عودة الوعي

هذا العنوان نستعيره من الكاتب المصري الكبير ( توفيق الحكيم ) في احد من كتبه القيمة العديدة و ان اختلف المضمون في مشهد الأنتفاضة الشعبية التي هزت اركان النظام الحاكم في العراق و جعلته يراجع حسابته من جديد بعد ان افترشت الجماهير الثائرة الشوارع و الطرقات و الساحات العامة في اعتصام سلمي مفتوح الى حين تحقيق المطالب المشروعة و في مقدمتها اقالة الحكومة الحالية و حل البرلمان و اجراء انتخابات مبكرة و نظام حكم رئاسي يحقق للجماهير الأنتخاب المباشر في رئاسة الوزراء و رئاسة الجمهورية و نادرآ ما تخطئ الجماهير في انتقاء الأصلح و الأقدر في قيادة الدولة و المجتمع .

لقد نجحت الأحزاب الدينية الحاكمة من تغييب الوعي الفكري عند الغالبية العظمى من ابناء الشعب العراقي المتشبث و بقوة بالطقوس الدينية و المناسبات و الزيارات لمراقد الأئمة كتلك التي تحدث كل عام و بالأخص في مناسبة عاشوراء حيث تحي الجماهير الغفيرة تلك المناسبة بشكل عاطفي جياش بغض النظر عن تدين تلك الجموع من عدمه و التي كانت سلطات النظام السابق ( صدام حسين ) تضيق على المواطنيين احياء تلك الشعائر ليس من منطلق طائفي قط كما يدعي البعض انما خوفآ و توجسآ من التجمعات الكبيرة و التي كان النظام السابق يخشى من ان تتحول الى مسيرات و مظاهرات صاخبة و غاضبة تؤدي الى ما لا يحمد عقباه فكانت الأجواء في تلك المناسبات متوترة و متشنجة و قوات الأمن تجوب الشوارع و الأحياء و هي مدججة بالسلاح و التعابير الصارمة و الوجوه العابسة .

استغلت الأحزاب الدينية التي حكمت العراق بعد سقوط النظام السابق هذا الحرمان في اداء الشعائر الحسينية فقامت بتوفير كل الأمكانيات الكبيرة في تقديم الخدمات للزائرين و تسهيل امورهم و تأمين احتياجاتهم و توفير كل ما يمكن لتلك الزيارة المليونية من مستلزمات النجاح و الدوام و كانت الجماهير التواقة للزيارة و اداء المراسم قد استبشرت خيرآ حين فتح امامها الطريق الى ( كربلاء ) بكل حرية و ترحاب دون حواجز او عقبات فكانت تلك الجموع من الزائرين تتوافد و تتزايد و بشكل كبير عن السنين السابقة و كانت تحظى بكل العناية و الرعاية على طول الطرق الممتدة و من مختلف الأتجاهات صوب مدينة كربلاء .

لقد تمكنت هذه الأحزاب الدينية و بكل ما تملكه من نفاق و رياء و حنكة في التحايل من اقناع الناس في استحالة استتاب الأمن و تأمين انسيابية الزوار بكل يسر و سهولة لولا وجود هذه الأحزاب في سدة الحكم و كأن الأمر كله من احتلال العراق و اسقاط النظام السابق و الفوضى الخلاقة و غير الخلاقة التي أعقبته و كل تلك الحروب و النزاعات الداخلية فقط كانت من اجل ان تسير الجموع المؤمنة بكل حرية و احترام في طريق الزيارة و ان تمارس طقوسها العبادية و هي في اطمئنان و امان و هكذا توقع زعماء تلك الأحزاب و قادتها ان تدوم تلك الحالة و تستمر و هي تعول على ارتباط الشعب العراقي الوثيق و العاطفة الجياشة بالأئمة و الأولياء و الرجال الصالحين .

حين أفاق الشعب العراقي من تلك الغيبوبة العميقة و ذلك التنويم المغناطيسي الديني الذي كان يغط فيه و لسنوات عديدة كان البلد ( العراق ) في وضع مزري للغاية و في مستوى متدني الى مستوى الحضيض و في كل شيئ و كان كل شيئ في حطام و خراب و الفساد المالي و الأداري ينخر في مؤسسات الدولة و مرافقها و كانت مافيات الأحزاب الدينية و ميليشياتها رأس الحربة في هذا الفساد المستشري حتى اصبح لهذه الأحزاب جيوش خاصة بها و تحتاج هذه الجيوش الى السلاح و العتاد و الرواتب و كذلك صار لهذه الأحزاب قنوات تلفزيونية توظف العشرات و ربما المئات من الموظفين و صارت تملك العديد من المقرات و الأبنية و العقارات و كلها تمول من سيطرة الأحزاب الدينية على العديد من الأنشطة الأقتصادية للدولة العراقية و بشكل غير مشروع .

لقد طفح الكيل و لابد للمواطن ان يستعيد وعيه و رشده و لابد للوطن ان يكون حرآ و مستقلآ فعليآ لا قوليآ و كان لابد من وقف ( ايران ) من التدخل في الشأن العراقي الداخلي من خلال عملائها من تلك الأحزاب الأسلامية بشقيها الشيعي و حتى السني و بما ان الجماهير لا تملك السلاح و القوات العسكرية في مجابهة الأحزاب وميليشياتها المدججة بالسلاح و الأعلام و الحقد كان لابد من السلاح الأقوى و الأمضى فكانت التظاهرات السلمية الحاشدة التي ارعبت اركان الحكم و احزابه العميلة و من ثم تطورت الى الأعتصامات و الأضرابات السلمية و التي تهدف الى اسقاط الحكومة الحالية و انهاء تدخل الأحزاب الدينية في الحياة السياسية كونها كانت الداء المميت الذي اصاب الدولة العراقية فكان لابد من استئصال هذا الورم السرطاني الخبيث و هي الأحزاب الدينية العميلة .

حيدر الصراف

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close