تأريخ الشيعة في مصر حلقة، 13، وحلقة 14 وحلقة 15،

الدكتور صالح الورداني

تأريخ الشيعة في مصر الحلقة (13)
————–
اتجهت أبصار الأيوبيون بعد القضاء على الفاطميين نحو الصعيد حيث لا تزال مظاهر التشيع فيه باقية والشعائر فيه حية ظاهرة فقرروا غزوه..
وكان سلاحهم في هذا الغزو يعتمد على الصوفية ثم على المذاهب..
كان التصوف آداة الأيوببين في تصفية التشيع وتحويل المصريين عنه..
وآداتهم أيضاً في نشر مذهب مالك والشافعي بين المصريين وأهل الصعيد خاصة..
من هنا بدأت حركة توريد التصوف إلى الصعيد..
وكان التركيز في البداية على مدينة قوص التي كانت حاضرة الصعيد ومركز التشيع فيه..
واستمر المماليك على هذه السياسة من بعدهم..
كانت المرحلة الأيوبية هى بداية ظهور التصوف والمذاهب في مصر..
وكانت المرحلة المملوكية هى مرحلة استثمارها..
أما البداية فكانت مع الخبوشاني الشافعي الصوفي..
ثم مع تلاميذ السلفي..
ثم مع عبد الرحيم القنائي..
ثم مع تلميذه ابن الصباغ..
ثم مع ابن دقيق العيد الشافعي وأولاده..
ثم مع الادفوي..
وهؤلاء وغيرهم عدا الخبوشاني تم توجيههم نحو الصعيد ليستوطنوه ويبذروا بذرتهم فيه..
ويرصد لنا التأريخ حركة توافد عناصر التصوف على الصعيد من بلاد المغرب خاصة وتحولهم إلى رموز هناك..
ولعبت الشائعات والأساطير دوراً كبيراً في نسج الكرامات والمعجزات حولهم..
وقد ساعد هؤلاء أن العديد منهم يدعون الانتساب لذرية رسول الله (ص)..
وكان تبني الصوفية لشعار أهل البيت هو المدخل لجذب المصريين وتمرير عقائد أهل السنة، وهو شعار لا يشكل خطورة على القوى الحاكمة..
والطرق الصوفية التي برزت فيما بعد تبنت المذاهب الأربعة والتزمت بها ، مع استمرارها في رفع شعار أهل البيت، وبذلك حققت هدف الحكام بإدخال المصريين في دائرة المذاهب وسحبها من التشيع..
قال الأدفوي في ترجمة عبد الرحيم القنائي: وهو شيخ مشايخ الإسلام وإمام العارفين الأعلام، وصل من المغرب وأقام بمكة سبع سنين، ثم قدم قنا من عمل قوص فأقام بها سنين كثيرة إلى حين وفاته، وتزوج بها وولد له بها أولاد..
اغترفوا من بحر علمه وفضله وانتفعوا ببركاته، وأشرقت أنوار قلوبهم لما دخلوا في خلواته..
اتفق أهل زمانه على أنه القطب المشار إليه، والمعول في الطريق إليه..
وكراماته مستغنية عن التعريف، تكثر عن أن يسعها تأليف..
توفي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة[ انظر الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد حرف العين ترجمة رقم230
]..
وقال في ترجمة علي بن حميد الصباغ تلميذ القنائي: شيخ الدهر بلا منازع وواحد العصر بلا مدافع ، صاحب المعارف والعوارف واللطائف والظرائف والمناقب المأثورة والكرامات المشهورة، ذو علم وعمل وطريق لاخبل فيه ولا خلل، سر الشيخ عبد الرحيم، وهو أحد مشايخ الإقليم، له أصحاب كالبدور، والاتفاق على أنه القطب الذي عليه المعارف في زمنه تدور، وأنه له تصرف وتمكن، وتضلع في المكارم وتيقن،
وهو الذي اختص في زمنه بهذه الطرائق ، ودارت عليه الحقائق، وانتفع ببركاته الخلائق..
وكان من أصحابه ابن دقيق العيد..
