مقالة في المرض !

المرض والصحة جانبين لشيء واحد ، فلا يمكن تخيل المرض بدون الصحة ، مثلما لا يمكن تصور الحار بدون البارد ، أو الحب بدون الكراهية ، هذا التلازم بين تلك الازواج تبدو من طبيعة الأشياء ، لذا ليس مستغرب ، أن نمر في مرحلة ، وفترة من الصحة والعافية ، تعقبها أنتكاسة ، من المرض والبؤس . والمرض ، الذي نتحدث عنه هنا ، ليس ما يأتي بعد الكبر والوهن ، الذي هو نتيجة طبيعية للحياة ، ولكن ما نقصد بالمرض ، هو المرض الذي يظهر في عز الصحة ، ويهاجمها من حيث لا تدري ، المرض الكامن في الصحة ، كالبرد الكامن في الحار ، أو الكراهية الموجود في قلب الحب، بحيث لا تبدو وكأنها شيء طارئ عنها . أن علاقة الإنسان بالمرض ، حقيقة ، هي علاقة فريدة ، فكل الحيوانات تمرض بالصدفة ، وبفعل عامل خارجي ، ولكن الانسان يمرض بالضرورة وعامل داخلي ، فالإنسان يحمل المرض في داخله ، مثلما الحشرة في قلب الثمرة ، كما عبر سارتر عن الموت الذي يقرض فيه من الداخل ، فالأنسان ، كما قال إخرى ، هو الكائن المريض الذي يشفئ في الموت فقط . والإنسان هو الكائن الذي يخترع الامرض ليستمع بحياته ، وهذا الاختراع قد ينشئ بقصد أو بدونه ، لأن أسلوب حياته في العيش يفرضها عليه . ولهذا سنعالج ، في هذه المقالة أشكال المرض ، تلك التي ينتجها الإنسان عن وعي ، وتلك التي تنج عن أسلوب حياته ، وهذا الأمراض عبر عنها بعض الفلاسفة وكتاب الغرب . وهؤلاء الكتاب هم كل من البير كامو ، وتوماس مان ، وأريك فروم . لذلك سنظر لمرض من وجهة نظر فلسفية ، على الأكثر ، لأن كل هـؤلاء الذين أشرنا أليهم هم لحد ما فلاسفة ، ولقد قيل ، أن الفلسفة هي تأمل الموت !

(١) قبل أن نقدم وجهة نظر هؤلاء المفكرين ، عن المرض أو نوع المرض الذي يتحدثون عليه ، نحب أن نشير بأن المرض الذي نقصد هنا ليس المرض الفيسولوجي أو البدني ، وأنما العقلي أو النفسي ، فالمرض البدني من سهل الشفاء منه ، في حين العقلي أو نفسي ، وخصوصاً حينما يكون جماعي ، على مستوى بلد أو أمة ، وحين لا يكون مشعور به ، كما سيوضح لن أريك فروم ، في كتابه كل لنفسه ، أو من يملك ولا يملك ، فأن أعراضه هذه المرض تظهر في العلاقة الاجتماعية ، ويعبر عن أعراضها بالعصاب ، والعنف ، الذي يعانيه أكثرية أعضاءه ، فهي الأعراض لهذا المرض الكامن في اُسلوب العيش . ولكن السؤال ، كيف يمكن لنا فهم مجتمع أو أمة تدعو بالمريضة ، وهي تعيش في حالة رخاء وازدهار ، مثل أمريكاً مثلاً ، والتي هي المقصودة من قبل اريك في المجتمع المريض ؟ لا شك ، أن عنده ، أن ليس مستوى المعيشة، والتقدم التقني ، هو الذي يحدد سعادة الافراد ، وإنما من وجهة نظر الماركسية هو نوع العلاقات التي يعيشها أفراد هذا المجتمع ، فنوعية العلاقات هي التي تحدد الصحة العقليه لأفراده وليس الوفرة الاقتصادي . وعليه، فالمرض الذي نعنيه هنا ، هو المرض في المجتمع ، أو المرض في العقيدة أو الفكر ، في نظرتنا لكون ولما حولنا . فأمراض البشر ليس بدنية فقط وأنما نفسية أو عقليةً ، وعليه يمكن للإنسان أن يكون سليماً جسدياً ولكنه مريض من الداخل ، والذي يعد أخطر من مرض البدن ، خصوصاً ، حينما يكون على قمة السلطة . وحقيقة أن ، من الأدلة على تعدد أمراض البشر ، يمكن أن تدل علية كثرة الأدوية التي تعالج أمراض الانسان ! وعلى اي حال ، بما أن دلالة المرض ، هي التي تعنيا هنا ، فنحن نقاش المرض ، من ثلاثة وجهات نظر ، كما ظهرت لدى البير كامو ، في رواية الطاعون ، حيث ناقشه من وجهة نظر رمزية وجودية ، وتوماس مان ، في روايته ، الجبل السحري ، نظر له وجهة نظر نفسية وفلسفية ، حيث يميل الناس لتكيف معه ، وريك فروم ومن وجهة اجتماعية وفلسفية أيضاً . فهؤلاء الكتاب ، كل واحد ، رأى كيف يتصرف الناس في مواجهة المرض ، فالناس لا يوجهون المرض بنفس الطريقة ، فالبعض يحب أن يعيش في وسط المرض ، والآخر يجعل منه أداة للربح ، وأخر يجد فيه سعادة ، ويتكيف معه ، حتى يشعره أن في مكانه

