حياة المرأة الأوروبية في القرون الوسطى

بقلم : عضيد جواد الخميسي

قُيدّت حرّية النساء في القرون الوسطى من قبل الكنيسة والسلطة الحاكمة . إذ قدّمت الكنيسة للناس ” الصورة الكبيرة ” لمعنى
الحياة ، ومكانة الفرد فيها . كما تكفّلت الحكومة في الحفاظ على المراكز الاجتماعية لجميع الأفراد ، وذلك من خلال نظام الحكم الإقطاعي الذي قسم المجتمع إلى ثلاث طبقات : رجال الدين ، النبلاء ، والأقنان (العبيد) .

كانت مكانة المرأة عند رجال الدين تقتصر على دير الراهبات . والحصول على المراكز النسائية في طبقة النبلاء يعتمد على مساحة
الأرض التي تمتلكها المرأة بقصد الزواج من أحد النبلاء او الاقطاع ، لأن الأرض في ذلك الوقت توازي السلطة والقوّة ؛ لذلك يمكن أن تتفاوت الألقاب والمناصب بين أفراد الطبقة العليا تبعاً لدرجة ثرائهم .

في الحقيقة ، كانت المرأة من الطبقة الدنيا تتمتع بحرية التعبير والنشاط بأكثر من غيرها في التصنيفات الاخرى ، لأن الحياة
كانت صعبة جداً بالنسبة للعبيد سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً ، حيث تعمل المرأة جنباً إلى جنب مع الرجل في الحقول والنقابات المهنية على قدم المساواة ، أو شبه متساوين . ولم تكن حقوق المرأة وفرصها في القرون الوسطى موحدّة ، على الرغم من أن حقوق الطبقة الدنيا لديها
أقل قدر من التباين المنظور.

يقسّم العلماء مراحل القرون الوسطى إلى ثلاث فترات :

القرون الوسطى ـ المبكرّة – 476-1000 م .

القرون الوسطى ـ ( العليا ) أو الوسيطة – 1000-1300 م .

القرون الوسطى ـ المتأخرّة – 1300-1500 م .

كانت مطالب النساء في نيل حقوقهنّ ، تزداد باطراد مع كل فترة من فترات القرون الوسطى ، وقد وصلت ذروتها في الفترة المتأخرة
، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى عاملين متميزين :

1. ازدياد مشاعر القدسية الشعبية للسيدة العذراء ، كونها رمزاً للامومة والعفّة ، وذلك عندما تطورت مفاهيم وقيم المحبة
والتعاون والتكاتف بين أفراد مجتمع العبيد .

2. تطبيق المزيد من القيود من قبل النظام البطريركي وجعلها في المقام الأول لمحاربة المرأة ، لأن المواقف الاجتماعية للمرأة
كانت تهدد وضعه القائم .

المواقف تجاه المرأة

تقديس العذراء لم تكن حالة جديدة في القرون الوسطى . فقد اعتبرت مريم والدة الرّب من قبل الكنيسة عام 431 م في المجمّع
المسكوني الثالث . وعلى الرغم من مكانة مريم الرفيعة لدى جميع طبقات المجتمع الأوروبي ، إلاّ أنها لم تساعد المرأة في نيل حقوقها الدنيا . وقد كانت الكنيسة قد لعبت دوراً مهماً في ترسيخ فكرة دونية المرأة عند المجتمع الأوروبي ، لتبدو أنها صورة الشيطان في الأرض !
، وذلك من خلال حكاية الكتاب المقدّس المعروفة ( نزول الإنسان الأول ) ، عندما تسببت حوّاء في طرد الرجل ٱدم من الجنّة وحرمانه من نعيمها ، كما يعدّها رجال الكنيسة ، مصدر جميع علل وكوارث العالم ! ، ولكن المخلّص ابن مريم العذراء ( يسوع المسيح )عند ولادته ، قد أصلح
الوضع في رسالته إلى جميع البشر .

وبناءً على ذلك ، حُرمت المرأة من تبوّء نفس المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها الرجل ، رغم الاعتراف بها قانوناً كشريكة
ومعاونة له . وحتى مع هذا الواقع ، لم تتغير النظرة نحو المرأة سواء كانت شريرة وغاوية الرجال ، أو قديسة حتى ، فلا يوجد أي حل وسط وتصّور منطقي عن المرأة كفرد ، ودورها في نصف المجتمع .

