التاريخ الاسود لحفتر

المحامي والكاتب السياسي

سركوت كمال علي

ولد خليفة بلقاسم حفتر في 1943 في إجدابيا حيث نشأ ودرس في المرحلتين الابتدائية والإعدادية كما حفظ القرآن الكريم. درس الثانوية في مدرسة درنة الثانوية بين 1961-1964 وَالتحق بالكلية العسكرية الملكية في بنغازي بتاريخ 16 أيلول/سبتمبر 1964 ثمّ تخرج مِنها عام 1966 وعين بسلاح المدفعية بالمرج.

وكان من القادة العسكريين الذين أسهموا مع معمر القذافي في الانقلاب العسكري الذي أوصل القذافي إلى سدة الحكم عام 1969. وكان عضوا في مجلس قيادة الثورة الذي انبثق عن هذا الانقلاب.

وعُرف حفتر بميوله الناصرية العلمانية مثل أغلب مجموعة الضباط الوحدويين الأحرار التي شكلها القذافي عام 1964، والتي وضعت حدا للحكم السنوسي في ليبيا في الأول من سبتمبر/أيلول 1969.

معركة وادي الدوم:

يوم 22 مارس 1987 اندلعت معركة وادي الدوم وقتل فيها 1,269 جندياً ليبياً وأسر 438 كان من بينهم العقيد الركن خليفة حفتر والمقدم الركن عبد الله الشيخي. ولا يقل عن 274 جنديا قتلوا وأسر 16 في معركة فايا لارجو يوم 27 مارس 1987. هذه ليست أحصائية كاملة فهناك العشرات ممن قتلوا في مناطق أخرى وتاه العشرات في الصحراء وماتوا عطشا، ومات العديد من الجنود مسمومين من جراء شربهم لمياه كانوا قد وضعوها في دانات المدافع الفارغة.

كان حفتر من قادة الجيش خلال حكم معمر القذافي، وقد تم تعيننه قائداً للجيش الليبي في شمال تشاد حتى تم هزيمته في معركة وادي الدوم في 22 مارس 1987. وأسره مع عدد من الضباط ومئات الجنود الليبيين من قبل المقاتلين التشاديين المواليين لحسين حبري أثناء النزاع التشادي الليبي، وبعد أن تنكر له معمر القذافي ونفى أنه ضابط في الجيش الليبي أو أنه يوجد أسرى ليبيون عند تشاد.

بدأ حفتر داخل سجون تشاد يبتعد عن نظام القذافي، حتى قرر أواخر 1987 ومجموعة من الضباط وضباط صف وجنود ومجندين الانخراط في صفوف الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا المعارضة، وأعلنوا في 21 يونيو 1988 عن إنشاء الجيش الوطني الليبي كجناح عسكري تابع لها تحت قيادة حفتر.

يروي الكاتب الإنجليزي فلوران سيني في كتابه “غارات في الصحراء الكبرى” فصولاً مهمة ومفصلة عن حرب تشاد ويتعرض في مؤلفه إلى شخصية العقيد الشاب خليفة حفتر الذي كان يقود العمليات داخل تشاد، وإلى القاعدة الليبية شمال تشاد التي نفى القذافي مرارًا وتكرارًا وجودها بعد انسحاب القوات الليبية من العاصمة انجامينا نحو الشمال أين تقع الحدود الليبية التشادية أسفل إقليم أوزو المتنازع عليه.

يقول فلوران سيني إن حفتر قد خص نفسه ببستان خضروات وببقرة تدر عليه الحليب وظروف إقامته في هذه القاعدة لم تكن تختلف في شيء عن ظروف الإقامة داخل القواعد الأمريكية، في المقابل تؤكد روايات متطابقة صعوبة ظروف الجنود الليبيين هناك وتواضع المؤونة التي كانت تقدم إليهم، كما تؤكد نفس هذه الروايات درجة التسليح والتحصين العالية التي وضعت تحت تصرف حفتر على مستوى هذه القاعدة وخاصة الأنواع الكثيرة والمختلفة من الطائرات والمقاتلات، وهي إمكانيات لم تحل دون إلحاق هزيمة نكراء بالقوات الليبية الموجودة داخل القاعدة.