الطبيعي .

(٣) البير كامو ، كتاب ومفكر فرنسي ولد في الجزائر ، كتب أعمال روائية ، وفلسفية ذي نزع وجودية ، تميزت في العبثية . وحاز على جائزة نوبل للأدب ، عن روايته ، الغريب ، وهو كاتب معروف من قبل القارئ العربي ، فكل أعماله تقريباً قد ترجمت لعربية . ولذا فهو لا يحتاج لتعريف . وقبل مطالعت رؤيته الطاعون ، لابد من وقفه قصيرة ، مع فلسفته ، لأن كل أعماله الأدبية ، والروائية ، تعبر عن فلسفته هذه . وفِي كتابه أسطورة سيزيف ، التي تعد من أعمله الفلسفية ، يقول ، بأن المشكلة الاساسية والجدية في الفلسفة هي الانتحار ، في معرفة فيما اذا الحياة تستحق أن تعاش أو لا . الأجابة ، على هذا السؤال ، أعني هل الحياة تسحق أن تعاش أو لا ، في نظر كامو ، تعادل الجواب على السؤال الرئيسي في الفلسفة ، فليس المهم أن تعرف فيما إذا العالم له ثلاثة أبعاد أو أربعة، أو أن للعقل مقولات مسبقة ، وأنما المهم ، فيما الحياة تسحق العيش أو لا ، فهو يقول ، الكثير يمكن أن يتخلّوا عن معرفة الحقيقة ، إذا واجهوا في الموت ، مثل ، غاليليو ، الذي كان على اعتاب تأكيد مهم لحقيقة دوران الارض حول الشمس ، ولكنه ، تخلى عن هذا التأكيد عند مواجهة الموت ، فالحياة تبدو على قيمة من كل الحقائق ، وحتى الذين ماتوا من أجل افكارهم ، فأن فعلوا ذلك ، لأن تلك الأفكار تعطي فقط قيمة لحياتهم . ومن هنا نجده يقول ، في كتابه أسطورة سيزيف ، بأن علينا أن نتخيل سيزيف وهو يكابد عناء ، دفع صخرته ، والتي سرعان ما تفلت منه عندما تصل لقمة لتنحدر لقاع ، ليعاود من جديد دفعها إلى الأعلى ، لتسقط مرة أخرى أسفل الوادي ، ليرجع دفعها من جديد لقمة ، ومع هذا كله لابد أن يكون سيزيف سعيد ، بهذا الجهد الذي يبذله . لذلك نرى كامو يرفض الانتحار ، وفضل عليه الانتحار الفلسفي ، هو مجرد العيش والاستمتاع بالحياة بكل أفراحها وأتراحها . وهذا النظر الفلسفية ، التي تقبل بعبث الوجود ، نجدها في كل أعماله الروائية ، وخير من عبر ، هذه الرؤية الفلسفية ، هي رواية الغريب ، التي يتصرف فيها ، بطل الرواية ميرسو في واقعية فجة تثير سخط الأخرين اصحاب العقائد . ورواية الطاعون ، تعد رواية رمزية ، عن موجهة الناس لما يهدد حياتهمً ، وطريقة مجابهة كل من ابطال الرواية . ففي مطلع الرواية ، يخبرنا كامو ، كيف ان الحياة في مدينة وهران الجزائرية ، في عهد الاحتلال الفرنسي تقلصت لمجرد ساعات قلية من العيش ، فقد استغرقها لانهماك في كسب المال ، والعمل ، ولم تقبى للذة العيش سوى ساعات قليلة ، وتقلصت علاقات بين الناس على التحية العابر والجلوس لحظات في المقاهي والبارات ، ونسيان كل شي حول الوجود ولذة العيش . وفجاءة يداهم الطاعون المدينة وهم في غمرة العيش لكسب المال ، وقامت علاقة عمل ، فقد أخذ الناس على حين غرة ، بدون أي استعداد لمواجهة هذا الطاعون ، سوى أن العديد من جثث الفئران المرعوبة تخرج من جحورها لتموت عند أقدام المارة . هذه الحكاية الرمزية ، التي استغلها كامو لتعبير عن إفكار ، لم تكن نتيجة طاعون فعلي اصاب المدينة في زمنه ، فهذا الطاعون حدث لمن فترة قديمة ، ومتأخر من حياة المدينة ، ولكنه وظفها ، لتعبر عن طاعون أخر ، هو الذي ينخر في جسد المدينة ، هي نسيان الوجود الحقيقي والفعلي والذي يستحق أن يبذل كل شيء من أجله ، وليس تقليص الحياة لمجرد كسب المال ! ، فكامو هنا أن كل وجود تقلص في للذة العيش والاحتفال في الوجد لمجرد ، ساعات قليلة ، مهما نوع النظام ، راسمالي أو أشتراكي ، لأبد ،، في النهاية بمرض ، بطاعون . لذلك تُبدو المماثلة ، بين طاعون وهران ، وكروناًعصرنا صارخة واضحة ، الفئران التي كانت تموت في طاعون وهران هم الناس الذين باتو يموتون في عصرنا ، لنهم ، لم يعملوه من أجل الوجود والحياة وإنما ، من أجل كسب المال وتكديس الثروة ، ونسيان الوجود ، فكم من الدول المتطورة من كشف فايروس الكرونا عن هذه الحقيقة ، أنها الوجود ،. والحياة ، وأهتمت فقط ، في بناء القوة العسكرية ، والعظمة التكنولوجية ، بدو أن تتخصص مجال للفرح والحياة السعيدة بمعنى الكلمة ، مثلما قال جاك لندن في العقب الحديدية وبطل رواية العراب وراء كل ثروة ضخمة الكثير من المأسي والجرائم ! وعليه ، رغم أن كامو يؤمن في عبث الوجود والذي ، كان ، يعني له ، أن لا بوجود تطابق بين التفكير العقلاني لدى الانسان والوجود كلل ، وأن الإنسان وحده ، هو من من يجعل لهذا الوجود من معنى إذا شاء أو يتركه لبعث ، حيث لا أله له أو رب يسهر عليه . فنحن أن نعيش بدون ، أحد يرعى شؤونا ، كما كان يعتقد الفكر الديني ، فنحن عرض للمرض في أي لحظة ما لم نظم أسلوب عيشنا لينسجم مع الوجود الحقيقي ، فنسيان الوجود الذي هو عيش الحياة بشكل انساني ، يمكن أن يتح لطاعون ، أو الكرونا أن تظهر في أي لحظة . فطاعون كامو أنبثق وسط حياة خاملة ورتيبة يستغرقها العمل وغياب العلاقة الانسانية

