قوانة البوابة الشرقية من جديد

الخليل علاء الطائي

بعدما إنكشفت خيوط المؤامرة على العراق من قِبل الأطراف الخارجية, أمريكا وإسرائيل والسعودية؛ من خلال تجميع فلول البعثيين المُقيمين في الخارج ووسطائهم في الداخل لتنفيذ المرحلة الهجومية على مؤسسات الدولة وتخريبها تمهيداً للإنقلاب كما حصل في تكرار سيناريو إنقلاب شباط عام 1963 ومن خلال تنظيم المؤتمرات العلنية في واشنطن وفي تركيا وفي السعودية. ومن خلال الضخ الإعلامي الموجه نحو العراق؛ حيث يجري العمل ليل نهار على تحريف إنتفاضة الشباب وتحميلها الشعارات الهادفة إلى تنفيذ المُخطط التآمري إبتداءً من الشعارات المُعادية لإيران تليها شعارات حل الأحزاب جميعاً وحل المليشيات وأهمّها الحشد الشعبي. أي تجريد الشعب من قواه الدفاعية, إضافةً إلى زعزعة الثقة بين المواطن والعملية الديمقراطية برمتها. لكن هذه المُخططات إصطدمت بوعي جديد لقوى الإنتفاضة, وعي أُريد له أن يتخذ مساراً تدميرياً لا إصلاحياً. وبعدما إقتنع المُوَجِهون والمُخططون بفشل مشروعهم, فالوجهة الطبيعية للممارسة الديمقراطية في مسار الإنتفاضة إتخذت مساراً سلمياً وتطوراً إجتماعياً حضارياً تجاوز عقلية البعث ومخلفاته وشعاراته البالية, ورغم ذلك عاد كتّاب (الحس القومي) لمزاولة نشاطهم من جديد بالترديدات التي عفا عليها الزمن مثل ( دور الأمة العربية في إسناد ثورة الشعب العراقي) مقال كتبه أحدهم في الحوار المتمدن يطالب الدول العربية التدخل عسكرياً لإنقاذ ( شعب وادي الرافدين) وهنا يكتشف القارى مجانيّة النفاق البعثي العروبي.

فالشعب العراقي الذي صدَّروا له الإرهابيين والمُفخخات خلال السنوات الخمسة عشر الماضية, والذي نعتوة بأنذل النعوت والأوصاف, يسمونه اليوم شعب الحضارات وهو كذلك وهم الذين تآمروا عليه وما زالوا بتآمرون.

إتخذت طروحاتهم أشكالاً جديدة نستقرؤها في لغة البعثيين وفي موجة الهجوم على الديمقراطية وتجربتها في العراق ظهرت كتابات تستعيد أمجاد البطولات القومية والبعثية تجميل عهود الدكتاتوريات القومية العربية ورموزها أمثال القذّافي وصدّام؛ ومرحلة القومية التي إستهلكت نفسها وخضعت لإراداة أنظمة المال الخليجي المُسوِّق للبضاعة الأمريكية والمُنفِّذ لتعاليمها.

من بين الأوراق البعثية الهزيلة تلك الورقة المُسماة القادسية الثانية وإعتبار العراق هو البوابة الشرقية؛ فهمها الفلسطينيون والأردبيون السُّذج على أنها بوابة الأمة العربية. وفهمها صدَّام على أنها دفاع عن السعودية ودول الخليج بوجه الثورة التمدد الإيراني الشيعي, وقد كررها مراراً في خطاباته, خاصةً بعدما فطن للدور العربي الغادر فأراد أن يستدير بزاوية 180 درجة وحفاظاً على نظامه وموقعه في الحكم وليصبح بطل السلم لا الهزيمة فبادر بكتابة رسالة إلى الرئيس الإيراني في ذلك الوقت هاشمي رفسنجاني. وإعترف في رسالته لرفسنجاني بأن أطرافاً خارجية هي المستفيدة من الحرب.

وعلينا تقدير صيغة الرسالة التخاطبية ووضع المُرسِل طالب الهدنة ووقف الحرب واللغة الدبلوماسية وتغيير اللهجة في مخاطبة الآخر؛ من العدو الفارسي المجوسي إلى الصديق والجار مع ذكر الوحدة الإسلامية والشعبين الجارين, وغير ذلك مما هو مألوف في تقلبات البعثيين وإستعدادهم لبيع العراق وتصفية الشعب من أجل (سلامة القيادة). علماً أنه إقترح العودة إلى إتفاقية 75 في الجزائر, التي مزَّقها أمام الإعلام قبل إعلان حربه على إيران.

