فى الذكرى الأربعون للمعاهدة كامب ديفيد وتصفية الحركة الوطنية المصرية

محمد سيف الدولة

[email protected]

اقصد بالحركة الوطنية المصرية، كل التيارات والأحزاب والتنظيمات والجماعات والتجمعات والحركات واللجان والشخصيات التى ترفض التبعية للولايات المتحدة، وتناصر فلسطين وتناهض الصهيونية وكامب ديفيد و(اسرائيل) وترفض الاعتراف بها او التطبيع معها.

وأقصد بكامب ديفيد، نظام الحكم الذى أسسه الأمريكان والذى يحكم مصر منذ 1974 حتى اليوم.

***

والسؤال هو: كيف تم اضعاف ثم تصفية كل هؤلاء؟ بحيث أصبحنا اليوم بالكاد نسمع لهم صوتا او حسا أو اعتراضا على التقارب والتنسيق والتحالف الحالى غير المسبوق بين مصر و(اسرائيل).

***

هناك مجموعتان من العوامل التي ادت الى ضعف واضعاف ثم تصفية الحركة الوطنية المصرية فى الفترة من 1974 حتى اليوم، عوامل داخلية واخرى خارجية، يمكننا ان نحاول تتبعها سريعا بدءاً بعصر السادات مرورا بمبارك ثم سنوات الثورة ونهاية بعبد الفتاح السيسى:

اولا ـ السادات 1974 ـ 1981

عمل بعد الحرب مباشرة على تمهيد الواقع المصرى لاخراج مصر نهائيا من جبهة الصراع والمواجهة ضد (اسرائيل) وضد النفوذ الامريكى فى المنطقة من خلال تفكيك القدرات المصرية على مواصلة القتال للحيلولة دون قيامها باتخاذ أى قرار جديد بالحرب فيما لو لم تنسحب (اسرائيل) من سيناء، بحيث لا يكون لمصر بديل سوى الوقوع تحت رحمة الولايات المتحدة و(اسرائيل) وهو ما تم عبر سلسلة من السياسات والقرارات نستعرض اهمها فيما يلى:

· سحب القوات المسلحة المصرية التى عبرت فى حرب اكتوبر واعادتها مرة أخرى الى الضفة الغربية لقناة السويس، بموجب اتفاق فض الاشتباك الاول الموقع فى 18/1/1974، فتم سحب 80 الف جندى وابقاء 7000 فقط، وتم سحب الف دبابة وابقاء 30 فقط، مما أدى الى اضعاف موقف مصر العسكرى على الجبهة، وتخفيض سقف مطالبها فيما لو أقدمت على التفاوض فيما بعد. (وبالفعل لم تسمح ترتيبات كامب ديفيد لمصر سوى بـ 26 ألف جندى فقط فى ثلثى سيناء بالاضافة الى قوات الشرطة فى المنطقة ج، الا باذن اسرائيل)

· اعطاء موطئ قدم على ارض سيناء لاول مرة للعدو الامريكى، بموجب اتفاقية فض الاشتباك الثانى الموقعة فى اول سبتمبر 1975 والتى نصت على ان يتولى مراقبون امريكيون مهمة الفصل بين القوات فى سيناء.

· ثم ما تم لاحقا من ترتيبات امنية وعسكرية فى معاهدة السلام الموقعة فى 26 مارس 1979، من انحياز للامن القومى الاسرائيلى على حساب الامن القومى المصرى بعد ان تم تجريد ثلثى سيناء من القوات والسلاح، والسماح لقوات اجنبية تحت قيادة الولايات المتحدة للقيام بمهمة مراقبة القوات المصرية، بحيث تحولت سيناء رغم عودتها الى السيادة المصرية، الى رهينة تعيش طول الوقت تحت تهديد اعادة احتلالها مرة اخرى من قبل (اسرائيل)، او اختراقها وافسادها بكافة انواع الاستخبارات والجرائم والتهريب والارهاب.

· تحويل الاقتصاد المصرى من اقتصاد حرب موجه الى اقتصاد سوق بموجب قرارات الانفتاح الاقتصادى الصادرة فى اغسطس 1974 بعد شهور قليلة من الحرب وقبل ان تجف دماء شهداء حرب اكتوبر.

· اسقاط مصر فى التبعية الاقتصادية من خلال زيادة القروض والديون وتسليم الاقتصاد المصرى الى صندوق النقد والبنك الدوليين لربطه بالاقتصاد العالمى، وتفكيك اقتصاد الدولة المخطط واخضاعه للسوق العالمى وللشركات عابرة القومية.