في القرون الوسطى المبكرة ، ساد نموذج المرأة المثيرة والمحتالة المراوغة ، حيث أكد رجال الدين على دور حوّاء في نزول
ٱدم إلى الأرض . وان المرأة مازالت شيطانة بنظر الرجال ، بسبب فشلها في الوصول الى كمال مريم العذراء . ولكن من المؤكد ، ليست تلك الفكرة مطلقة لدى جميع الرجال ، وايّاً كان التفاوت بينهم ، يبقى الرجل متفوقاً على المرأة في النظرة السائدة ، كونها مستمدة من وحي وأفكار
رجال الدين والطبقة الحاكمة ، كما أشارت لها رسائل بولص الرسول في الإصحاح 11: 3 حيث ينص على أن ” الرجل هو رأس المرأة ” أو في الإصحاح 2: 11-15 ، مما يعني أن (المرأة تابعة للرجل ) ، وبما أن حواء كانت مرتكبة الخطيئة الأولى ، فمعنى ذلك ، أن المرأة مدانة دائماً وأبداً
، ولكن في الوقت نفسه ، يتم رفع منزلتها عندما يتعلّق الأمر بمريم العذراء . وقد علقّت الباحثة (إيلين باور) حول هذا الموضوع ، بما يلي :

” عندما نأخذ في الاعتبار أفكار القرون الوسطى عن المرأة ، ليس علينا أن نعرف ما هي اعتقاداتهم وآرائهم الشخصية فحسب ،
بل علينا ان نعرف ماهي مصادرها أولاً. إذ يعتمد الرأي المُعبَّر عنه ، على بعض الأشخاص وفئات محددة في المجتمع الأوروبي ، وهم أقليّة صغيرة ، ولكن تأثيرهم كان كبير وفاعل ، وهما الكنيسة ، والطبقة الحاكمة .” ( ص 9 )

تستمر القوة في الإشارة إلى أن هذين المصدرين ، أحدهما “عازب ” ـ رجل الدين ـ ، والآخر يعتبر المرأة “ديكور” -الأقطاعي
ـ وهما الأقل تأهيلاً في تقرير مصير النساء . على الرغم من النظرة ” الرسمية ” للنساء كمواطنات من الدرجة الثانية التي تعبّر عنها تلك المصادر – وخاصة فيما يتعلق بالمواعظ وغيرها من الأعمال الكنسية . في حين تظهر السجلات الشخصية والمستندات والعقود القانونية ، وسجلات
النقابات وغيرها من الوثائق ، بأن معظم النساء في القرون الوسطى ، كسِبنَ عَيشهنّ من نفس مهن الرجال وبجدارة ، وكثيرا ما توّليْنَ العمل الناجح بعد وفاة أزواجهنّ ، وامتهان التجارة ، والفنون والصناعات الحرفية .

حقوق المرأة

طوال فترات القرون الوسطى ، كانت المرأة المصنفة في الطبقة الدنيا تعمل بجد ومثابرة ، فهي صانعة الخبز ، والجعة والنبيذ
، تورٌد الحليب من الحقول إلى المنازل ، خازنة المؤن والغلٌة ، حرفية ، نسٌاجة ، وفي المقام الأول ، مزارعة مستأجرة تعمل جنباً إلى جنب مع زوجها وأولادها في الحقول ، بالإضافة إلى أعبائها المنزلية وتربية الأطفال .

لقد فرض نظام الإقطاع الأوروبي ، على أن الأرض هي ملك السيّد (الإقطاعي) ، وله جميع الحقوق في تأجيرها للمستأجرين – الأقنان
– الذين كانوا ملزمين بتلك الأرض . ويسيطر السيّد على كل جانب من جوانب حياة الأقنان ، ومن ضمنها ، زوجة الرجل وبناته.

