المحطة الرابعة الفرزة الثانية

وفي نـفـس الـسـنـة الـتي تُـوفّـيـتْ بهـا آمـال سـافـرتْ أمّـي مـع والـدتـهـا الى إيــران لزيارة الامام الـرضا عـليه الـسلام كان

ذلكَ في صيف عام 1953 وأثـناء وجودهـن في إيـران حصل انـقـلابُ رئـيـسُ الـوزراء مُـصـدّق على الـشـاه محمـد

رضا بهـلوي حـيـث كان الـبهـلـوي في سَــفَـرٍ خارج إيـران وكان الانـقـلابُ أبـيـضًـا لم تحـدث فـيه إراقـة دمـاء وبـعـد

أيـامٍ فَـشِـلَ بـسـبـب إجـراءات رئـيـس الـوزراء مُـصـدَّق بـتـأمـيـم شـركات الـنِـفـط وهـذا هـو سـبـب ما عـانـاهُ العراق

ويُـعـانـيـهِ الـيـوم حـيـث لا تـتـرك شـركات الـنِـفـط الـبـلـدان إلّا خـرابـاً إذا مـا تـعـرضتْ مـصالـحـها للـخـطـر .

الـحـالــة كانـتْ مُـقْـلِـقـةً لـنـا جِــدّاً ولـيـس أمــام والـدي مـا يـسـتـطـيـع فـعــلـهُ فـتـركَ الامــر الى مُدبر الامـورِ ربِّ الـعـالـمـيـن

واسـتغـلَّ والــدي الـمـناسـبة لـيُـجـريَ بعض الـتحـسـينات على الـبـيـت فـكـشـف سـقـف الـحُـجـرتـيـن والـطـارمه

الـمـمـتـدّة معهما وزاد في رفع الـسـقـف وجـدد الاعـمـدة والـبـواري وهـي حُـصـران من قـصـب الـبـردي كل هـذا أجـراه

مع شـراء الـمـواد بالـدفـع الآجـل الى أصحابهـا بحيث كـلّـفـهُ أكـثر من مائـة وعـشـرين دينارًا وهـو مـبـلغ لا يُـسـتهان بـه

في ذلكَ الـزمـن ومـا زلـتُ أتذكـرُ أن أبي أرسـلـني مع إبـن عـمي سـعـيـد صـبـاحـاً الـى مواقع عـمل الطابوق وهي الـكُـوَر

وكانت مناطقها أمام مفرق الكوت / العمارة وهي الآن منطقـةٌ سـكنـيَّـةٌ، كان صاحب الكُورة يُدعى رحـيــم من

سـكـنة محـلـة الجـديـدة وهـو والـد كل من عـطـا سائق سياره وعـباس الموظف الذي كان زميلي بالمدرسة في

المتوسطة وهو قومي الاتجاه ثم تحول بعثــيًّا واخوهما الاصغر لا اتذكر اسمه .

توقع والـدي أن هـذا العمل سـيـفُـرحُ والـدتي عـنـد عـودتها من إيـران إلّا أن الـنـتـيجة جـاءت خلاف مـا تـوقـعـهـا

وتـطـورت الاحـداث بـيـن أبـي وأمّـي حـيـثُ كانـتْ أمّـي تـنـظر الى هـذا الـمبلغ الـذي صُـرِفَ عـلى الـبـيت مبلغًا مهدورًا

لـو أضاف لـه أبي مـبلغاً مثله لاشـتـرى بـيـتًـا خاصًّـا بـنـا وهـي نـظرة فـيها الكثير من العقلانيه والوعي ولكن والدي

لم يُـفكر أكثر من كونه مسـكننا الآن وهـو يحتاج الى هذه ألإضافات ولا بُـدَّ من عـملها أخـذ الخلاف بُعـدًا آخرًا

وهـو زعـل والـدتي وذهـابها لبـيـت جـدي الحاج حـمادي وهذا زاد في الطـيـن بـلّـةً وبعد أيام أخذني أبي في ظهـيرة

ذلكَ الصيـف معـه الى الـسـوق وتوقـف عـنـد باب دُكان قَـمّاش وتكلم مع الـرجل فَهـبَّ ذلكَ الرجـل في وجـهه