· مع توظيف المعونة الاقتصادية الامريكية التى بلغت حينها 815 مليون دولار فى تصنيع طبقة جديدة من رجال الاعمال وكلاء الشركات الاجنبية، تعمل على اغراق الاسواق المصرية بالمنتجات الاجنبية وضرب الصناعة الوطنية تمهيدا لاضعاف وتصفية القطاع العام واغلاق مصانعه وخصخصتها.

· فتح قناة السويس للملاحة الدولية عام 1975 قبل انسحاب القوات الاسرائيلية من سيناء، لضرب أى خيار لاستئناف القتال مرة أخرى، ولخلق مصلحة دولية ضد قرار الحرب.

· تغيير بوصلة الشعب وعقيدته من هدف المقاومة والتحرير واسترداد الارض الى احلام زائفة بالرخاء والثراء السريع، من خلال دعايات ووعود كاذبة عن الخيرات المنتظرة بعد توقف الحروب التى أضاعت مصر، مع فتح باب سفر وهجرة العمالة المصرية للعمل فى السعودية ودول الخليج التى شهدت انتعاشا ماليا ضخما بعد زيادة اسعار النفط.

· اغلاق مصنع الوطنية والوطنيين فى مصر من خلال حظر العمل السياسى فى الجامعات المصرية بموجب اصدار اللائحة الطلابية عام 1979 فى ذات العام الذى تم فيه توقيع معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية.

· مهاجمة فلسطين والعرب والعروبة، والترويج لروابط بديلة زائفة تجمعنا مع اليهود فى (اسرائيل) ومع شعوب البحر الابيض المتوسط، كما فعل توفيق الحكيم فى مقاله الشهير فى مارس 1978 الذى طالب فيه ان تقف مصر على الحياد بين العرب و(اسرائيل) كما وقفت سويسرا على الحياد فى الحرب العالمية. وكذلك الدكتور محمد شعلان الطبيب النفسى الشهير الذى افتى بان ما بيننا وبين (اسرائيل) لا يعدو ان يكون حاجزا نفسيا، لتتوالى كتائب التطبيع من كل لون وصنف، مرورا بعلى سالم وجماعة كوبنهاجن ورجال اعمال اتفاقيات الكويز والبترول والغاز والشتلات الزراعية وصولا الى يوسف زيدان اليوم الذى ينفى وجود المسجد الاقصى فى فلسطين، ويعلن ترحيبه بالذهاب الى (اسرائيل).

· شراء قطاعات واسعة من القوى السياسية المصرية بوعود كاذبة عن الديمقراطية وحق تشكيل الاحزاب الذى بدأت بتأسيس ثلاثة منابر فى الاتحاد الاشتراكى قبل ان يتم الغائه، ثم تحويلها بعد ذلك الى أحزاب، سرعان ما تم الانقضاض على المعارض منها والزج بغالبية عناصرها فى السجون عام 1981.

· اضعاف القوى الوطنية المناهضة لامريكا ولاسرائيل من خلال مطاردة اليسار فى مصر واعتقال عناصره وانصاره وتلفيق عشرات القضايا لهم امام محاكم امن الدولة العليا.

· استخدام التيار الاسلامى لضرب التيارات الماركسية والناصرية فى الجامعات المصرية، مما ادى الى استبدال الخطاب والمطالب الوطنية والاجتماعية للحركات الطلابية بخطاب دينى يركز فى غالبيته على المظهر الخارجى والملابس .. الخ. وفى الوقت الذى كانت مصر تباع فيه فى سوق الثلاثاء الامريكى والصهيونى، كان “قطاعات” من الطلاب الاسلاميين يثيرون الدنيا ويقعدونها لمنع عرض مسرحية طلابية فى الحرم الجامعى.

· وهو الوضع الذى استمر حتى نهاية السبعينات، قبل ان ينقلب السادات على الاسلاميين ايضا، بعد ان التحقوا بصفوف المعارضين لاتفاقيات كامب ديفيد، وتم الزج بهم فى السجون جنبا الى جنب مع القوى الوطنية واليسارية عام 1981.