السيّد كان هو صاحب القرار في زواج الفتاة ( ابنة العبد ) وليس أباها ، لأن ابنة العبد هي ملك السيّد كون والديها مملوكين
له . بمجرد زواج الفتاة ، فإن زوجها هو الذي يدير شؤونها ويكون مسؤولاً عن سلوكها ، ولهذا السبب ، لم يتم ذكر النساء مثل الرجال في المسائل القانونية خلال العصور الوسطى المبكرة . إذ يتم مقاضاة زوج المرأة إذا كان هناك مايُعدّ تجاوزاً من قبلها بنظر السيّد ، وليس
الزوجة نفسها. وكانت وظيفة المرأة المُستعبَدة هي رعاية المنزل ، ومساعدة زوجها في عمله وتربية الأطفال . علّقت باور عن ذلك :

“ان الغالبية العظمى من النساء عشن حياتهنّ ، من خلال عملهنّ في الحقول ، أو المزارع ، والمنازل ، ومن ثمّ توفينّ ، دون
إشارة اليهنّ في السجلات على الإطلاق ” ( ص346).

تم الحفاظ على التسلسل الهرمي للمجتمع في القرون الوسطى بشكل صارم ، ونادراً ما كان يرتقي الفرد الى طبقة أعلى من التي
ولد فيها . إذ لم يكن هناك طبقة متوسطة في المجتمعات الأوروبية خلال القرون الوسطى المبكرّة ، وكان الأمل الوحيد لبعض النساء ، هو تحسين وضعهنّ في البقاء دون زواج ، كي يتسن لهنّ الدخول إلى دير الراهبات . ومن المحتمل أيضاً ، كما أشار بعض العلماء ، الى أن هناك نساء
اخترن هذا الطريق على أمل الحصول فرصة التعليم ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد خاب أملهنّ تماماً في الوصول الى الهدف .

كان غالبية الكهنة يرون ، أن ليس هناك فائدة من تعليم الراهبات القراءة والكتابة . حتى ان ( إندي ) الراهبة الإسبانية
المشهورة في القرن العاشر الميلادي ، التي تتقن تذهيب المخطوطات وكتب اللاهوت ، فقد كانت على الأرجح أميّة تجهل القراءة والكتابة . والجدير بالذكر ، فإن بعض الراهبات تعلمنّ صلواتهنّ وتراتليهنّ عن طريق التحفيظ والذاكرة ، وليس عن قراءة الكتب . على الرغم من الاعتقاد
في ان العديد من الراهبات اليافعات قد تعلمّن القراءة من خلال كتاب الصلاة الشعبي ( كتاب السواعي أو كتاب الساعات ) .

الوضع القانوني والاقتصادي للمرأة

كان التركيز على التجارة فرصة كبيرة للمرأة خلال القرون الوسطى العليا . ففي تلك الفترة وعند البداية ، ظهرت الطبقة الوسطى
في إسبانيا وفرنسا ، حيث جمع التجار ما يكفي من الثروة ليتمكنوا من التأثير في الأمور السياسية. وكان لنقابات القرون الوسطى علاقة كبيرة في نشوء الطبقة الوسطى ، وكانت مسؤولة أيضاً عن اتساع حقوق النساء وتحديد مسؤولياتهنّ ، ولكن ليس بشكل مباشر .

أتيحت الفرصة للنساء من الطبقة البرجوازية الجديدة العمل مع أزواجهن وآبائهن في التجارة وبشكل محدود ، وكثيراً ماكنّ يخلفن
الرجل في إدارة الأعمال الناجحة عند وفاته. وقد كان مبدأ الأيدي العاملة النسائية الرخيصة ، هو مفهوم راسخ حقيقي في النظام الإقطاعي المستبّد ويدعمه بذلك نظام النقابات المتذبذب على اعتبار ان النساء كيان غير قانوني في تعريف المجتمع ، وبالتالي يمكن أن يحصلنّ على
أجر أقلّ من الرجال بكثير . ولكن في نفس الوقت كما ظهر في الوثائق الرسميّة ، وجود العديد من أسماء النساء اللائي فُرضت عليهنّ غرامات بسبب مخالفات متنوعة بدلاً من أزواجهنّ خلال تلك الفترة ، وهذا يُعدّ في حدّ ذاته خروجاً مهمّاً عن سابقة القرون الوسطى المبكرّة .