توفى سنة ثلاث عشرة وستمائة ودفن تحت رجلي شيخه القنائي[ انظر المرجع السابق ترجمة رقم299]
وقال في ترجمة ابن دقيق العيد: أتى إلى الصعيد في طالع لأهله سعيد فتمت عليهم بركاته وعمتهم علومه ودعواته، وكان مذهب الشيعة فاشياً قي ذلك الإقليم ، فأجرى مذهب السنة على أسلوب حكيم، وزال الرفض وانجاب ، و ثبت الحق حتى لم يبق فيه شك ولا ارتياب..
وقد خلف الكثير من التلاميذ ، وكان يسعى لهم في الدولة لتولي المناصب[ انظر المرجع السابق ترجمة رقم331، وقد ترجم الأدفوي لأكثر من مائة ممن أخذوا عن ابن دقيق العيد بالصعيد..
وقال في ولده تقي الدين: حدث بقوص ومصر وسمع منه الخلق الكثير..
له كتاب الإلمام جامع أحاديث الأحكام، جزم البعض أنه ما وضع في هذا الفن مثله..
وقال فيه ابن تيمية : هو كتاب الإسلام..
وأخبرنا شيخنا العلامة علاء الدين القونوي أنه كان يعطيه في كثير من الأوقات الدراهم والذهب…
وحكى الشيخ نجم الدين البلسي أنه حضر عنده وتكلم، فأرسل إليه مائتي درهم وولاه النيابة بمصر..
وكان له نصيب مما ينسب إلى الصالحين من الكرامات..
تولى القضاء في آخر عمره وذاق من حلوه ومره، وحط ذلك عند أهل المعارف والأقدار من علو قدره[ انظر المرجع السابق حرف الميم ترجمة رقم 463، وقد تولى القضاء بعده ولده طلحة وولده علي ناب في الحكم بالقاهرة بأمر من الخليفة أبي العباس أحمد العباسي، وتوفي في القاهرة سنة ستة عشر وسبعمائة..}
وقد تولى القضاء بعده ولده طلحة وولده علي ناب في الحكم بالقاهرة بأمر من الخليفة أبي العباس أحمد العباسي، وتوفي في القاهرة سنة ستة عشر وسبعمائة..
وعاصر ابن دقيق العيد دولتي الأيوبيين والمماليك، وشهد مذهبي الشيعة والسنة وهما يتصارعان، فوقف وسط المعركة قائداً باسلاً مظفراً ، يناضل عن السنة ويرفع لوائها ويعلي كلمتها، ويحارب المذهب الشيعي الذي يميل نحو الانحراف، ويسدد من سهام حجته على معاقل الشيعة ما أخرص ألسنتها وأزهق باطلها..
ولما بنى النجيب بن هبة حاكم قوص مدرسته الكبيرة بقوص والتي سميت بالمدرسة النجيبية، وذلك لدراسة الحديث والفقه على المذاهب الأربعة، ولتعمل على محارية المذهب الشيعي، وتخرج علماء يعملون لنشر المذهب السني في البلاد، في ذلك الوقت قد لمع اسم ابن دقيق العيد في ربوع الصعيد ، واشتهر كأكبر عالم في رواية الحديث والفتوى ، ومن المناضلين في محاربة المذهب الشيعي ، والعاملين بإخلاص على نشر المذهب السني..
حينئذ أشار الإمام أبو الحسن علي بن الصباغ والشيخ مفرج الدماميني على والي قوص أن يبذل مساعيه ، ويحضر إلى قوص ابن دقيق العيد من منفلوط ليتولى التدريس بالمدرسة النجيبية ، لينتفع بعلمه وبجهده في محاربة المذهب الشيعي ، ونشر المذهب السني في إقليم قوص، ولهذا جاء شيخ العلماء ليجاهد في سبيل الله بعلمه في محيط واسع[ انظر علي بن دقيق العيد شيخ علماء الصعيد ط القاهرة عام 1966]..
انظر علي بن دقيق العيد شيخ علماء الصعيد ط القاهرة عام 1966م
وقال الأدفوي في ترجمة عبد الرحمن الدشناوي: تفقه على مذهب الشافعي ، وأعاد بالمدرسة النجمية بقوص ، وناب في الحكم عن قاضي عيذاب..