وفي هذا السياق ينقل الكاتب الإنجليزي ما جاء على لسان ديبلوماسي أمريكي من أن الليبين إما نائمون أو مرتاحون أو لا نية لهم في القتال،

وربما يفسر هذا القول سبب هزيمة القوات الليبية بقيادة حفتر رغم ما توفر لها من تحصين وعدة وعتاد، ووفقًا للكاتب الإنجليزي فإن حفتر لم يصدر أي تعليمات بالاستطلاع خارج القاعدة ولم يرقب جنباتها بشكل جيد مما جعلها فريسة سهلة لقوات حسن جاموس قائد القوات التشادية الذي جر قوات حفتر إلى هزيمة نكراء في مناسبة أولى عندما أطبق على قواته المخيمة في سهل نجوجامي والتي لم يكن لديها أي توقع بحدوث هجوم مباغت.

ثم في مناسبة ثانية عندما قصف الكتيبة المدرعة التي أرسلها حفتر لإنقاذ قواته في ذلك السهل بعد أن زوده الفرنسيون بمعطيات دقيقة عن مسارها، وأيضا في مناسبة ثالثة حين قاد هجومًا كاسحًا على قاعدة واد الدوم في الـ22 من مارس سنة 1987 أسر على إثرها العقيد خليفة حفتر مع عدد من ضباطه وجنوده وذلك بعد سيطرة قوات حسن جاموس على القاعدة بكامل عتادها تقريبًا وبعد مقتل زهاء 1200 جندي ليبي وتيه العشرات منهم في الصحراء.

قاد حفتر محاولة انقلابية للإطاحة بالقذافي في عام 1993 لكنها لم تنجح فحُكم عليه بالإعدام غيابيّاً. عاد من منفاه في مارس 2011 لينضمّ إلى ثورة 17 فبراير وكان موجوداً في بنغازي قبل دخول رتل القذافي في 19 مارس 2011. وفي أثناء دخول الرتل كان موجوداً في الميدان قرب مدخل بنغازي الجنوبي (كوبري طبالينو أو كوبري طرابلس). حيث كان له دور بارز في دعم الثوار مادياً ومعنوياً في الجبهات. خلال إعادة تشكيل الجيش الوطني الليبي في نوفمبر 2011، توافق نحو 150 من الضباط وضباط الصف على تسمية خليفة حفتر رئيساً لأركان الجيش.

قاد حفتر محاولة انقلاب في الرابع عشر من فبراير 2014 حيث ترددت أنباء في مواقع إعلامية عربية حول قيام حفتر بتحرك عسكري أعلن به إيقاف عمل المؤتمر الوطني العام. كما انتشر فيديو على اليوتيوب يشرح فيه حفتر طبيعة هذا التحرك الذي ادّعى فيه أنه لا يمكن وصفه

حسب تعبيره بـ”الانقلاب العسكري” زاعماً أنه “استجابة لمطلب شعبي “شغل الشارع الليبي منذ أسابيع بإيقاف تمديد عمل المؤتمر الوطني

في 16 مايو 2014 أعلن اللواء خليفة حفتر انطلاق ما سميت بـ «عملية الكرامة» أو «كرامة ليبيا» وهي عملية عسكرية قال أنها تهدف إلى (تطهير ليبيا من الإرهاب والعصابات والخارجين عن القانون والالتزام بالعملية الديمقراطية ووقف الاغتيالات خصوصا التي تستهدف الجيش والشرطة). قائلاً أن العملية (ليست انقلاباً وأن الجيش لن يمارس الحياة السياسي). كما أعلن عن «تجميد» عمل المؤتمر الوطني العام الذي يقول معارضوه أن استمراره غير شرعي منذ 7 فبراير 2014، ومبقياً على عمل حكومة الطوارئ.

وقد بدأت العمليات العسكرية والتي نتج عنها اشتباك قوات من الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر مدعوماً بقيادات في القوات المسلحة الليبية بمختلف فروعها في عدة مناطق من ليبيا بينها المرج، طبرق، طرابلس، الزنتان وبنغازي وبين ميليشيات إسلامية متشددة مثل أنصار الشريعة وميليشيات 17 فبراير وراف الله السحاتي ومجموعات مسلحة من درنة. كذلك وقعت اشتباكات بين قوات عسكرية أعلنت انضمامها لعملية الكرامة وبين ميليشيات إسلامية في طرابلس.