***

سنوات مبارك (1982- 2011) :

· بعد اغتيال السادات، تم مرة اخرى للاسف الشديد شراء ورشوة قطاعات واسعة من القوى السياسية، وكان الثمن هذه المرة هو وعود زائفة بتوسيع هامش المشاركة السياسية والبرلمانية والاعلامية مقابل القبول والتعايش مع اتفاقيات كامب ديفيد ومع الوضع المصرى الجديد كدولة ونظام تابعين للولايات المتحدة الامريكية فى المنطقة.

· وتم شراء وتدجين اكبر حزب معارض فى مصر هو حزب التجمع. وكان عراب هذه الصفقة وسمسارها هو الدكتور رفعت السعيد الى الدرجة التى قيل معها ان الشاعر الماركسى سمير عبد الباقى اطلق عليه لقب “لواء امن دولة رفعت السعيد”.

· تزامن ذلك وساعد عليه سقوط الاتحاد السوفيتى وهزيمة المشروع الاشتراكى الأممى (مرحليا) امام الولايات المتحدة والنظام الراسمالى العالمى، مما دفع بزُرَافات من اليسار المصرى والعربى والعالمى الى السقوط فى دوامات الاحباط واليأس الشديد والكفر بالايدولوجيا والانسحاب من العمل السياسى تماما او تغيير البوصلة وطبيعة النشاط، الا من رحم ربى.

· وعلى النقيض من ذلك تماما شهدت هذه الفترة صعودا للتيار الاسلامى على مستوى مصر والامة العربية كلها، بسبب عديد من العوامل مثل هزيمة 1967 التى ادت الى تراجع المشروع القومى العربى، وسقوط الاتحاد السوفيتى الذى أدى الى تراجع التيارات الماركسية كما تقدم، و قيام ثورة فى ايران تحت رايات اسلامية للمرة الأولى فى المنطقة، بالاضافة الى التحالف والرعاية التى اولتهما الولايات المتحدة بتمويل ودعم السعودية والخليج للتيارات الاسلامية التى تم استخدامها لمواجهة وقتال الاتحاد السوفيتى فى افغانستان قبل ان يتفكك هذا التحالف وينقلب الى صدام.

· ولقد استطاع هذا التيار الذى اطلق السادات زمامه، ان يحصد غالبية الاستحقاقات الانتخابية فى الجامعات والنقابات وفى البرلمان بعد ذلك، فى وقت تراجع بشدة الظهير الشعبى لليسار الذى وقف عاجزا عن المنافسة بعد ان قامت الاجهزة الامنية بقصقصة ريشه مبكرا منذ السبعينات كما تقدم.

· اضف الى ذلك حالة الانقسام الفكرى والتنظيمى والسياسى التى ضربت فصائل اليسار، والتى كان وراءها بعض جوانب القصور المنهجى التى جعلت النظرية عاجزة فى كثير من الاحيان عن تقديم قراءة وتحليل وتفسير صحيح للواقع الاجتماعى والسياسى، بالاضافة بطبيعة الحال الى حزمة من الامراض السياسية التى لم ينجُ منها احد، كالذاتية والشللية وغيرها.

· ولا يمكن بطبيعة الحال تجاهل ما تعرضت له فصائل اليسار على اختلاف اجنحتها من عملية اختراق وتخريب وافساد، على ايدى الانظمة العربية التى ترفع رايات القومية فى ليبيا والعراق وسوريا، من خلال اغداق الدعم والاموال على شخصيات وشلل بعينها، مما تسبب فى افساد عشرات الاحزاب والحركات والشخصيات فى مصر والوطن العربى، وليتحول العمل الوطنى والسياسى لدي هؤلاء الى مصدر للدخل والرزق والارتزاق، وهو ذات الافساد الذى تعرضت له قطاعات اخرى من اليسار ومن الليبراليين على ايدى اموال المعونات الاجنبية الواردة من امريكا ودول الاتحاد الاوروبى، فيما اطلق عليه البعض “بوتيكات حقوق الانسان” مما ادى الى صناعة عديد من الحقوقيين الاثرياء الا من رحم ربى من نخبة ممتازة من المناضلين المدافعين عن حقوق الناس وحرياتها.

***

وبالطبع كان لسلسة من الاحداث والمتغيرات الدولية والاقليمية الكبرى دور كبير فى القضاء على البقية الباقية من مشروعات وبرامج وعزائم الحركة الوطنية المصرية فيما يتعلق بمواجهة المشروع الامريكى الصهيونى فى مصر، والتحول بالتدريج الى محاولة التعايش معه والبحث عن ادوار تحت مظلته، ومن هذه المتغيرات:

· الحرب العراقية الايرانية التى تفجرت عام 1980، واحتاج فيها العراق ودول الخليج للدعم المصرى فاغلقوا جبهة الصمود والتصدى، وفتحوا الابواب لمصر بثوبها الجديد.