الحميمية .

(٤) اريك فروم ، كتاب وفيلسوف ومحلل نفسي ، ولد في ألمانيا وهرب إلى أمريكا في العهد النازي ، وحاول التوفيق بين الماركسية والفرويدية ، يعد نفسه ماركسياً ، وليس شيوعياً ، على الطريقة الروسية ، في زمن التحاد السوفيتي . وهو أيضاً معروف من قبل القارئ العربي . ويعتبر من كبار النقاد لنمط العيش في الولايات المتحدة ، أو النظام الراسمالي بشكل خاص . أصدر العديد من الكتب ، أشهرها الهروب من الحرية ، والمجتمع السليم ، وكلاً لنفسة ، ومن يملك ولا يملك ، وغيرهم من الكتب القيمة التي أثاروا ضجة في وقتهم . ويركز اريك في كتابات على نمطين من الوجود ، نمط التملك ، الذي يؤدي في النهاية إلى المجتمع المريض ، كما سنرى في عرضنا لوجهة نظره تواً ، ونمط الوجود ، الذي يؤدي إلى حياة سعيدة تقوم على الاستمتاع بالوجود ، بدل صرف الحياة في تكدس الثروة والتملك .

(٥) يبدأ اريك فروم في عرضه لوجهة نظرة ، في القول ، بنهاية الوهم ، فقد وعد الأمريكان بتقدم لا نهاية له ، وعدوا بالسيطرة على الطبيعة ، والوفرة المادية ، والسعادة العظيمة لأكبر عدد من الناس ، وبحرية مطلقة . وتلك الأمال ، وهذا الإيمان ، يواصل اريك ، حديثه ، تعززت القناعة فيها لدى اجيال من الناس منذ بدء العصر الصناعي . حتى وصل هذا التطور ذروة في مرحلتنا ، حينما ، استبدلت طاقة الحيوان والإنسان بطاقة المكائن ، وأستبدل عقل الإنسان بعقل الكمبيوتر . وعندئذ شعر الإنسان بأن في طريقه نحو أنتاج لا محدود واستهلاك لا حد له . وأن التكنولوجيا ، جعلت منه كلي القوة وكلي العلم ، ونحن في طريقنا لنصبح الألهة ، وأقامت الجنة على الارض . فبعد تحطيم قيود النظام الاقطاعي ، أن الناس اضحوا سادة مصيرهم ، ويقدروا أن يفعلوا ما يريدون . وهنا ، يعقب فروم ، بأن هذا وأن كان صحيح ، ولكنه في النهاية اختصر فقط إلى الطبقة العليا والطبقة الوسطى . يعني ، هذه القناعة في المستقبل المشرق إلى أمريكا ، بيد هذا القناعة يمكن أن تمدد ليشعر به الأخرين ، ليشمل الكل شرط التوسع في الصناعة . والشيوعية والاشتراكية ، يقول فروم ، والتي كانت تروم خلق مجتمع جديد وإنسان جديد ، وقعتا في فخ التصور الراسمالي هذا ، في خلق إنسان برجوازي همه من الحياة ، تملك واستهلاك كبير ، وفكر الشيوعيون بخلق مجتمع برجوازي شامل لكل أفراد المجتمع في المستقبل ، مجتمع سعيد لكل وفق التصور البرجوازي ، بدل الإنسان في مفهوم ماركس ، الذي تتفتح أمكاناته الطبيعية . وعليه ، كان المجتمع الرأسمالية ، يقوم من وجهة نظر فروم ، على ثلاثة أشياء ، على أنتاج لا محدود ، والحرية المطلقة ، والسعادة الغير مقيدة ، وتلك هي التي شكلت النواة ، إلى الدين الحديد ، والمدينة الفاضلة التي تحل محل جنة الله . وهذا الوعد العظيم ، الذي رفعته النخبة في بداية التطور الصناعي بأمريكا ، في تطور لا نهائي ، وسعادة لا حد لها ، وقوة عقلية جبارة ، فهم من قبل الناس ، بعد فترة طويلة أنه مستحيل التحقيق ، وأدراك هذه المصير شكل رضة نفسية في نفوس الأمريكان لفشل تحقيق الوعد العظيم . وحتى جعل الناس يفهمون إلى جانب هذا الفشل ، بأن مبادئ الوعد العظيم شيء غير معقولة ؛ فأولاً ، أن الإشباع إلى لكل الرغبات لا يودي إلى الوجود السعيد ، وأن السعادة ليس في أشباه أقصى الرغبات . ثانيا ؛ انتهى حلم الناس في الاستقلال التام ، إلى الإدراك بأنهم أصبحوا مجرد تروس في عجلة النظام ، وأن الحكومة بات هي التي تحدد أذواقهم ورغباتهم . ثالثاً ؛ أن التطور الاقتصادي نحصر في بلدهم ، والهوة بين بلدهم الغني والبلدان الفقيرة أتسعت . وبعد هذه العرض لتبدد الوهم في التطور والسعادة الشاملة لكل في المجتمع الامريكي ، يناقش اريك فروم لماذا فشل الوعد العظيم ويناقش أيضاً مفهوم السعادة

(٦) أما كيف فشل الوعد العظيم ، فيقول فروم ، أنه أضافة إلى التناقضات الاساسية في الاقتصاد الصناعي الراسمالي ، فأنه مع ذلك ، بناء هذا الوعد في النظام النظام الصناعي على مقدمتين سيكولوجيتين ؛ أولاً ؛ أن هدف الحياة هو السعادة ، يعني ، أقصى لذة ممكنة ، الإشباع إلى أي رغبة ، أو حاجة لذات . وثاني ، أن الانانية ، وحب الذات ، والجشع ، هم حاجات لنظام يولدهم لكي يعمل ، وهم الذين يؤدون إلى الانسجام والسلام . فيقول فروم ، فالأغنياء ، كما هو معروف مارسواعلى امتداد التاريخ مبدأ اللذة المتطرف ، فأصحاب الموارد الفاحشة ، النخبة من أهل روما ، والمدن الإيطالية في عصر النهضة ، والانكليز والفرنسين في القرن الثامن والتاسع عشر حاول أن يجدوا معنى الحياة في اللذة المفرطة ، في حين أن أقصى لذة ، التي التزم بها اصحاب مذهب اللذة المتطرفين ، لم تمارس سوى من قبل مجموعة محدودة من الأغنياء وفِي أوقات معينة . أضافة لذلك ، أن هذه النظرية لم تكن هي المبدأ في العيش السعيدة عند الفلاسفة الكبار والمصلحين في الصين والهند ، والشرق الأوسط ، وحتى في أوربا .