توفى سنة ثمانى عشرة وسبعمائة[ انظر الطالع السعيد ترجمة رقم 229]
وقال في ترجمة عبد الرحيم الأرمنتي: كان فقيهاً شافعياً، وقصد أن يكون خطيباً في بلده فنوزع ، وتولى الحكم بالأعمال القوصية[ انظر المرجع السابق ترجمة رقم 234]
وقال في ترجمة عبد الرحيم الأسنائي: كان من الفقهاء الصالحين وتولى الحكم بأرمنت وأدفو وبهو وقمولا ودشنا وفاو..
توفي بدمشق سنة خمس وعشرين وستمائة[ انظر المرجع السابق ترجمة رقم 239]..
وقال في ترجمة محمد بن يوسف العطار: سمع الحديث من عبد الوهاب بن عساكر والشيخ تقي الدين القشيري وجماعة، وكان من الفقهاء الشافعية الأخيار القضاة الحكام، تولى فرجوط وسمهود وغير ذلك ،توفي سنة سبع وثمانين وستمائة[ انظر المرجع السابق ترجمة رقم392]..
انظر المرجع السابق ترجمة رقم392
والملفت أنه رغم هذه القيمة العالية التي يؤكدها المترجمون لهؤلاء ويعدون بعضهم أقطاباً، لا تجد لهم بصمة بارزة في مجال العلم والواقع، فقط بصمتهم في مجال مذاهبهم والحكم والرياسة والكرامات المشكوك في أمرها..
وكيف لمثل هؤلاء أن تفوتهم حقيقة أهل البيت وعلومهم..؟
وكيف للمؤرخين والمترجمين أن يضعوهم في هذا الموضع الذي لم يضع أئمة أهل البيت أنفسهم فيه..؟
وكيف للقنائي لم تبرز كراماته إلا بعد وفاته..؟
وهذا كله يضع أمثال هؤلاء في دائرة الشك..
والظاهر أنهم كانوا أدوات للمتربصين بالتشيع وأهل البيت..
والظاهر أيضاً أنه تم دعمهم بصورة ملحوظة..
يرى جان كلود جارسان في كتابه ازدهار وانهيار حاضرة مصرية: قوص، ترجمة بشير السباعي ط القاهرة عام1997م: أن النهضة السنية في مصر بدأت تتهيأ على يد السلفي وتلاميذه ، وعلى رأسهم ناصر بن أبي الفتوح الذي استقر بقوص ومات فيها عام 565ه واعتبر من الأولياء..
ثم استقر صالح الأنماطي النحوي في قفط وأعجب به والي المدينة ليتولى التدريس في مسجدها حتى وفاته في عام 593ه..
وفي قفط استقر تلميذ آخر للسلفي وهو العالم النحوي شيث بن إبراهيم المالكي وكان معلماً لأبناء شاور والي قوص في أيام الفاطميين ، ثم لما سقطت الدولة الفاطمية ألف كتاباً لصلاح الدين ولاقى الدعم من حكومة الأيوبيين، إلا أنه غادر قوص لعدم قدرته على التعايش مع الشيعة واستقر بقنا وتولى التدريس فيها حتى مات في عام 598 ه..
وقنا تدين جزئياً بازدهارها الجديد إلى الهيبة التي اكتسبتها من الأولياء المغاربة- الزهاد والمتصوفة- الذين استقروا فيها وماتوا ودفنوا بها لتصبح مزاراً..
وكان هؤلاء الزهاد والمتصوفة يتميزون بنزعتهم السنية ، وعن طريقهم انتشر الإصلاح السني بين صفوف الشعب..
ثم تحدث عن دور القنائي وتلميذه الصباغ وإبراهيم بن أبي الدنيا الذي عاش حتى عام ه 656 ..
وقال: يجب أن نضيف إلى جانب الزهاد فقهاء المدينة الشرعيين ،الذين عرف بعضهم بورعهم وصدقاتهم والاحترام الذي كانوا يكنونه للمتصوفة ،الذين كانوا يطلبون منهم توجيهاً روحياً، محققين بذلك الانسجام السني المنشود..
في هذا العصر الذهبي للهيمنة الأيوبية، كان تأثير قنا بالغ الأهمية بالنسبة لاستعادة الإسلام السني..
وقنا هى المركز الديني الأول والأهم الذي لولا وجوده لتعذر لهم استعادة السنية في مصر..
وهكذا فإن النهضة السنية في الصعيد قد واصلت نهل الزاد بشكل مباشر أوغير مباشر من المصدر الغربي (المغاربة) نفسه..