· وهو ما مكن نظام مبارك ومن ورائه الامريكان من توظيف هذا الوضع “لشرعنة” كامب ديفيد ومبدأ الصلح والسلام والاعتراف والتطبيع مع (اسرائيل)، فاخرجوها من دائرة المحرمات والمحظورات العربية، وهو ما سيفتح فيما بعد الابواب على مصراعيها لتعريب وتوسيع السلام مع (اسرائيل) كما يحدث اليوم.

· وكان ايضا لاجتياح (اسرائيل) للبنان عام 1982 وحصارها للمقاومة الفلسطينية فى بيروت الذى انتهى بخروج مقاتلى المقاومة من لبنان الى المنفى فى تونس، دورا كبيرا ايضا فى زيادة جرعة الاحباط الوطنى العام.

· وما تلى ذلك من ضغوط هائلة على القيادة الفلسطينية فى المنافى (1982 ـ 1993) الى ان تم كسر ارادتها لتقبل فى اتفاقيات اوسلو بالتنازل عن الحق الفلسطينى فى ارض 1948 والاكتفاء بالمطالبة بارض 1967 مع اعترافها بشرعية دولة (اسرائيل)، مما وجه ضربة قاصمة للثوابت الوطنية الفلسطينية والعربية ولمن لا يزالون يتبنونها ويعتقدون فيها.

· ثم جاء احتلال العراق للكويت عام 1990 باستدراج او كمين من الأمريكان، لاستخدامه كذريعة لارسال قواتهم الى المنطقة وقيادة ما سمى بحرب تحرير الكويت الذى قامت فيها مصر بدور “المحلل” للوجود العسكرى الامريكى من خلال مشاركتها بقواتها فى حفر الباطن، مما كان له دورا اضافيا فى انكسار الروح الوطنية وتراجع الاحلام والغايات الوطنية والتحررية فراسخ كثيرة الى الوراء.

· وما تلى ذلك من حصار العراق لعشر سنوات كاملة ثم القيام بغزوها هى وافغانستان عقب احداث البرجين فى سبتمبر 2001، لنصبح بصدد وجود واحتلال عسكرى امريكى صريح فى الخليج والمنطقة على غرار ظاهرة الاستعمار القديم فى القرن التاسع عشر.

· وهو ما كان له من آثار شديدة السلبية على الانظمة العربية بدون استثناء، اذ اصبح الحكام العرب وانظمتهم يعملون الف حساب لرغبات ومصالح وتعليمات الولايات المتحدة، وهو ما دفع زعيما عربيا يرفع رايات الوطنية والقومية بحجم القذافى الى ان يتطوع من تلقاء نفسه الى الاعتراف بالمخزون الليبى مما يسمى باسلحة الدمار الشامل ويقرر ازالتها وينفذ بالفعل! وبمعنى آخر: ان الغزو الامريكى عام 2003 لم يؤثر على العراق فحسب بل شمل العالم العربى من محيطه الى خليجه.

· ثم جاءت هرولة النظام الرسمى العربى بكل دوله بلا استثناء واحد الى التنازل هى الأخرى، عن الحق الفلسطينى والعربى فى ارض 1948 والتنازل عن الحق فى المقاومة والكفاح المسلح ضد الاحتلال الاسرائيلى، بموجب مبادرة السلام العربية فى مارس 2002 فى بيروت، ليبقى من يرفض الاعتراف باسرائيل من الحركة الوطنية الفلسطينية والمصرية والعربية اقلية قليلة منبوذة ومعزولة.

· أضف الى ذلك ما تلى غزو العراق من ادعاءات امريكية كاذبة بالسعى لانقاذ الشعوب العربية من الحكام المستبدين ومن الانظمة الديكتاتورية، وما تواكب مع ذلك من ضغوط امريكية على الحكام العرب لمزيد من الاجراءات الديمقراطية والمشاركة السياسية وهو ما دفع مبارك مكرها الى توسيع الهامش الديمقراطى للمعارضة، وهو الوضع الذى تلقفته غالبية القوى السياسية المصرية وشرعت فى تاسيس الحركات المدنية على غرار كفاية و6 ابريل والجمعية الوطنية للتغيير بالاضافة الى جهود البرادعى التى تحركت جميعها باجندة ليبرالية تركز على الحريات والديمقراطية والاصلاح السياسى والدستورى وتقف ضد التمديد والتوريث مع تراجع وتهميش للقضايا الوطنية ضد التبعية و(اسرائيل) وكامب ديفيد.