تلك حقائق تأريخية لايمكن نكرانها, فللبعث أساليب مُلتوية في الإتفاقات والمواثيق وتقديم التنازلات عند الضعف ونسفها وقت الإستقواء لذلك لم تثِق القيادة الإيرانية والخميني شخصياً بطلبهِ فأجابوه بالرفض.

( يُنظر مقال المؤرخ حامد الحمداني / الحرب العراقية الإيرانية / الحوار المُتمدن .).

لو أن القيادة الإيرانية وافقت على وقف الحرب في ذلك الوقت لتغيَّرت الموازين عند صدّام الذي كان يُخطط لغزو الكويت؛ ومنذ ذلك التأريخ حُذفت من الثقافة البعثية تلك التسميات التسويقية مثل ( القادسية الثانية وقادسية صدام والبوابة الشرقية) وحلَّت محلها (أم المعارك) والمقصود بها غزو الكويت. وفي التسمية إعتراف على أن غزوة الكويت هي القضية المركزية بدلاً من إسرائيل أو غيرها, إن لم يكن كاتبها ساذج. وفي الحقيقة هي لعبة المصطلحات والشعارات التي يصنعها الإعلام البعثي وينشرها لخداع الجماهير وطمس إرادتها.

للشعب العراقي خبرة طويلة مع البعثيين وأساليبهم في الغدر والتآمر وتنفيذ المُخططات الخارجية, الأمريكية والإسرائيلية والسعودية بشكل سافر, عسكري حربي أو لوجستي في التخطيط والدعم وتبني الشعارات الديماغوجية عند الحاجة مثل الأمة العربية وقضية فلسطين والرسالة الخالدة.

وحين واجهوا الثورة الإسلامية في عامها الأول رفعوا شعار (البوابة الشرقية نيابةً عن الأمة العربية) ولهذا الشعار علاقة بالدور السعودي ( مننا المال ومنَّك الرجال يا محفوظ السلامة).

وكانت الحرب طائفية نيابةً عن سنَّة الخليج.

بعد سقوط حكم البعث في عام 2003 إنكمش البعثيون في الزوايا مستفيدين من فضاء الديمقراطية الجديدة في هذا التحوّل؛ وبحكم تربيتهم السياسية الطوعية في عهود الدكتاتورية يعتقدون أن الديمقراطية هي نقطة ضُعف النظام السياسي أي الثغرة التي منها يتم الخرق وإعادة لعبة الفوضى ( تبيَّن لاحقاً أنها جزء من فلسفة الأمريكان بالفوضى الخلاّقة) التي تُشعلها أمريكا في البلدان التي تُريد تغيير أنظمتها السياسية غير المرتبطة بمصالحها, وتقسيمها إلى دويلات صغيرة والإستحواذ على ثرواتها.

أقرب وكلاء تنفيذ تلك المخططات هو حزب البعث؛ مثل الحرباء يختفي في الرمال ثم يظهر مع فُرص الظهور؛ إن كانت موجة داعشية أو تظاهرة سلمية ويُخطئ من يعتقد بعفوية الحراك الشعبي؛ يصّح الأمر في البدايات ثم يتسلل البعثيون مع التنسيق الخارجي والدعم المالي لمن يُريد تدمير العراق.

الآن توفر المناخ العام.. مناخ الساحات في بغداد وفي المُحافظات. خرج البعثيون من منطقة الظل ليظهروا بوضوح, في المسيرات كما ذكرنا في مقال سابق بأزياء عشائرية, ويتكلموا بصراحة ويكتبوا بوقاحة فمواقع النت مفتوحة للجميع. عادت مقولات البعثيين ذات الأبعاد الطائفية والعنصرية مثل القادسية الأولى والثانية.. ثم الثالثة الحالية كما يحلوا لأحد البعثيين أن يُسمي إنتفاضة الشباب… يقول (إنها بدأت منذ اليوم الأول من تشرين الأول من العام 2019 ولكن هذه المرّة بوسائل سلمية أثبتت حتى الآن مصداقيتها. وإستمراريتها وتصاعد لهيبها وإتساع رقعتها.) نسي هذا المدّعي أنه يُناقض نفسه بين كونها سلمية وبين (تصاعد لهيبها) ونسي هو وأمثاله أن لكل زمن أجياله وافكاره السائدة ووسائل التلقي لتلك الأفكار ووسائل إنتشارها إنسجاماً مع طبيعة التطورات الإجتماعية لتلك المرحلة.

