مهرجان «هاي».. الشِّعر والفن في التَّسامح

10 مارس 2020

استضافت وزارة التسامح الإماراتية، المهرجان الدولي «هاي للآداب والفنون» من 25 إلى 28 فبراير 2020)، بجزيرة السعديات، في أبوظبي، والمهرجان عالمي يُعقد بثماني عشرة دولة من دول العالم، استضاف المهرجان وجوهاً عالمية وعربية، أمسية للشاعر السوري علي أحمد سعيد «أدونيس»، بمناسبة بلوغه التسعين، وبحضور زليخة أبو ريشة، وأمسية للشاعر البحريني قاسم حداد، وحفل لمارسيل خليفة وفرقته.
كان إعمار هذه الجزيرة حدثاً آخر، يجمع بين الحقيقة والخيال، فقبل أعوام كانت أرضها رمالاً ومياهاً مالحة، وأصباخ غير مأهولة إلا مِن حشرات الأرض وسلاحف البحر، وبعض شجيرات «الغاف»، فعندما يجتمع الرِّمل والماء المالح وقسوة الصيف يكون المكان طارداً للحياة، ويبقى الإعمار على همة الإنسان والعقل المدبر، وتوظيف الثروة للبناء.
فإذا بهذه الجزيرة، المتصلة بأبو ظبي، جنة مِن الأشجار والأطيار، يقصدها الباحثون عن الهدوء والجمال، غير أن ليس المدعوون لمهرجان «هاي»، مِن شعراء وأدباء، والقادمين مِن عوالم عامرة، سيفكرون تفكير القادم مِن البصرة الثغر وبغداد ألف ليلة وليلة، وقد أصبحتا حطاماً، ويتحسرون على «مجلس الإعمار»(1951)، عندما جعل مورد النِّفط كافة للإعمار، فشُيدت المدن، بعد أن كان معظمها في العهد العثماني، كالسعديات قبل إعمارها.
كان مهرجان «هاي» متناغماً مع جمال «السعديات»، ورمالها البيضاء، وما عليها مِن بناء وبساتين الورد، هدفه تقديم الجمال في لقاء عالمي، وبالتالي التَّسامح، فوزارته هي الداعية. لأربعة أيام بعد الافتتاح، غزا المكان شباب وشابات تفاعلوا مع مفردات المهرجان، مِن مسرح متنوع، وسينما، ومحاضرات، وفن تشكيلي وموسيقي وغنائي، وكل فقرة تصبُ في الهدف «التسامح»، عُرضت مسرحية تمثل الصراع البشري، عبر دقائق يريك اللاعبون أن القوي المنتصر لا يستمر منتصراً، والضَّعيف المهزوم لا يبقى مهزوماً، فلا بد مِن النظر إلى النهاية، والاقتناع بالتعايش، كانت هذه رسالة إحدى فنون المهرجان.
في اليوم الأول، شهد المهرجان ندوة جمعتني مع الأديب الإماراتي محمد المرّ، فتقاسمنا الوقت، تحدث هو عن نشأة جيله الثَّقافية، وعن دور الأدباء الأوائل في تلك النشأة، وركز على السابقين إلى التَّنوير الثَّقافي في مجتمعاتنا، مِن الآداب والفنون، والكتب والأفلام والمسرحيات التي أسست لجيله، وما أعرفه عن محمد المرّ أنه ملمٌ بتاريخ الفنون والآداب وتواريخ المتاحف العالمية، يعرف زواياها بلندن والقاهرة وبيروت، وما بالعراق مِن فن وثقافة، وله الكلام، أن بالفن والثقافة سيخرج العراق مما هو فيه مِن محنة تاريخية، لكل ما تقدم كُلف محمد المر بإنشاء مكتبة كبرى بدبي دار كتب وفنون، ستفتح خلال الشهور القادمة، ومعلوم أن الفن والثَّقافة حاملا التَّنوير، وبالتَّالي لا تسامح بلا تنوير.
فكرت أن تكون مساهمتي مكملة لما بدأه المر، فكان المستهل: مَا هو الأشهر، بيت المتنبي (اغتيل 354هج)، في العنصرية: «لا تشتري العبد إلا والعصا معه…»، أو بيت عَدي بن زيد (قبل الإسلام بقرنين)، وقيل لقيس بن الخَطيم (قبل الإسلام)؟ الذي يعنى بثقافة الاختلاف وتبادل الرأي: «نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرَّأي مختلفٌ»(سيبويه، الكتاب)؟! بالتأكيد الأول، فهو الذي تعلمناه في المدارس، وما زال يُعلم! أما الثّاني فمجهول، ولنَّا عده مِن التراث المحجوب.
خلافاً للرأي السائد، أجد أن الشعراء والأدباء أقوى تأثيراً من فقهاء التطرف، في عقول الناس، ولو كانت فتوى التطرف والقتل أكثر تأثيراً مِن الشعر، لما لجأت الجماعات الدينية نفسها إلى الشِّعر في الحماسة لأفكارها، أقول: لماذا لا تُبعث الحماسة مِن أجل التسامح والتعايش، ومَن يطلب هذا الغرض مِن البشِّر سيجده؟!
لماذا حار الورى بمذهب التّوحيدي(ت414هج)، حتى عُد مِن أخطر الزَّنادقة (الحنبلي، شذرات الذهب)؟! لأنه خارج العقائد، الكلُّ يرونه لهم، لو كان الشَّاعر أنور شاؤول (ت1982)، خاضعاً لعقيدة، ما قال: «إن كنتُ مِن موسى قبستُ عقيدتي/ فأنا المقيم بظلِ دين محمدِ»، ولو أخضع الجواهري (ت1997) شعره، ما قال: «إلى أرض العِراق سعت لبنانُ/فتصافح الإنجيل والقُرآنُ»، إنه دور الأدب والشّعر في إشاعة التّسامح، شأن الموسيقى وبقية الفنون، لا يُقيدهما دين ولا مذهب ولا لون!
*كاتب عراقي
الكاتب
رشيد الخيّون
الاتحاد الإماراتية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close