استمرت المرأة خلال هذه الفترة ومن كلا الطبقتين الدنيا من العبيد أو الأقنان ، والمرأة المصنّفة ضمن الطبقة الحاكمة أو
النبلاء في العيش بمستوى أكثر أو أقل من التي عاشت في الفترة السابقة ، وكلاهما كان مرتبط مناطقياً بطريقة أو بأخرى . وعن هذا الموضوع كتبت ( باور ) التالي :

” كان الزواج عاملاً حاسماً لدى النساء النبيلات عندما تنتقل ملكّية الأرض والسيادة عليها ، سواء من قبل الأزواج أو الزوجات
من نفس الطبقة ، وكان يتم ترتيب هذا الأمر من قبل الأُسر بعناية فائقة ، وغالباً ما ينجز ذلك دون أي اعتبار لأيّ من الطرفين ، عندما يتعلّق الأمر بكون أحدهما أو كليهما من القاصرين . على الرغم من ذلك ، فإن بعض النساء اللواتي لديهنّ الحقوق الشخصيّة على الأملاك ،
كنّ قد مارسن حريتهنّ في التصرّف بممتلكاتهنّ بعيداً عن سطوة الرجال . ” ( ص346)

كان لدى نساء طبقة العليا القدر الأكبر من النشاط والعمل في الفترة الوسيطة ، ولكن المتوقع في أدائهنّ ، كان ضمن الحدود
المقبولة اجتماعياً ، ويؤدينّ واجباتهنّ فقط عن تلك المرتبطة بالمناصب . الاستثناءات لهذه القاعدة في القرون الوسطى المبكرة كانت ملحوظة ، لأنها نادرة جداً . فعلى سبيل المثال ، كانت ( آثيلفليد ) والتي تُلقّب بـ “سيدة المرسيين ” (911-918 م) ، تولّت قيادة المقاومة
في (مرسيا)ـ مملكة قديمة تقع في وسط انكلترا ـ ضد غزوات الفايكنك ، وكذلك تولّت حكم مملكتها بعد وفاة زوجها ( هيلد ) أو “قدّيس ويتبي “( 614-680 م)، ومن ثمّ أنشأت (دير ويتبي) الشهير في (نورثامبريا) .

هناك نساء مشهورات أخريات برزن في نفس الفترة ، إذ كانت (كلوتيلد) 475-545 م ، زوجة (كلوفس ) ، ملك الفرنجة الذي حولته
إلى عقيدتها المسيحية . وهناك أيضاً (ثيودورا )497-548 م ، زوجة الإمبراطور (جستنيان) إمبراطور بيزنطة التي كانت تقاسم زوجها النفوذ والسلطة . أخيراً ، وليس آخراً ، (برونهيلدا ) التي تولت حكم ( أوستراسيا ) 567 ـ 613 م ولحين وفاتها ، عندما حكمت بلدها على أنها الأميرة
الوحيدة .

الأنشطة الأدبية والفنية

في فترة القرون الوسطى العليا أو الوسيطة ، كان عدداً كبيراً من نساء طبقة الإقطاع يمارسن بعض النشاطات السياسية والحكومية
. اثنتان من أقوى النساء في تلك الحقبة كانت ( إليانور أكويتين ) 1122-1204 م ، وابنتها (ماري دي تشامباني ) 1145-1198 م . وكانت إليانور واحدة من أقوى الشخصيات السياسية على صعيد الجنسين خلال فترة القرون الوسطى ، وذلك عندما كانت زوجة الملك (لويس السابع )1137-1180
م ، من عام 1137 م وحتى طلاقها عام 1152 م ، ومن ثمّ بعد ذلك تزوجت (هنري الثاني ) ملك إنكلترا ( 1154-1189 م) . شاركت إليانور في الحملة الصليبية الثانية جنباً إلى جنب مع النساء من جميع الطبقات ، مسخرّة أملاكها وأموالها في سبيل تحقيق هدف الحملة . من جانب آخر ،
فهي كانت راعية كبيرة للآداب والفنون ، وخاصة الأدب الرومانسي .