جيل البعث القديم كان نابعاً من الصراعات الدولية بين المعسكرين الشرقي والغربي إبّان فترة الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وبدأ الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بدخول دول العالم الثالث (الدول المستقلة وخارج المعسكرين) بإسلوب ( الإستعمار الجديد) أي تغيير الأنظمة بالإنقلابات والغزو الثقافي (الغزو الناعم) مع رفع القبضة الحديدية عند الضرورة. في تلك الأجواء ظهر حزب البعث كتيار قومي قابل للإحتواء والتجيير من قِبل المعسكر الغربي ومن ثم إستخدامه في مُحاربة الشيوعية وقد نفّذ هذا الدور بحرفية تامَّة.

كان الوعي الثقافي السائد قبل ثورة تموز عام 58 يتماهى مع الأفكار التحررية القادمة من إتجاهين الأول من الماركسية والثاني من القومية العربية مع بزوغ دور مصر عبد الناصر. في الحقيقة أن التيار القومي إختلط فيه البعثيون والقوميون ولم يتفكك هذا الخليط إلاّ بعد وصول الإثنين للحكم في إنقلاب 8 شباط 1963 ونهاية دور القوميين العرب الناصريين. أمّا حزب البعث فقد أُبعد مؤقتاً بإنتظار ظرف جديد وقد حلَّ هذا الظرف عام 1968. ولهذا الموضوع حديث طويل كتب فيه المُختصون.

إستُغلَّت الشعارات القومية ومن قبل البعثيين خصوصاً في تلهية الجماهير وإشغالها عن مطابها الحقيقية مثل النهوض بالإقتصاد والتنمية وتطوير المُجتمعات العربية ونشر الديمقراطية في تغيير أنظمة الحكم. وبدلاً منها كانت نظريات عسكرة المُجتمع هي السائدة, إبتداءً من مناهج التعليم الإبتدائية وصولاً إلى تجنيد كل فئات المُجتمع بدون إستثناء. ومن ثوابت التنظير العسكري البعثي إعتماد مبدأ وجود عدو دائم, حقيقي أو وهمي, قريب أو بعيد. فالعدوالأول للبعث هو الشيوعية, مع التثقيف الدائم للبعثيين بهذا المبدأ. ولم يتوقف العمل بهذا المبدأ مع تواصل التصفيات الدموية وتصفية التنظيمات الشيوعية رغم بزوغ (عدو) جديد للبعثيين هو الثورة الإسلامية عام 1979 والذي إستوجب مواجهة الثورة الإسلامية بالحرب وسيكون العراق بوابتها الشرقية. وهكذا تمَّ, بضربة مُعلم, إقصاء أحمد حسن البكر وتصفية قسم من القيادة, بضربة ساطور قصّاب, وتسليم الحكم لصدام حسين في أعقاب التغيير الحاصل في إيران.

كانت الحرب طائفية أشعلتها أمريكا ودعمتها السعودية ضد إيران الشيعية. فطوال حكم الأسرة الشاهنشاهية لم يتجرأ حاكم عربي أو عراقي على مس شبر واحد من أراضي أو مياه إيران ولا حتى قول كلمة جارحة ضد إيران أو حكام إيران في ذلك الوقت. وما زلنا نتذكر كلمة العتاب التي قالها أحمد حسن البكر( والله ماأنسى هذا الموقف طول حياتي) يوم أمر الشاه بإغراق البصرة بفتح مياه نهر الكرخة.( ينظر مقال حامد الحمداني السابق).

الآن لاشيء يملكه البعثيون سوى العودة إلى الأوراق القديمة غير مُدركين أن الزمن تَغيَّر وإن وعي الأجيال الجديدة تجاوز عقليتهم في الحكم وحلمهم في العودة إلى زمن الدكتاتورية, أمّا مطالب الشباب فهي مطالب الشعب بأكمله في تقويم أُسس العملية الديمقراطية, كما يجري الآن في كل بلدان العالم, وليس ضمن مطالبهم مُحاربة إيران الشيعية كما تُريد أمريكا وإسرائيل والسعودية.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close