ويشير جان إلى أن قوص كان لها أساتذتها وفقهاؤها الشرعيون المدافعون الأكثر صرامة عن السنة..
إن عودة مصر إلى الاندراج في العالم السني وحالات الرحيل غير النهائية في أغلب الأحيان نحو مراكز الدراسة في الشرق، وحالات مرور الرحالة المشهورين بمعارفهم وبسنيتهم، كان لابد لها من أن تؤدي في المدى البعيد إلى أن تتشكل في الصعيد من جديد نخبة مسلمة تعد في آن واحد متعلمة ومخلصة للسنة..
إلا أنه من المؤكد أيضاً أن إعادة التشكل هذه لا تتم بسرعة واحدة في مدن الوادي المختلفة، وأنه كانت هناك مواقع مقاومة لهذه الحركة[ انظر ازدهار وانهيار حاضرة مصرية: قوص، ترجمة بشير السباعي ط القاهرة عام1997]..
وهكذا سادت الصوفية مصر وأصبحت التيار الإسلامي الأول فيها على حساب أهل البيت وبدونهم ما كان لها وجود ولا ذكر..
ولا تزال مصر بفضل هذا الحب الكامن في نفوس الجماهير لأهل البيت- والذي يعد أهم المعالم الشيعية الباقية- تقف سداً منيعاً في مواجهة خط السلفيين الوهابيين المخاصم لأهل البيت في الوقت الحاضر..
ولقد وجد المتربصون صعوية شديدة في اسئصال التشيع من قلوب المصريين فاخترعوا معجون عبارة عن خليط بين الصحابة واهل البيت وروجوا له بدعم من الحكام..
وتم استيراد العديد من الرموز لتوطين هذا المعتقد..
وكان الاستيراد من المغرب والشام..
وتينت الطرق الصوفية هذا المعجون وساد التصور السنى منذ ذلك الحين
واصبحت رايات الطرق الصوفية تتبنى شعار اهل البيت مع عقيدة الرباعية- ابوبكر عمر عثمان علي- التى لادليل لها وساذ هذا الموروث واقع المسلمين
من هنا اصبحنا نرى الطرق الصوفية تحمل رايات تسير بها في الطرقات اثناء الاحتفال بالمناسبات الخاصة بأهل البيت مكتوب عليها (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ..) وحول الآية كتب اسماء الاربعة: ابوبكر عمر عثمان علي
الحلقة الرابعة عشر

تأريخ الشيعة في مصر (14)
————–
هناك عدد من المدن في مصر برز التشيع فيها وارتبط بها دون غيرها من مدن مصر ..
ولعل السبب في ذلك يعود إلى هجرات الطالبيين أو العلويين إلى هذه المدن أو يعود إلى وجود عدد من دعاة التشيع الذين استقروا بها..
وكانت قوص مركز الحكم في الصعيد طوال العصر الفاطمي مما جعلها مركز التشيع أيضاً..
قال جان كلود: إن البلد – الصعيد- يدين للفاطميين بازدهار بينما تدين لهم قوص بثروتها، وإذا كان قدر من التسامح النسبي من جانب السلطة الشيعية قد سمح باستمرار وجود أوساط من القضاة السنيين، عامرة بحيوية جديدة من جهة أخرى في هذا القرن السادس، فإن شيعية رائجة لم تكن أقل اتساعاً في الانتشار بين السكان، وهى شيعية مستنيرة يتمسك بها مسلمون متعلمون ، أو تعلق شعبي بالأسر العلوية المستقرة في الإقليم..
والحال أن المؤرخين المسلمين السنة اللاحقين قد التزموا التستر على هذا الواقع..
وعلى الرغم من كون الفاطميين أجانب ، فإنهم بحكم قوةالأشياء يظهرون بوصفهم (المصريون) في وجه صلاح الدين، أما القوات السنية فهى (الأكراد) او الغز جنود شيركوه التي ربما كانت قوص قد واصلت سد أبوابها في وجوههم في عام 562ه
[ نظر ازدهار وانهيار حاضرة مصرية..]..
قال المقريزي في المواعظ والاعتبار ج 1ذكر مدينة قوص: اعلم: أنّ قوص أعظم مدائن الصعيد..
