العراقيون وامريكا — نظام صدام حسين ونظام المحاصصه

ما زالت عواقب الاحتلال الامريكى للعراق عام 2003مستمره وذلك لانه لم يسقط نظام دكتاتورى فقط, وانما دوله بعديد مؤسساتها وبشكل خاص الجيش والمنظومة العسكريه التى كانت قاسم مشترك موحد وممثل لخصوصية الشعب العراقى بالاضافه الى تصدع التنظيم الاجتماعى باعرافه وتقاليده واحكامه. كانت محصلات الاحتلال الماديه والبشريه كارثيه فى جميع الحقول على العراق وشعبه, ولم يكن صفقة سريعه رابحه بالنسبه لامريكا وحساباتها الستراتيجيه فى تنفيذ ” مشروع الشرق الاوسط” الجديد, هذا بالاضافة الى التكاليف الماديه والبشريه الهائله للاحتلال, لا سيما لم تكن الحرب على العراق انتصارا كبيرا يعوض ويوفر امكانية التعويض عن خيبات الامل والهزيمه المدويه فى حرب فيتنام .

ان عملية الخراب والتدمير ظهرت مؤشراتها سريعا, فقد استبيحت ثروات العراق الماديه والبشريه, وبدأ بشكل منظم اقتحام وسرقة الوزارات ومخازن الدوله واسلحة ومعدات الجيش العراقى, هذا بالاضافه هويته الثقافيه والتاريخيه وسرقة الاف القطع والمدونات والوثائق الفريده من المتحف العراقى والمكتبه الوطنيه لمتختلف الحضارات التى تطورت فى العراق والتى هربت ووجدت طريقها الى اوربا وامريكا والكثير من دول العالم . ان قوات الاحتلال لم تعير اهتماما للفوضى الطاغية التى حكمت الموقف واقتصر اهتمامها على حماية وزارة النفط ووزارة الداخليه حيث قد حققت فلسفة الفوضى الخلاقه التى جاؤا بها اهدافها التخريبيه والتدميريه , وليس هذا فحسب وانما اعتماد نظام المحاصصه الطائفيه والقوميه لتشكيلة الحكم والتى لايمكن ان تعطى ثمارا طيبه وذلك للخلافات والصراعات بين النخب المتحاصصه حول الاهداف, المشاريع وارتباطات كل واحدة منها مع دول الجوار وخارجها, هذا بالاضافه الى دستور طبخ على عجاله, معد حسب الحاجه, ملغم بمختلف انواع التأويلات والاجتهادات, فى الوقت الذى تتشدق به كتل المحاصصه, تجتهد فى التجاوز عليه. وليس اخيرا ان نخب المحاصصه من ناحية تاريخها السياسى واعدادها العلمى والمهنى لايشير ولا يقدم صورا ايجابيه مشجعه لبناء دوله واعتماد العداله الاجتماعيه ولم تتوفر فيهم سمات القيادة وتحمل المسؤليه الوطنيه, كانوا وما زالو صغار ولم يتجاوزا عقليتهم النفعيه الانتهازيه. والدستور قادت العراق الى الهاويه ولا زالت افاق المستقبل لم تظهر معالمها فى الافق.

يعيش العراق بعد 17 عاما من الاحتلال وحكومة المحاصصه اسؤ اوضاعة الاقتصاديه الاجتماعيه, حكومه هلاميه ذو ارتباطات مشبوهه, لا تملك القرار, معطله لا تقوى على العمل واوضاع البلد واحوال المواطنين ليس من واجباتهم, ومليشيات مسلحه ذو ولاءات

متعدده, غير عراقيه قد فرضت نفسها واصبحت جزءا من تركيبة الحكم وبنفس الوقت خارج اطار الهيكليه ولها من القوه والنفوذ وديناميكيه عاليه بحيث لا تقوى الحكومه على فرض القانون عليها. ان خزينه الدوله خاويه والمليارات التى جاءت عن بيع النفط قد تبخرت واخذت طريقها الى البنوك العالميه باسماء فرسان المحاصصه, الاخوه والاقارب والاصدقاء واصبحوا شلة من عصابات الجريمه المنظمه والمافيات, وبذلك قد فقدوا شرعية تمثيلهم الطائفى والقومى , فالمعمم الشيعى وكذلك الافندى ليس شيعيا ولم يكن متدينا واشكالية انتمائه للعراق كوطن, انه يلهث وراء المال وما زال جائعا رغم الموائد الباذغه, وكذلك بالنسبه للسنى من الغربيه الذى مستعد عقد التحالفات طالما تعمل على تعاظم الثروه والوجاهه والنفوذ, اما عن نخبة المحاصصه الكرديه فهى المستفيد الاكبر من هذه الاوضاع البائسه وهم بامتياز استاذ الاساتذه فى انفتاحها على كل الاتجاهات الواعده التى تعمل على بناء “الامارة , المملكه البرازينيه” , ولذلك فهم يبتزوا الحكومه المركزيه بشكل مستمر وفى حقيقة الامر فقد انتهى ارتباطم بالعراق كوطن ويؤكدوا بانهم ليس عراقيون وهم عراقيون بقدر ما يتعلق بالفوائد الماليه والاداريه التى يمكن الحصول عليها. ان تطور الحراك الشعبى وصموده منذ اكتوبر 2019 الماضى والذى شمل الوسط وجنوب العراق يمثل نتاجا منطقيا للفوضى العارمه التى تسود البلاد وغياب المشروع الوطنى وتعميم ثقافة السرقه والاحتيال والكذب , بما يعرف ” الفساد المالى والادارى.” بالاضافه الى تعطيل الصناعة والزراعه والخدمات وانتشار الفقر والعطاله وخاصة فى صفوف الشباب. ان اللشباب المنتفض ومن خلال تجربته المباشره خلال 17عاما اخذ يرفع شعارات مبدئيه ترتبط بالوطن والشعب وتنطلق من الضروره القصوى فى تغيير نظام الحكم والعمليه السياسيه. لقد تبلورت انتماءات ومرجعية الكثير من رجال دولة المحاصصه لمختلف دول الجوار بالاضافة الى الاجنبية وهو يجتهدون فى تنفيذ اجندتها ومشاريعها. ان الصراع بين المنتفضين السلميين, الذين يتطلعون نحو المستقبل وكتل المحاصصه الشيعيه/ السنيه التى اعلنت الحرب المسلحه على شباب الانتفاضه وتعمل بكل الوسائل,القتل,الارهاب, والاغتيال الاختطاف, التجريم, بث الاشاعات المغرضه للقضاء على الانتفاضه, الا انهم فشلوا وسوف يفشلون فى مشاريعهم الاجراميه. من النتائج المباشره لانتفاضة الصمود اسقاط حكومه عادل عبد المهدى الذى يعتبر اسؤ رئيس وزراء عرفه العراق, ثم اسقاط ترشيح السودانى ومحافظ البصره, واستمرت حكومةعبد المهدى كحكومة تصريف اعمال, ولحد الان. واخير جاء ترشيح السيد محمد علاوى الذى بذل الجهود فى تشكيل “كابينه مستقله” ولكنه فشل لعدم استعداده الاخذ بشروط كتل المحاصصه, علما بان الحراك الشعبى قد رفضه مبدئيا. يبدو ان فرصة السيد الزرفى فى رئاسه الوزراء, رغم كونه شخصية جدليه وله ماضى غير مشرف بالاضافه الى كونه مرفوض من قبل الحراك الشعبى, انه اوفر حظا, وانه رجل امريكا حاليا. ان السياسه الامريكيه قد اقتنعت اخيرا على ضرورة تغيير تركيبة العمليه