***

سنوات الثورة 2011 ـ 2013

ولتأتى ثورة يناير 2011 لتحمل اجندة ليبرالية بامتياز، منزوعة من اى دسم وطنى، فلم يجرؤ اى من اطيافها او من الفصائل المشاركة فيها على طرح مطلب الاستقلال عن الامريكان او التحرر من اتفاقيات كامب ديفيد وقيودها. وليكتفى الجميع بمطالب اصلاحية سياسية ودستورية انتهت كما نرى جميعا بمصادرة اى حقوق سياسية او دستورية. فيؤكد الاخوان لجون كيرى عام 2011 بالتزامهم بكامب ديفيد وتطمئن جبهة الانقاذ جون ماكين على نفس الالتزام عام 2013. كما انه لم يجرؤ اى مرشح رئاسى من مرشحى الثورة على الادلاء باى تصريح عن رفضه للمعاهدة خلال حملته الانتخابية.

***

2013 ـ 2019

ولكن رغم كل ما قيل عن جهود ومتغيرات اقليمية ودولية ادت الى اضعاف الحركة الوطنية ومحاولات تصفيتها فى الفترة من اوائل السبعينات حتى 2011 الا انها لم يكتب لها النجاح الكامل، اذ لم تكف القوى الوطنية بكافة أطيافها خلال هذه الفترة عن المقاومة والنضال ومحاولة كسر الحصار، وابداع عديد من الانشطة والفاعليات لدعم فلسطين والمقاومة، ومعارضة المشروع الامريكى الصهيونى فى مصر والمنطقة.

اما اليوم وعلى امتداد 6 سنوات ومنذ تولى السيد عبد الفتاح السيسى المسئولية الفعلية، فان عنوان المرحلة هو اعادة انتاج التبعية للولايات المتحدة وتعميق العلاقات مع (اسرائيل) الى ابعد مدى لتصل الى مرحلة التحالف والتطبيع الكامل. الى درجة القبول بالانخراط فى مشروع لتأسيس ناتو عربى اسرائيلى تحت القيادة الامريكية لمواجهة ايران.

اما فى مواجهة الشعب المصرى فالسياسة اليوم هى الارتداد الكامل على كل مكتسبات ثورة يناير من حريات وانتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة وتداول سلطة وفصل بين السلطات…الخ، مع عودة الى تأبيد حكم الرئيس وتكميم الافواه واغلاق الحياة السياسية والمجال العام وفتح السجون وتاميم الاعلام والبرلمان بشكل غير مسبوق حتى فى احلك سنوات مبارك وكمال الشاذلى واحمد عز وعبد المنعم سعيد، وفرض حظر وحصار على اى معارضة لا فرق فى ذلك بين مدنى واسلامى، لتكون المحصلة النهائية هو عجز القوى الوطنية مجتمعة عن تنظيم اى انشطة سياسية حقيقية بشكل عام بما فى ذلك أى فاعليات مؤثرة لدعم فلسطين او مناهضة اسرائيل، فى مقابل تمكن السفارة (الاسرائيلية) من تنظيم احتفال حاشد بذكرى النكبة على ضفاف النيل بالقرب من ميدان التحرير فى فندق ريتز كارلتون.

***

كانت هذه بعض الادوات والسياسات والمتغيرات والاحداث التى تفاعلت جميعها لتسفر فى النهاية عن احباط وضعف وتراجع ثم تصفية الحركة الوطنية فى مصر.

اما عن الغاية من وراء استعراضها، فيمكن تحديدها فى هدفين رئيسيين، اولهما هو تاكيد حقيقة ان جهودا هائلة وكثيفة ودؤوبة بُذلت على امتداد اكثر من اربعين عاما لكى يتمكنوا من تجريد مصر من قواها الحية والوطنية، وهو ما يعنى انها كانت قوى ذات شأن لا يمكن الاستهانة بها وبما كانت تملكه من حضور وتأثير وانتشار وفاعلية.

اما الهدف الثانى فهو انها قد ترسم لنا خريطة طريق مضادة وعكسية فيما لو أردنا استرداد مصر الطيبة الوطنية مرة أخرى.

*****

القاهرة فى 6 ابريل 2019

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close