(٧) أما الفيلسوف الوحيد الذي اعتبر اللذة القصوى هي هدف الحياة ، كما يقول فروم ، فهو الفيلسوف ارستوبوس ، احد تلاميذ سقراط ، فوجد هذا الرغبات في جسم الإنسان هي خير دليل عنده على أن هدف الحياة هو اللذة حسب هذا الفيلسوف ، ومن ثم يعد هو من تطرف في مذهب اللذة . فأبيقور ، الذي عادةً ما يقرن بأسمه مذهب للذة ، والذي يدعو الأبيقورية ، قلما يعتبر من اصحاب اللذة المتطرفين ، فاللذة الخالصة ، في تصوره ، يجب أن تكون خالية من الالم ، فأي للذة ، حسب أبيقور يصحبها ألم أو تؤدي اليه ، يجب أن ترفض ، لأنها تعكر صفاء النفس . ولذلك لم يعتبر اللذة هدف الحياة ، لكون لذة يعقبها ألم . لذلك لا أحد من المعلمين الكبار والفلاسفة اعتبر الوجود الفعلي للرغبات لدى الإنسان أن تجعل اخلاقيا معيار للحياة . فهؤلاء أهتموا بجعل الوجود الجيد لبشر أعلى قيمة ، فهم ميزوا بين الرغبات أو الحاجات الذاتية ، والذي يؤدي اشباعهم للذة وقتية عابرة ، وبين الحاجات المترسخة في الطبيعة البشرية ، والذي يؤدي اشباعهم لنمو الإنسان ، وتكون وجود صحي . ولكن فروم يقول بأن المذهب الذي يقول بأن إشباع كل رغب للأنسان ، مثلما قال به ارستوبوس ، عاود الظهور في القرن السابع والثامن عشر ، فهذا المفهوم للذه ظهر ، عندما كف مفهوم ” الفائدة ” الذي كان سائد في القرون الوسطى وهذين القرنين ، يعني الفائدة للنفس ، وليس للجسد ، كما كان يعني في الكتاب المقدس ، ولدى سبينوزا ، وبات يعني الفائدة المادية ، والربح المالي ، في فترةً نهوض الطبقة الوسطى وتخلصها ليس من قيود الإقطاع السياسية فقط ، وإنما نزعها لكل روابطة للحب ، والتضامن ، والإيمان ، وبات الاهتمام ، فقط ، بالوجود لنفس والذات ، أي تمحور الوجد كله نحو الذات . فمثلاً ، لدى هوبز السعادة ، هي الانتقال من لذة لأخرى ، وليماتريه ، الفيلسوف الفرنسي ، فضل أيضاً تعاطي المخدرات لأنها ، على الأقل تعطي الوهم بالسعادة ، والماركيز دي ساد أقر بتعذيب الاخر بقصد ستخلص اللذة الجنسية . فهؤلاء المفكرين عاشوا في عهد الطبقة البرجوازي ، والتي أنتصرت أخيراً ، فما كان يمارس بشكل غير فلسفي من قبل الأرستقراطية ، اصبح النظرية والممارسة لطبقة البرجوازية . وبعد ذلك ولدت العديد من النظريات ، وفقاً لفروم بين محبذ للذة بشكل كامل ، كمذهب المنفعة ، وآخرى تحد من للذة المطلقة ، كما لدى كانط ، وماركس ، وثيودور . ويقول فروم ، بعد الحرب العالمية الثانية ، رجع للممارسة للذة المتطرفة . وهذا المذهب يتعارض مع مبدأ العمل المنضبط ، الذي كان سائد قبل هذه الفترة ، وكذلك مع الدعوة لكسل الكامل ، فمجرد العمل المنضبط والكامل ، والذي يُحد من ممارسة المتعة بشكل صارم ، يؤدي لجنون مثل البطالة الكاملة ، ولكن التوفيق بينهم ممكن . وهذين النموذجين ، تناسب مع فترات تاريخية ضرورية ، والرأسمالية في القرن العشرين قامت على الاستهلاك المفرط لسلع . بات من الواضح ، مما قيل حتى الآن ، أن مذهب اللذة المفرطة ، لا يقود إلى السعادة ، سوى نظرنا لهذه القضية من زواية نظرية تحليلة ، أو من ناحية المعلومات التجريبية ، لأنه يبدو لا ينسجم مع الطبيعة البشرية ، فقد بينت التجربة ، أن الركض وراء اللذة لم تؤد لقامت مجتمع معافئ وصحي ، بل نرى ان مجتمعاتنا التي جعلت من اللذة هدف لها ، هي مجتمعات أناس غير سعيدين ، يعيشون في وحدة ، وقلق ، وكأبة ، ولديهم نزعات تدميرية . وبعد هذا النمو في المجتمع البرجوازي ، لم تعد للذة تقتصر على النخبة والطبقات المرفهة ، وأنما في متناول شريحة واسعة من السكان ، وبينت هذه التجربة أن هذا المذهب ليس هو الطريق نحو المجتمع

