حب في زمن الكورونا

حب في زمن الكورونا
ضياء محسن الاسدي

(( جلس أمام سريرها وهو يتفرس ذلك الوجه الملائكي الأصفر المكفهر المتعب من شدة الإصابة بمرض الكورونا بجوار سريرها من ضمن مجموعة أسرة لأخريات راقدات معها في صالة الحجر الطبي المنعزلة في المبنى وهي في حالة شبه غيبوبة تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة بالغة أخذ يحدق بوجهها وقلبه يشده إليها بقوة غريبة وإحساس لم يشهده من قبل أدار ظهره وهو يهم مغادرة المكان تاركا إحساسه مع أنفاسها الرتيب الضعيف وفكره وقلبه معها بترقب لكن شيئا ما شده إليها حين ذكر أخواته الثلاث المقاربات لسنها عندما مررن بمخيلته وهن بجوارها وفي نفس وضعها الصحي كيف سيكون حاله حينذاك لذا رجع إلى مكانه وسحب الكرسي الصغير وجلس متهاويا عليه بجسده المتثاقل يرمق بنظراته قطرات قنينة المغذي الصغيرة فوق رأسها يراقب أنفاسها صعودا ونزولا كأنها مسامير تدق أضلعه إشفاقا عليها غفى قليلا ووضع رأسه على ذراعيه فوق السرير ليأخذ قسطا من الراحة بعد عناء يوم طويل ومرهق لخفارته المسائية استفاق فجأة على هزة ناعمة بحنان أنامل ضعيفة القوى لم يعهدها مسبقا وهي تحرك كتفه فتح عينيه ليرى وجه الفتاة تبتسم وهي توقضه برفق والابتسامة على وجهها ولسانها ينطلق بالثناء والدعاء له غادرها وهو يدعو لها بالسلامة غادر الصالة مودعا بعد أن أستودع قلبه ونظراته وطمأنها على صحتها وزوال الخطر . رمقته الفتاة بعينها وهي تتبعه بها متمنية أن لا يفارقها ولا يغادرها لما رأت منه كل هذا الحنان والاهتمام الذي زرعه في قلبها طوال الليل بعدما تركها الأهل والأصحاب مجبرين وفي اليوم التالي عاد مبكرا لنوبته المسائية متلهفا لرؤيتها حيث وجدها بصحة جيدة بعدما زال الخطر عنها سمحت له بالجلوس بقربها يواسيها ويحادثها ويسمعها بعضا من حياته وهي بدورها مدت جسور المحبة والود والاستماع بلهفة لكلماته وحديثه الشيق وهي تراقب كلماته تنساب منه بلباقة الشخص الواعي المثقف والتي أدخلت السرور والبهجة لقلبها الحزين ويوم بعد يوم زاد اللقاء واتسعت ساعاته ولحظاته الجميلة الرقيقة وتفتحت زهور حدائق قلبيهما ليشما عبير السعادة في حجراته لكن يوما بعد يوم أخذت المسافات الزمنية تقصر بينهما والفتاة تتماثل للشفاء بسرعة ونبض الحياة يدب في روحها والفرح والحزن يلتقيان لأول مرة في قلبها فرحة المغادرة والشفاء وحزن الفراق بعدما بدأت أزهار حبهما تتفتح وتبث عبق عبيرها في قلبيهما دست قصاصة ورق صغيرة فيها رقم هاتفها وهي تلملم حوائجها لتهم بالخروج من المستشفى بصحبة ذويها بطلب منه ليكملوا ما شرعوا له لحياة جديدة بعد قضاء المحنة )) ضياء محسن الاسدي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close