يواصل الباحثون الى الآن ، مناقشة دور إليانور في تطوير مفهوم (الحب العذري ومعاني التضحية) ، ولا شكّ في أن العديد من
الأدباء الفرنسيين الكبار الذين قدمّوا أفضل الأعمال في هذا المضمار ، كان بدعم واسناد كبيرين منها ، أمثال ، ( وايس ، أندرياس كابيلانوس ، برنارت دي فنتادورن) ، وغيرهم . ويقال إن ابنتها ماري ساعدت والدتها في تطوير تلك المفاهيم في بواتييه ، أو كانت مستوحاة من الجهود
التي بذلتها والدتها في وقت سابق لإنشاء “محاكم الحب” في مزرعتها بجنوب فرنسا .

ُيُزعم بأن محاكم الحبّ ، كانت تُعقد لمناقشة المسائل المتعلقة بالحب والعلاقات الرومانسية بين الرجال والنساء . وكان
من بين الموضوعات التي نوقشت وساد فيها الجدل ، حول الحب الرومانسي ، وهل يمكن أن ينشأ من خلال الزواج ؟ (تقرر أنه لا يمكن أن يكون) . وأيهما أسوأ: أن تفقد حبيباً بموته ، أم بخيانته ؟ (اعتُبرت الخيانة الزوجية أسوأ من موت الحبيب ، لأن الطرف الثالث لم يستحوذ على
المستقبل فحسب ، بل أيضاً على ذكريات الماضي التي جمعت الحبيبين ). في نفس الوقت ، كانت ماري أبنتها راعية لأحد أعظم أدباء القرون الوسطى (كريتيان دي تروا ) ، الذي شاعت رومانسيته الآرثرية في مفهوم الحبّ والتضحية .

في السابق ، كانت المرأة تُعد ملكية من أملاك الرجل الخاصّة ، وليست ذات القيمة . في القرن الثاني عشر الميلادي ، عَكَس
الشعر الرومانسي هذا النموذج السلبي تجاه المرأة من خلال تشجيع النهوض بالمرأة ، التي كان من المفترض أن تُحظى بالحماية اللازمة والاحترام الكبيرين من قبل رجل نبيل راقي ، وفارس شهم . إذ كان لهذه الأعمال الأدبية تأثير كبير على أرستقراطية أوروبا في القرون الوسطى
، كما كتب الباحث (نورمان كانتور) :

” بجعل منزلة المرأة عالية في المجتمع ، عزز الشعراء الرومانسيون كرامة المرأة وجعلوها كائناً ذات صفات مميزة وقيّمة.”
( ص 348) .

ارتبطت كل من إليانور، وماري بالهرطقة الدينية ( الكاتارثية ) خلال القرون الوسطى ، وهي عبادة و تبجيل إلهة الحكمة (صوفيّا)
التي أُزيحت من العقيدة الكاثوليكية الأرثوذكسية أثر الصراعات المذهبية المسيحية . لذلك فقد قيل أن الشعر الرومانسي في الحبّ العذري أو الملائكي قد تم ابتكاره فعلاً ، كشكل من أشكال “الكتاب المقدس” لأتباع الطائفة ، والذي من غيره لاضطهدتهم الكنيسة .

السيدة العظيمة التي تظهر في القصائد تحت أسماء مختلفة على أنها (صوفيّا) ، والفارس المخلّص الذي يقوم بخدمتها وحمايتها
هو (الكاثار) . هذا الادعاء ، على الرغم من اسناده بأدلة كثيرة ، الاّ انه لا يزال يواجه تحدياً من قبل غالبية علماء العصر الحديث ، وبنفس الوقت فهو مرفوض دينياً أيضاً .

اقترن النشاط الأدبي الأوروبي بالمناخ الاقتصادي والاجتماعي في القرون الوسطى العليا ، سواء كان ذلك دينياً أم ثقافياً
. من خلال هذا التحوّل ، اكتسبت المرأة من الطبقة البرجوازية احتراماً أكبر ، ومساواة أكثر في حدود طبقتها . على الرغم من أعبائها الإضافية في تولي ادارة بعض الشؤون التجارية والمالية الخاصة .