يصيح ولك هـذي بـنت حجي حـمـادي ثـم طـرد أبـي إلّا أنّـي لـم أفـهـم الـمـقـصـود أمّا أبـي فذهـب الـى دكان

لشـخـصٍ آخــر ولـم يـسـتجـب لطلـبـهِ معتذرًا إلّا أنّ أبـي عـــاد أدراجَـهُ مـتوجهاً الى شخص يـبـيع الـفحم وهـو الـمُـلّـه

هـوبـي إبن عـم الـمُـلّـه إسـماعـيل جـيران بـيـت جـدّي حـمـادي فـما كان من الـمـلّـه هـوبي إلّا أن كـتب ورقـةً ثم

طـواها وأعـطاها الى والـدي وأنا لا أفهـم ما في هـذه الـورقة ثـمّ أعـطانـيها والـدي وقال سَـلّـم الـورقـةَ الى والـدتـكَ

رجـعـتُ وأبـي من الـسـوق الى أن وصلـنـا الى مـفـتـرق طـريـق عند عـقـد العـلوة ومنه افترقنا فاتجهتُ الى بـيـت

جـدي واتجه والـدي الى إحـدى الـمـقاهي الواقعه على شــارع الـشــط.

دخلتُ بـيـتَ جدي وسَـلّـمـتُ الــورقــةَ الى والـدتي فـأخـذتـها ودخـلـت حِـجـرةَ والدتها وما هي إلّا دقائق حتى

سـمعـتُ بـكاءَ والدتي وكلامًا ولَغَـطاً لم أميزهُ ولـم أتَـبـيـنُ مـا مغـزاهُ ثـم سـكتَ الجـميع وخرجتْ والـدتي لـتـقـولَ :

لي روح يُـمّـه إلعـب فخـرجتُ ولـم أعـرف مـا محتوى الـورقـة .

إسـتـمرّ زعـل والـدتي طويلاً لا أسـتطيع تـحـديـد مُـدّتِـه قـد يكون شـهرين أو أكثر وكالعـادة في إحـدى زياراتي لها في

بـيـت جـدي عـنـد الـعصـر وقـفـتُ في صحـن الـدار حتى تـخـرجَ أمّـي من الـحُـجـرة وعـنـد خـروجـهـا وقـفـت أمـامي فـي

الطـارمـة وكان وجـهـهـا حزيـناً والى جـوارهـا إمـرأةٌ لا أتـذكرهـا تـتـكلم معها عـنّي وعـن وضع اخـوتي الـذي تـغـيـر بالـرغـم

من وجود عـمتي خميـسه زوجة عـمي عـسـاف الـتي تُـديـرُ شـأن الـبـيـت من طـبخ وتـنـظـيـف كـانـتْ تلك الـمـرأةُ

تـضـربُ عـلى وتـر العـاطـفـة ثم خـرجـتُ من بـيـت جـدّي لألعـب ومـا هـي إلّا أيـام وتـعـودُ والـدتي الى بـيـتـنـا بعد أن

وضعت شروطًا للعودة مع أبي فعـادت الاشـراقـة الى بيتنا بـعـودتـهـا .

مَـرّتْ هـذه الخاطرة على بـالي ولـم يـتحـدث بـها أحـد وتَـوضّح لي لماذا كانـت أمّـي تـبـغـض الـمُـلا هـوبـي في حـيـن لـم

يـفـعـل الـرجـل أكـثـر من إسـتجـابـتـهِ لطـلـب شـرعي قـام بـه لأنها تـتـوقـع أن الـنـاس الـذيـن يعـرفـون والـــدها ســيـقـفـون

بـوجـه أبـي ويردونه كما فعل الـقـمّـاش الـسـيـد حـسـيـن الـطـبـاطـبـائـي وكما فعل صاحـب الــدكــان الـثاني وهـذا

الـتوقع مِـنْ أمّـي غـيـر صحيحٍ لأن أبـي سـيواصل البحث حتى يـجـد مَـنْ يـكـتـب تلك الـورقَـةَ الـمهـم أصـبح

الـمـوضوع لأبـي درسًـا وأصبح لــنـا مجرد ذكـرى لـمـاضٍ مِـنـهُ نـسـتـفـيـد .

*************************************************

الدنمارك / كوبنهاجن الجمعة في 3 / نيسان / 2020

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close