أعلنت الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني عن انحيازها لها وذلك في مؤتمر صحفي أعلن من خلالها عن تحميل المؤتمر الوطني العام في ليبيا مسؤولية الفشل في بناء الجيش والشرطة في البلاد . كذلك فعل سلفه علي زيدان الذي أبدى تأييده التام لعملية الكرامة شريطة أن لا تتدخل في العمل السياسي في البلاد.

علاقة حفتر بال سي اي اي:

صحيفة واشنطن بوست نشرت في 26 مارس 1996 تقريرا عنه واصفة تمردا مسلحا ضد القذافي في ليبيا واستندت الصحيفة الى شهود عايشوا التمرد قائلة “القائد هو العقيد خليفة حفتر الذي يقود مجموعة على طراز كونترا تقيم في الولايات المتحدة باسم الجيش الوطني الليبي”

ومن الواضح ان المقارنة بقوات (الكونترا) تجلب الى الأذهان الجماعات الإرهابية التي كانت الحكومة الامريكية تمولها وتسلحها في الثمانينيات ضد حكومة ساندنستا في نيكاراغوا. وكذلك فضيحة ايران كونترا والتي تضمنت بيع اسلحة امريكية لايران مع استخدام حصيلتها لتمويل عصابات الكونترا في امريكا اللاتينية تفاديا لحظر الكونغرس .

وفي كتاب صدر عن صحيفة لو موند دبلوماتيك بعنوان (استغلال الأفريقيين ) في عام 2001 ، تتبع المؤلف العلاقة مع السي آي أي الى زمن أبعد ، الى 1987 ، ذاكرا ان حفتر وكان عقيدا في جيش القذافي ، اعتقل وهو يقاتل في تشاد ضمن تمرد مدعوم من ليبيا ضد حكومة حسين حبري المدعومة امريكيا. ثم هرب الى معسكر الجبهة الانقاذ الوطني الليبية وهي جماعة المعارضة الرئيسية للقذافي، والمدعومة من السي آي أي، وقد قام حفتر بتنظيم ميليشيا خاصة به عملت في تشاد حتى اطيح بحبري من قبل منافسه المدعوم فرنسيا ادريس ديبي في 1990.

وحسب الكتاب ، فإن “قوة حفتر التي خلقتها السي آي أي ومولتها في تشاد، اختفت فجأة بمساعدة السي آي أي بعد قليل من الاطاحة بالحكومة بواسطة ادريس ديبي” ويشير الكتاب الى تقرير بحثي صادر عن الكونغرس في 19 كانون اول 1996 وفيه ان الحكومة الامريكية كانت تمول وتدرب جبهة الانقاذ الوطني الليبية وان عددا من اعضائها اعيد تسكينهم في الولايات المتحدة.

بعد الانقلاب عاد عدد من الأسرى الليبيين إلى الوطن، فيما نقلت طائرات أميركية عناصر «الجيش الوطني الليبي» الى زائير ومن ثم الى الولايات المتحدة حيث استقر حفتر .

علاقة خليفة حفتر بالقذافي:

عثر على تسجيل صوتي لزيارة قام بها القذافي عام 2005 لأسرة حفتر في القاهرة. كان القذافي يتحدث خلال التسجيل إلى أسرة حفتر ويصفه بـ”الصديق والرفيق المقرب منه”، بينما قال أحد أبناء حفتر إن والده “كان دومًا يقول قد تركت لكم من هو خير مني ومن أهلكم وهو معمر القذافي”، مؤكّدًا للأخير “محبّة والده له”. اعترف حفتر لاحقًا بهذا اللقاء، خلال مقابلة أجرتها معه قناة “النبأ” الليبية في أكتوبر/تشرين الأول عام 2013، مؤكدًا أن القذافي منح له ولأسرته “فيلا في القاهرة”، وأن القذافي زار أسرته خلال عام 2005.

ورغم مزاعم حفتر بأنه من أقدم معارضي القذافي، إلا أنه، خلال اللقاء ذاته، وصفه بـ”الزميل وحافظ القرآن”، وأن انقلاب 1969 “كان ثورة شعبية ولم يكن انقلابًا”، مما حدا بالبعض للقول إن حفتر كان يمارس دور العميل المزدوج أثناء إقامته في الولايات المتحدة، وأنه لم يكن منشقًّا عن القذافي.

انتهى القسم الاول من المقالة

يتبع

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close