وقال الحميري في الروض المعطار في خبر الأقطار: قوص مدينة كبيرة في البلاد المصرية في الجهة الشرقية من النيل وهي كبيرة بها منبر وأسواق جامعة وتجارات ودخل وخرج، والمسافر إليها كثير والبضاعات نافقة والمكاسب رائجة والبركات ظاهرة..[ انظر الروض المعطار في خبر الأقطار..]..
وقال الأدفوي في الطالع السعيد المقدمة عن مدينة أسوان: ولما كانت البلاد للعبيديين غلب على أهلها التشيع، وكان بها قديما أيضاً، وقد قل ذلك واضمحل ولله الحمد والمنة..
وقال عن مدينة أدفو: وكان التشيع بها فاشياً، وأهلها طائفتان: الإسماعيلية والإمامية، ثم ضعف حتى لا يكاد ينبذ به إلا أشخاص قليلة جداً..
وقال عن مدينة إسنا: وكان التشيع بها فاشياً والرفض بها ماشياً فجف حتى خف ونزل بها الشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي فزال بسببه كثير من ذلك ، وهدى الله على يديه خلقا كثيراً..
وأسفون أيضا بلدة معروفة بالتشيع الشنع لكنه جف بها وقل..
وأرمنت كان أيضاً التشيع بها كثيراً فقل وفقد..
وقال الشريف الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ج1 ، الجزء الرابع من الإقليم الثاني: ومدينة قفط متباعدة عن ضفة النيل من الجهة الشرقية وأهلها شيعة وهي مدينة جامعة متحضرة[ انظر نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ج1 الجزء الرابع من الإقليم الثاني..]..
وجنوب مصر بمدنه أسوان واسنا وادفو وأرمنت وقفط كان مركزاً للتشيع حتى ولا تزال به بقايا تشيع حتى اليوم..
حيث كان الجنوب ملجأ للشيعة الفارين من وجه الأمويين والعباسيين والأيوبيين والمماليك فيما بعد..
وكان وجود الصالح طلائع كوال للصعيد من قبل الفاطميين قد أسهم إلى حد كبير في نشر التشيع بين ربوعه..
والمدن الشيعية بالصعيد هي التي فجرت الثورات ضد صلاح الدين كما فجرت ثورات أخرى ضد المماليك والعثمانيين..
وعلى الرغم من وجود الدولة الفاطمية في مصر وسيطرتها على كل ربوعها شمالها وجنوبها لا نجد أثرا بارزا للتشيع في مناطق الوجه البحري ( الشمال )..
وربما يكمن السبب في هذا إلى أن الهجرات العربية إلى مصر استقرت في الجنوب وتمركزت به..
وأن الشمال حتى ذلك الوقت كان يتكون من أخلاط الناس ممن أصولهم غير عربية..
وقد كانت هناك أماكن ومدن في مصر موقوفة على العلويين..
وذكر ياقوت في معجم البلدان ج4 باب القاف والفاء وما يليهما : أن مدينة قفط كانت وقفاً على العلويين من أيام الإمام علي..
وكان في القاهرة تجمعات شيعية تقل وتكثر حسب أحوال الزمان في حي الحسين وكانت أغبلها من الشيعة الوافدين إلى مصر بهدف الاستقرار فيها ، والذين كانوا يأتون من الشام وبلاد فارس والعراق وغيرها..
ولا تزال لهذه العائلات بقايا في مصر حتى اليوم . .
روي زكي مبارك في الخطط التوفيقية: أن الأعاجم من الشيعة كانوا يفضلون السكن بالقرب من المشهد الحسيني ،ويتظاهرون في مولده بالزينة الفاخرة والولائم العظيمة ويحزنون عليه حزنهم المشهور ، ويجتمعون في منزل يتخذونه لذلك ويخطب أحدهم بالفارسية شعر رثاء آل البيت..
وقد استمرت مواكب الشيعة احتفالاً بذكرى عاشوراء حتى فترة قريبة ،ويبدو أن هذه المواكب من بقايا العهد العثماني الذي أتيحت في أواخره فرصة لبروز شيعي وإن كان محدوداً..
والأعاجم الذين ذكرهم زكي مبارك هم الفرس الشيعة الذين توافدوا على مصر في زمانه واستمر وجودهم فيها حتى اليوم..