السليم

(٨) اما الفرضية الثانية التي يفندها فروم ، من السعي وراء للذة المتطرفة بكل الطرق والاساليب ، فهي ؛ المقدمة السيكولوجية الثانية للمجتمع الصناعي ، أي السعي وراء الانانية الشخصية ، والجشع ، تؤدي في النهاية للانسجام والسلام ، وازدهار مصلحة كل فرد ، هي ، بنظر فروم ، خاطئة من الناحية النظريةً ، ومغالطة اثبت خطأها من المعلومات التجريبية ، فهذه المقولة التي روج لها من قبل أقتصادي واحد عظيم ، آدم سمث ، عدت حقيقة صحيحة ، في حين هناك ، الكثير الاقتصادين الكبار في نفس فترته رفضوها ، مثل دافيد ريكاردو ، ومن بعد رفضها ماركس . فأن تكون أناني ، يقول فروم ، لا تدل فقط على سلوك عابر ، وأنما شخصيتي تغدو أنانية كذلك . والتي تعني ، أن أريد كل شيء أن يكون لي ، ولا اقبل المشاركة . وأصبح جشع ، لكون هدفي يغدو التملك ، وكلما ملكت أريد المزيد والمزيد ، وأصبح عدائي ازاء الأخرين ، والمنافسين ، وحسود لمن يملك اكثر مني ، وأخف من يملك أقل مني ، ومع ذلك ، تراني ، مع هذا ، أتظاهر ، في الصداقة للآخرين ، والابتسامة على وجهي ، وتظاهر ، بلعقلانية ، والاخلاص ، ولكل يتظاهر بنفس ما أن تظاهر أنا به . ولذا فأن مطارد اللذة يقود للحروب طبقية ودولية لا نهاية لها . وحتى الشيوعية الي تعلن عن مذهبها يؤدي إلى اللغاء الطبقات والحروب الدولية ، هو مجرد وهم ، لأنهم جعلوا من مذهبم يقوم على الاستهلاك الغير محدود كهدف

للحياة .

(٩) وعليه ، بات ، بعد التطور لنظام الصناعي العالي ، لا يسأل ، كما يقول فروم ، ما هو مفيد الإنسان ، بل ما هو مفيد لنظام . وعد ما مفيد لنظام وحتى ، ولو ، لتكتل واحد من شركات مفيد لكل الناس ! وكل ما يطلب من أفراد المجتمع ، المزيد من الإنانية ، والجشع ، لكي يستمر النظام في النمو ، وهذا الخصال ، أي الأنانية ، والنزعة الفردية ، والجشع ، عدة من قبل البعض على أنها صفات وراثية في الانسان ، مترسخت فيه ، التي ساعدة النظام الصناعي على الازدهار ، في حين هي حسب فروم نتيجة ظروف اجتماعية ، وليس خصال وراثية . ولذلك ما يخلص أليه فروم ، بعد هذا العرض ، أنا نظامنا الاجتماعي يجعل منا مرضى ، وهذا سوف يؤدي إلى كارثة اقتصادية ما لم نغير نظامنا الاجتماعي . وأخيراً ، يقول ، أن من المؤلم ، أن المسؤولين والذين يتظاهرون في بذل جهود في الحيلولة دون الكارثة ، أنهم لا يفعلو شي على الإطلاق سوى عقد الاجتماعات وتاخذ القرارات الفارغة ، لكي بخدرو الأخرين ، ويتظاهرون أنهم في سبيل عمل شيء ما ، لمنع الكارثة ، ولكن في الحقيقة لا ينتج عن كل هذا شيء ، سوى أن الأزمة تتضاعف ، فلا أحد من هؤلاء ، الذين يتظاهرون في أنهم في سبيل عمل شيء ما ، من يعمل ضد مصلحته ، لأنهم كلهم جزء من النظام ، وكلهم يعد النظام خالد .

