المشروع اللاديني في العراق

علي الابراهيمي

الصراع بين الشيعة وصدام كان عقائدياً بامتياز , فقد منح الأخير رجالاته من الشيعة في الثمانينات الكثير من الامتيازات الخاصة , الا ان العموم رفضوا التعاون معه او الميل الى فكره الدخيل والالحادي . وأعطى انصار مذهب اهل البيت في هذا الطريق الثوري مئات الالاف من القرابين .

الا ان الامريكان نجحوا بعد دخولهم الى العراق في تحويل انظار الشيعة نحو التعيينات والوظائف والمكاسب الحزبية المادية , حتى ضاعت تلك القيم الفاضلة والمبادئ الثورية في فوضى الصراع الحزبي والنهم المادي . حتى خسر الجميع ولم يربح احد سوى المشروع الأمريكي .

وقد كان من اهم ملامح نجاح هذا المشروع الأخير خجل الأحزاب والكيانات الإسلامية من طرح اية مشاريع قوانين تستند الى الدين , الامر الذي تطور عملياً الى صيرورة تلك الجماعات عقبات كأداء امام المشاريع الدينية .

واذا اخذنا نموذج السيد مقتدى الصدر وانصاره الذين كانوا في اقصى اليمين الديني نظريا , فسنجدهم اليوم في اقصى اليسار في تحالف مع الملحدين . فقد كان يُنظر الى السيد مقتدى الصدر على انه متطرف ديني , لاسيما وانه ابن السيد محمد الصدر الثائر الأخير . ولا يمكن الاعتماد على ذاكرة أنصاره او وعيهم قطعا , لانهم جماعات جاءت من مناطق مختلفة , العامل المشترك بينها انها بلا عقل .

اما الافراد الوحيدون الذين كانوا صدريين فعلاً مع مقتدى الصدر فقد خرجوا في تكتل ( العصائب ) , والذي كان يفترض به ان يعمل على تصحيح مسار الخط المقتدائي الذي انحرف عن قواعد التشيع واصبح بلا مرجعية , الا ان الحقيقة كانت ولادة مليشيا أخرى تبحث عن المال والنفوذ , ولم نرَ للإسلام اثر في سياستهم .

وقد يظن البعض ان خط عائلة الحكيم ابتعد عن كل المرجعيات الدينية وارتمى في الحضن الأمريكي الخليجي , الا ان الحقيقة تمثلت في وعي هذا الخط لمنهج مرجعية السيستاني في إبقاء الدين في الكتب حتى ظهور المهدي المنتظر , والتركيز على الزعامة .

ان مرجعية السيستاني لا شك هي العقبة الأكبر امام كل المشاريع الإسلامية في العراق , باتكاء الناس عليها , فيما هي لا تهتم سوى بالمال وثروات العتبات .

اما في الجانب الاخر وفي الطرف السنّي فلا نجد سوى الاستسلام للبعد الطائفي لدى الأحزاب الإسلامية والبحث عن ثارات ذهاب السلطة عن يدهم , وتحولهم الى أدوات القتل لكل المشاريع الأجنبية المختلفة حتى اصبحوا بلا هوية . وحين لم يجدهم الناس عملياً لجأوا الى شيوخ العشائر .

وحين ظهرت الى العيان الأجيال الجديدة من الشباب وجدوا اباءهم واحزابهم في خضم الصراع الفوضوي , فكانت اكبر امانيهم ان يجدوا الوظيفة او التعيين على دائرة ما . وكان قد انتهى الجيل الذي ضحّى بوظيفته وامواله وعشيرته من اجل مبادئه . وكانت هذه اجلى معالم نجاح المشروع الأمريكي .

فضاع الوحي ومدرسة ال محمد في صخب الفوضى والنزاع والقتل والدمار , ولا زال العراق دولة علمانية صريحة , تستند كلياً الى قوانين البعث وصدام , في ظل سذاجة جماعات مثل ( بدر ) التي حين تعطي الشهداء على الأرض تظن ان هذا مدعاة لكونها ستنجح سياسيا . والحقيقة ان البطولة في الميدان لا تعني النجاح السياسي . لهذا يتم استغلال أمثال هذه المنظمة من قبل مشاريع وأحزاب أخرى بكل سهولة .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close