استمرت حياة النساء في القرون الوسطى المتأخرة على غرار هذا النمط ، مع بقاء الطبقات العليا والدنيا ثابتة إلى حد ما ،
بينما شهدت الطبقة الوسطى أكثر التغيرات تقدمّاً. وعليه ، فإن النموذج الجديد للمرأة الأوروبية كفرد ذو قيمة فاعلة في المجتمع ، جعل منها قويّة وناهضة ، وبدوره قد أدّى إلى زيادة عدد النساء اللائي عبرنّ عن أنفسهنّ في النشاطات الإدارية والأدبية والدينية .

تجلّى هذا الخروج الأكثر تطوّراً والمهم عن النموذج القديم عند الكاتبة الفرنسية الإيطالية الكبيرة ( كريستين دي بيزان
) ـ والمعروفة أيضاً باسم كريستين دي بيسان ، 1364-1430 م ، المولودة في فينيسيا ، والتي انتقلت منها إلى باريس عندما عيّن والدها عرّافاً في محكمة تشارلز الخامس (1364-1380 م). وحسب أعمال بيزان الخاصة ، فإن والدها كان يشجعها في تطوير قابلياتها واهتماماتها الأدبية
، في حين والدتها ، كانت تميل في أن تقتصر اهتمامات ابنتها على واجبات ” المرأة الكلاسيكية ” ، مثل ، تعلم الغزل والحياكة . ولكنها فقدت الدعم المنشود بعد وفاة كل من والدها وزوجها ، مما أدى تحوّلها إلى الكتابة ، لتصبح أول أديبة محترفة في التاريخ الأوروبي .

امتدَّ هذا التغيير التدريجي إلى الكنيسة ، التي حَرمت النساء في الحصول على التعليم ، وعلى الرغم من ذلك ، فقد انبثقت
من خلالها أعمال كاتبات بارزات ، مثل (جوليان نورويتش ) 1342-1416 م ، (كاترين سيينا )1347-1380 م ، و( تيريزا دافيلا )1515-1582 م ، وأخريات .

دور المرأة في المجتمع

النساء في الكنائس ، و أديرة الراهبات ، ومدبرّات المنازل ” أواخر القرون الوسطى ” ، وجدن فضاء أوسع في حرية التعبير وقبول
أكبر الى حد ما بين الرجال ، في حين نساء الطبقة الوسطى واجهنّ قيوداً جديدة ومن نوع آخر . إذ كان حضور نساء تلك الطبقة في النقابات المهنية ضعيفاً أواخر القرون الوسطى ، مع ضآلة المهام المناطة بهنّ ، حيث بدأت النقابات في حرمانهنّ من العضوية ، عندما نافسنّ زملائهنّ
الرجال في شغل الوظائف المختلفة ، بسبب تقاضيهنّ أجور أقلّ منهم . لذا فقد كان من المربح بشكل عام ، لصاحب متجر على سبيل المثال ، أن يستخدم إمرأة في العمل لديه بدلاً من رجل يتقاضى أجراً أعلى . ولأن هذا التقليد أصبح أكثر شيوعاً ، فقد هدد الرجال بالانتقام من النقابات
في حالة تضاؤل فرصهم في سوق العمل ، عند ذلك اقتصر العمل في النقابات على الرجال حصراً دون النساء .

ليس من الواضح ما إذا كان هناك عدد كبير من النساء قد دخلن إلى أديرة الراهبات خلال العصور الوسطى المتأخرة ، لكن من المعروف
أن الراهبات كان عملهنّ في الأديرة يقتصر على القيام بزخرفة وتذهيب المخطوطات في وقت مبكّر من القرن العاشر الميلادي . إذ كان هناك عدد قليل من المخطوطات التي دوّنتها النساء في عام 1274 م ، وأن العديد من النساء قد شاركن من قبل في إصدار العديد من الكتب خلال القرن
الرابع عشر الميلادي . وكذلك الوصايا والأوامر الدينية النسائية قد بقيت على حالها دون تغيير يذكر ، لكن النظام الجديد (بيكاينز
Beguines)
، الذي بدأ في القرن الثالث عشر في فرنسا ، يبدو انه قد اكتسب وبسرعة كبيرة عدداً لا بأس به من الأتباع . وهذا
النظام الذي انتشر في كل من بلجيكا وهولندا ومناطق من ألمانيا ، كان جزءاً من حركة إحياء روحية كبيرة يتولى فيه مؤيديه تقليد حياة يسوع المسيح من خلال التطوع في رعاية الفقراء والمرضى ، والإلتزام الديني ، وغيرها من النشاطات الاجتماعية .