(٩) المفكر الأخير ، والذي هو توماس مان ، روائي ألماني كبير ، حاز على نوبل للاداب ، وهو معروف لقارئ العربي ، فقد ترجمت روايته اآل بنبروبك والجبل السحري ، والعديد من قصه لعربية . لرواية مسحة رمزية ، ورايات عدةً ما تسمى روايات إفكار ، فهو يتفلسف في كتابة ، ولذلك ، نجدة رواياته الكبيرة تناقش فمار كبرى ، مثل الحضارة والإيمان ، المرض والصحة ، الفرد والمجتمع ، وغيرها . فروايات ، الدكتور فاوست ، ويوسف وإخوته ، والجبل ، روايات صعبة وحافلة في الأفكار الفلسفية التي يصعب على القارى لاعتياد سبر غورها ناهيك تلخيص وتفسيرها ، لذلك ، حتى هو ، أي مان ، قال أن هذه الرواية تفهم يجب أن تقرأ مرتين . فهي قراأ واحدة ستكون مملة ومضجرة ، فهذا الرواية يتخللها المرض من البداية ، حتى النهاية ، ونحن نريد أن نفهم نوعية ذلك المرض ، هو روحي أم بدني ، لهذا اضطرننا في هذه الوقفة القصيرة مع توماس مان ، أن نبرز المواقف البارز فيها ، والتي تشير إلى الموقف السلبية التي يتخذها ضد المرض، أو الموقف المرضية التي يتخذها الناس ، ومن ثم ثؤثر مل المجتمع ، ولهذه سنقدم نظرة موجزة جداً لرواية من سبع مائة صفحة ، ليخبرونا عن نوع المرض الذي يتحدث عنه مؤلف الروايته .

(١٠) الرواية تبدأ في وصل هانز كاساتروب إلى المشفى الذي يقع في جبالا الالب السويسرية الرائعة ، لكي يزور عمه الذي طالت أقامته فيه ، وكان في نية هانز يزور عمه لمدة ثلاثة أسابيع ، لينتهز زيارته ليرفهة عن نفسه في تلك المنطقة الرائعة التي فيها المشفى السويسري ، فهو حديث التخرج من كلية الهندسة ، وشخصية عادية وعصامية . والنَّاس