السياسيه وذلك لان تحديات المليشيات المسلحه التى لا تسيطر عليها “الدوله” اصبحت تتكرر مع سقوط جنود امريكان فى الهجمات الصاروخيه على بعض قواعدها فى العراق. لقد حان الوقت بالنسبه للحسابات الامريكيه ان تضع نهايه للفوضى وسلطة الميليشيات وعدد من وجوه ورجال المحاصصه الشيعيه والسنيه بشكل محدد. ان تغييرا فى بنية الحكم سوف يحصل وسوف يدعم الزرفى من الكتله السنيه والكتله الكرديه واخرون, وسوف يقوم ببعض الاصلاحات فى مجال البنيه التحتيه وتشغيل ايدى عامله وسوف يستمر نظام المحاصصه والدستور قائما وفعالا.انها عملية قديمه جديده عملت بها امريكا ودول اخرى فى اوضاع مشابهه. ان امريكا والاتحاد الاوربى يشهد ويعترف بقوة وصمود وشرعية الانتفاضه والتزامها بالطرق السلميه رغم العنف والقتل والارهاب الذى مورس ضدها, الا ان حماية الانتفاضه ودعمها معنويا ومد يد المساعدة والعون فى تحقيق اهدافها وكسبها كصديق نوعى يتمتع بالحداثه والعقل والوعى والتعامل بأمانه واخلاص مع المواثيق والمبادى التى يتفق عليها الطرفان لم يكن ضمن اجندتها, وتاريخيا لم تتعامل امريكا مع اصدقاء وشركاء متكافئين وانما دائما مع عملاء جاءت بهم واعطتهم الحكم ليكونوا وسائلهم الطيعه. ان لعبة امريكا/ الزرفى تحمل مخاطر كبيره للحراك الشعبى وتعتبر خطوة جاده لسحب الارضية من الحراك الشعبى, نحن نسأئل هل سوف تهدر دماء الشهداء والجرحى والمعوقين, هل سوف تنتهى الانتفاضه وكأنه شيئا لم يكن, ان الامريكان يعملون بحجج مختلفه وبشكل غير مباشر لنهايه الانتفاضة والحراك الشعبى. لازات امريكا تتمتع بيد طويله فى العراق لها تاريخ طويل فى عمليات الثوره المضاده

ان هذا المشهد له سابقه اليمه مفجعه, فقد انتفض العراقيون فى الثمانيات والتسعينيات ضد نظام صدام حسين عدة مرات, ومارس النظام منتهى القوة والعنف والتى انتهت بالاف القتلى والجرحى واستمر النظام يعمل بكل ادواته وخلفياته الاجراميه على الرغم من النظام جزئيا وككل قد انتهى موضوعيا, وما كان يبدو عليه من حركه ونشاط كانت رفسات الحصان الاخيره التى كان يسمح بها الامريكان الى ان اكتملت التحضيرات لحرب العراق واحتلاله من ناحية العدة والعتاد وجمع شلة “المعارضين” اللاجئين فى اوربا وامريكا وبعض الدول المجاوره.

ان امريكا تتحمل الكوارث التى حلت بالعراق منذ 2003 وسوف تستمر الى ما بعد عام 2020. كان العراقيون اليوم وانذاك اثناء ضعف وعزلة نظام صدام حسين الى وقفة معنويه جاده من امريكا لدعم العراقيين فى حراكهم الشعبى ومقاوتهم, وكما يبدو فان هذا الامل والتوقع سوف لا يحل فى اطار عقلية القوه العالميه المسيطره.

الدكتور حامد السهيل 25 .3 . 2020

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close