وكانت زوجة عبد الناصر تنتمي لاحد هذه العائلات..
وكان الأشراف متواجدون في مصر من قبل ظهور الدولة الفاطمية ولهم أنشطتهم المشروعة والمعترف بها من قبل حكومات الولاة المتعاقبة على مصر..
ولم تكن أنشطة الأشراف هذه لها صلة بالسياسة إنما كانت أنشطة تقليدية هدفها تدبير أمور الأشراف والدفاع عن مصالحهم ورعايتهم من قبل نقيب يمثلهم كما هو حال أعيان المجتمع المصري وطوائفه آنذاك..
قال القلقشندي في صبح الأعشى ج‍ 3 الجملة الرابعة في ذكر أرباب الوظائف بالدولة الفاطمية : نقابة الأشراف أو نقابة الطالبيين لا يكون نقيبها إلا من شيوخ هذه الطائفة وأجلهم قدراً ، وله التصرف في أمورهم وحمايتهم من الأدعياء وعيادة مرضاهم والسير في جنائزهم وقضاء حوائجهم . ولا يقطع أمراً من الأمور المتعلقة بهم إلا بموافقة شيخهم..
وجاء في إتعاظ الحنفا ج3 ذكر طرف من ترتيب الدولة الفاطمية: وكان لنقيب الأشراف اثنا عشر نقيباً ويخلع عليه ، فيسير بالطبل والبوق والجنود مثل الأمراء ،وله ديوان ومشارف وعامل ونائب وجارية في الشهر عشرون ديناراً ،ولمشارف ديوانه عشرة دنانير ،ولنائبه في النقابة ثمانية دنانير وللعامل خمسة دنانير..
وجاء في الحاوي للفتاوي للسيوطى : هناك بركة ماء بمصر تعرف ببركة الحبش ، وكان ماء النيل يغرقها في موسم الفيضان ، ثم تزرع بعد زوال الماء منها ، وقد أوقفت أراضي هذه البركة على الأشراف ، أوقفها على الأشراف من ولد علي بن أبي طالب من فاطمة طلائع بن زريك وزير الفائز والعاضد من الخلفاء الفاطميين..
قال السيوطي : إن اسم الشريف كان يطلق في الصدر الأول على كل من كان من أهل البيت العلوي أو العباسي ،فلما ولى الفاطميون مصر قصروا اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين فقط فاستمر ذلك بمصر إلى الآن اى حتى عصر السيوطى [ انظر الحاوي للفتاوي]..
واستمرت نقابة الأشراف في مصر طوال تلك العصور، إلا أنها في بعض فترات هذه العصور وأمام بعض الأحداث التي مرت بالساحة المصرية ،برز للنقابة دور على الساحة السياسية في ظل نقيب الأشراف في زمانه السيد عمر مكرم ،الذي قاد عدة انتفاضات شعبية ضد الفرنسيين حين دخلوا مصر وضد الانجليز حين قادوا حملة عام 1807 م ،وضد ولاة العثمانيين عام 1805 م..
وتمكن من الإطاحة بأحمد خورشيد باشا الوالي العثماني وتولية محمد علي مكانة انظر تأريخ الحبرتي وعمر مكرم بطل المقاومة الشعبية سلسلة أعلام العرب عدد رقم 67
ومن أعلام الأشراف أحمد عرابي الذي ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم..
وعبد الله النديم ومحمد كريم ورفاعة الطهطاوي..
وقد استمرت نقابة الأشراف حتى عهد عبد الناصر حيث قطعت الدولة الرواتب التي كانت تعطى للأشراف ، ثم عاودت نشاطها في عهد اللامبارك..
وينتشر الأشراف اليوم في صعيد مصر وفي شمالها وهناك بلدة في الجنوب تسمى ” الأشراف ” مما يشير إلى الهجرات الطالبية والشيعية لجنوب مصر..
والأشراف في الأصل هم من شيعة أهل البيت الذين وفدوا إلى مصر ،وقد انصهروا في المجتمع السني بفعل ضغوط سياسية واجتماعية ،ولا يزال بعضهم يتمسك بالتشيع
وقد تم اختراق الأشراف في عصور عديدة من قبل عناصر مدفوعة من قبل الحكومات وأخرى تبحث عن القيمة ولا صلة لها بالنسب..