الذين يأتون لهذه المنتجع أكثرهم مصابون بالسل الرئوي يقدمون لغرض الفحص السريع وزيارة ولكنهم كلهم تطول إقامتهم ، ويغدون في التالي غير قادرين على العيش في الاراضي الواطئة، وكلهم يصبحون مستعدون لعودة المشفئ ثانية ، إذا خرجوا . فهم يتكتيفون بسرعة مع جو المنتجع ويصبحون مرضى حقيقيون . فهانز ، حينما يفحص في المستشفى يجدون عليه أعراض مرض طفيفة ، لذلك تطول إقامته من ثلاثة أسابيع لسبع سنوات . وخلال هذه الإقامة يأخذ في تأمل ذاته ، فتلك الوحدة تفرض أن يقوم بتأملاتة فلسفية ، تستهوي النزلاء عادةً ، ثم يعززها ، بالنسبة لهانز ، وجود شخصيتين فلسفتين متعارضين في المشفى والذي يستمع أليهم ويدخل في نقاش معهم ، وهذين الشخصين ، فيلسوف أيطالي يؤمن بالعقل والتنوير ، يدعي هرى ستمبراين ، وهرى نافتا ، وهو متدين متعصب ، فهذا الجو المناقشات المحمومة ، كان يدعو توماس مان بالجو الكيماوي الساحر الذين يغير سكانه . فهذا الجو المرضي لمشفى يفرض نفسه على الكل ، والذي يعده بعض النقاد هو الذي مهد للحرب العالمية الثانية ، فقد استخدمه توماس مان كمجاز ليرمز به إلى الذي مهد للحرب العالمية الثانية ، فالرواية صدرة في ١٩٢٨ ، برغم من جو الرواية أكثر تعقيد وغنى ، من مجرد أشار للحرب القادمة ، فقد أراد أن يكشف عن حكمة عميقة في مصارعة المرض والموت . وصراع الظلام والنور ، حتى أننا نرى البطل يقر بوجود القوى المجهولة والظلامية ، ولذلك يحذرناً ، بأن لا نرفض وجود تلك القوى عقلانياً، وكذلك علينا أن لا نفتن بهم . فهناك مشاهد كثير تدل على لازدواج في الحياة تقوم على ، المرض والصحة ، الظلام والنور ، الصراع بين الخير والشر ، كلها ، نجدها لتدل على مرض الوجود ، والصراع بين القوى المتناقض فيه ، ففي أحد المرات ، بينما هانز يتمشى فوق الجبل السحري وقد أنهك المشي الصعود ، ويناول جرعة من خمر من قنينة كان يحملها بحقيقته ، يصاب بنشوة ، فتحدث له رؤية خيالية ، يرى فردوس عامر بالناس يفيضون جمال وأشرق تحت شمس بهية ، تعقبها رؤية جهنمية ، حيث يرى نساء تشبه الساحرات يقومن بتمزيق أطفال ويخاطبنه بلغة قاسية . هذا التناقضات التي تحفل بها رواية توماس مان تعزى لتأثر بكل من نيتشه وشوبنهاور . أما المشهد الآخر لديه ، فهو حينما يحضر مناقشة حادة بين الفيلسوف الايطالي التنوير والعقلاني ، والفيلسوف الديني المتزمت ، لحد يصل بينهما الجدل إلى المبارزة ، حينما يطلب المتزمت ، من فيلسوف التنوير بعد أن سفه وجهة نظر المتدين ، المبارزة ، فيوافق ، الايطالي المتنور على مضض ، وفِي يوم المبارز ، وحينما وقفا وجه لوجه ، وكانت ، بداية الإطلاق لفيلسوف المتنور ، ولكن هذا يطلق النار في الهوء بدل يوجه مسدسه نحو خصمه ، وعندئذ يغضب المتزمت ، ويطلب ، فيلسوف التنوير من خصمه أن يطلق النار على صدر الذي فتحه له ، ولكن المتزمت يرفض ، ويطلب منه ، أن يطلق مرة ثانية ، بيد أن الايطالي يرفض ، لذا يصرخ فيه المتزمت به ، ويقول له ، ” جبان ” ويطلق المتزمت النار على رأسه ، ويسقط صريع ، مما ، يدعو الفيلسوف الايطالي المتنور ، أن يغادر المشفى بعد ، أن قصى عشرين عام تقريباً، في المشفى لأنه تكيف لجو المشفى وأصبح فعلاً مريض ، وبات لا يمكنه العيش في العالم الخارجي . فكل أبطال ، أو نزلاء من هذا النوع يأتون أليه أصحاء ، أو عليهم أعراض المرض ولكنهم ينتهون أن يصبحوا مرضى فعلاً . فهذا التكيف مع المرض ، لكون مكان المرضى جذاب وساحر ، جبل سحري ، مثل مجتمع الوفرة ، لدى ماركوس ، والمجتمع المريض لدى فروم الذي يقوم على الاستهلاك ، ولكنه يجعل العلاقة بين أفراده تقوم على المنافسة ، والخداع ، والغش ، والاستحواذ ، وليس على علاقة أنسانية سوية تقوم على احترام ماهية الإنسان وجوده كأثمن رأسمال ، كما يقول ماركس . هذا الاغتراب ، عن الذات والاخرين، هو أيضا ما يكن لنا ملاحظته ، لدى كل المهاجرين والمبعتدين عن بلدهم ، وخصوصا ، أولئك الذين لم يتمكنوا من الاندماج في البلد الذي يعيشون فيه ، لعوامل كثير ، لغوية ، وأثنية ، وغيرها ، يعانون نفس المشكلة ، فهم يتكيفون مع جو المشفى ، الذي هو البلد ، يأتون اليه ، فيجدونه جو ساحر ، فيتكيفون له وجودين ، على حساب صحتهم النفسية والسقوط في المرض ، حيث يفقدون ، في البلد الذي حلوا فيه ، طابع العلاقة الاجتماعية الضرورية لهم ، التي هي ، رأس مال الإنسان ، وحينما يفقر رأس ماله لهذا الدرجة ، التي هي تقريباً لدرجة الصفر ، يصاب لا محاله بالمرض ، لان العقلاقات ، لا تعط ، وأنما هم عليهم أن يخلقوها بأنفسهم . فالغرب هو الجبل السحري ، الذي تأتي الناس له ، لكي ، تشفي من بعض الأعراض المرضية ولكنهم ينتهون في نهاية المطاف ، أن يكون مرضى نزلاء الجبل السحري الذي يجدون أنفسهم مسحورين فئة ، ويطيل أقامتهم فيه ، رغم الثمن الباهض الذين يدفعونه من صحتهم النفسية ، والجسدية فيما بعد ، تلك هي ثيمةً رواية الحبل السحري ، عند توماس مان !

هاني الحطاب

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close