقد أثار هذا الوضع حنين الكثير من الليبيين الى النظام السابق حيث تنامي ما يسمى بالتيار الجماهيري الذي اتخذ من سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الراحل رمزا له بإنتظار المشاركة في إنتخابات هذا العام.

لكن هذه العمليات العسكرية وضعت الإنتخابات على كف عفريت كما وانها أثارت قلق أنصار النظام الجماهيري الذي ينظرون بعين الريبة الى خليفة حفتر. لكن ما يجري على الأرض يثبت بان حفتر حاليا هو رجل ليبيا القوي الذي قد تخرج ليبيا على يديه من حالة الفوضى ويعاد بناء دولتها التي أسقطت تحت ذريعة إحلال الديمقراطية ,إذ لم ينجح حلف الناتو في اقامة ديمقراطية في البلاد كما ولم تنجح القوى السياسية المتعددة الولاء في إخراج البلاد من ازمتها ويضاف الى ذلك فشل الحلول السياسية الدولية, مما ترك الساحة للحل العسكري الذي قد يحسم الأوضاع و يوحد البلاد ويخرجها من ازمتها المستدامه لكنه قد يسقطها أيضا في فخ الدكتاتورية والحكم العسكري!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close