المتطوعات إلى البيكاينز جميعهنّ من النساء المؤمنات اللائي عشن حياة الفقر والعوز والحرمان ، ولكن لًَسْنَ براهبات قد
أَدْينّ القسم الديني ، بل كان يمكنهنّ مغادرة المجموعة متى شِئْنَ . هؤلاء النسوة يعتنينّ ببعضهنّ البعض ، أما علاقتهنّ مع المجتمع المحيط ، كانت من خلال صناعة السلع البسيطة وبعض المستلزمات الاسرية وتقديم الخدمات ، وبالتالي ، تمكنهنّ من الالتفاف على القيود الجديدة
التي فرضتها النقابات المهنية ، كما عشنّ حياتهنّ وفقاً لقيمهنّ الخاصة دون الحاجة إلى الزواج أو الانضمام إلى سلك الرهبنة .

النساء المتزوجات من الطبقة الوسطى في القرون الوسطى العليا ، كان اهتمامهنّ ينصبّ تلقائياً على إدارة الأعمال ومسك الحسابات
التجارية لأزواجهن ، وتوليهن زمام الأمور بعد استدعائهم للحرب ، أو حتى مرضهم ، أو وفاتهم .

كانت المرأة في القرون الوسطى ، ضحّية البطريركية الدينية ، وقيود الطبقة السياسية ، وبغضّ النظر عن بعض الاستثناءات القليلة
، فإن المرأة وجدت طرقاً مختلفة للتغلب على العقبات التي اعترضت طريقها ، وأثبتت وجودها وبتحد كبير عندما عزمت في إدارة عملها الخاص ، أو عمل زوجها وعائلتها وبنجاح غير مسبوق ، واستمرّ انضمامها إلى النقابات رغم الظروف الصعبة والمعقّدة ، وقد حققت تقدمها بتشكيل نقابة
خاصة للنساء ، مثلما حصل في نقابات النسيج في إيطاليا .

رغماً من تمسكّها وتشجيعها لمفهوم قد ساد في القرون الوسطى ، من أن النساء أقل قيمة من الرجال ، قدّمت الكنيسة بعض التنازلات
المهمّة في الاعتراف والإشادة ببعض النساء الكاتبات اللواتي مرّ ذكرهنّ . وبنفس القدر ، قررت الكنيسة ، على أن المرأة فرد ذي قيمة ، وليس مجرّد ملكية للرجل .

في الدنمارك ، وخلال القرن الثاني عشر الميلادي ، قررت الكنيسة ، على أن الاغتصاب جريمة بحق المرأة وليس – كما كان يحدث
سابقاً – جريمة ضد والدها أو زوجها فقط . وعلى الرغم من نجاح المرأة الأوروبية وتقدّمها في أواخر القرون الوسطى ، فلم تتمكن من ان تغيّرالوضع القائم الذي تدعمه البطريركية والطبقة السياسية .

لقد تمّ فرض المزيد من القيود على النساء حتى مع دخول المجتمع الأوروبي عصر النهضة الذي هو الأكثر حداثة…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أش . آر . لون ـ الموسوعة الموجزة للقرون الوسطى ـ ثامس وهدسون للنشر ـ 1991.

كريستوفر دي هامل ـ تأريخ المخطوطات الساطعة ـ فايدون للنشر ـ 1997 .

نورمان . أف . كانتور ـ حضارة العصور الوسطى ـ هاربر كولنز للنشر ـ 1993.

جوزيف جيس ـ نساء في العصور الوسطى ـ هاربر بيريننال ـ 2018 .

جوليان نورويتش ـ الكشف عن الحب الإلهي ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2015 .

تيريزا أفيلا ـ القلعة الداخلية ـ ريفرفيد للنشر ـ 2004 .

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close