روى المقريزي في أحداث عام 756 ه‍ في السلوك لمعرفة دول الملوك ج 3: أنه في خامس عشر جمادى الآخرة قطعت يد الشريف المزور وضرب أصحابه بالمقارع وشهروا ، وكان في التزوير ومحاكاة الخطوط عجباً وسجن بسبب ذلك مراراً..
وروى ابن حجر في إنباء الغمر ج1 حوادث سنة أربع وسبعين وسبعمائة: وفيها عزل الشريف فخر الدين من نقابة الأشراف بسبب ما أنهاه الشريف بدر الدين حسن النسابة أنه يرتشى ممن ليس بشريف، فيلبسه العلامة الخضراء..
و لايزال لكثير من أعيان الشيعة آثارهم الباقية حتى اليوم ولا زالوا يلقوا بظلالهم على الحاضر ومشاهدهم المعروفة التي تهفو إليها قلوب الناس..
وهم لا زالوا يلقون بظلالهم على الحاضر ولا تزال آثارهم ويصماتهم واضحة على تأريخ مصر وواقعها..
وليس الاحتفاء بهم وإحياء مناسباتهم إلا دليلاً على كونهم لا يزالوا يعيشون في وجدان وقلوب المصريين..
ومن أبرز أعيان الشيعة في مصر محمد بن أبي بكر ربيب الإمام علي الذي تزوج بأمه أسماء بنت عميس بعد وفاة أبي بكر..
وكان مولده في حجة الوداع وأمه هي أسماء بنت عميس الخثعمية..
ومالك الأشتر النخعي الساعد الأيمن للإمام علي وسيفه البتار..
والسيدة زينب بنت علي التي دخلت مصر في أول شعبان عام 61 ه‍ بعد مضي حوالي نصف عام على مذبحة كربلاء..
وبقيت في مصر موضع إجلال المصريين وتقديرهم حتى توفيت في العام التالي أي في عام 62 ه‍ ودفنت في موضع إقامتها في دار الوالي[ انظر المواعظ والاعتبار ج 4ذكر المشاهد التي يتبرّك الناس بزيارتها مشهد زين العابدين..]..
وكان المصريون يفدون إليها يلتمسون البركة والدعاء وسماع أحاديث جدها ( ص) وكانت كثيرة العبادة وافرة العلم زاهدة فصيحة اللسان..
وقيل إن فاطمة بنت الحسين كانت بصحبتها حين قدومها لمصر ، وقد توفيت فيها ومرقدها معروف باسم مرقد فاطمة النبوية في مسجد يحمل اسمها ، وكانت بصحبتها أيضا السيدة سكينة..
والسيدة نفيسة بنت الحسن التىى لم تكشف لنا كتب التاريخ الدوافع التي أدت بقدومها مع زوجها إلى مصر..
هل هي دوافع سياسية ناتجة من الضغوظ التي كان يواجهها أهل البيت من قبل القوى الحاكمة..؟
أم أن هناك دوافع أخرى . . ؟
ولا تعنينا هنا الإجابة على هذا السؤال ، وقد أجمع المؤرخون على أنها وصلت مصر وهذا ما يشهد به العامة والخاصة..
واذا كانت العديد من المصادر قد أشارت الى تتلمذ الشافعى على بد السيدة نفيسة التي لقبوها بنفيسة العلم..
الا ان هذه المصادر لم تخبرنا من اين اتت بهذا العلم وهل تتلمذت على يد احد..
والجواب هو انها استقت هذا العلم من اهل البيت..
توفيت عام 208 ه‍ ودفنت في منزلها الذي هو قبرها الآن..
و بدر الدين الجمالي الذي ينسب اليه حي الجمالية بالقاهرة القديمة وهو أرمني الجنسية
وكان والي عكا أيام الخليفة الظاهر وتولى الوزارة أيام المستنصر.
وَلَمَّا مَاتَ بَدْرٌ قَامَ بِمَا كَانَ إِلَيْهِ ابْنُهُ الْأَفْضَلُ..
وكان الأفضل كوالده على مذهب الشيعة الإمامية وليس على مذهب الشيعة الإسماعيليين مذهب الدولة ورجال الحكم آنذاك..
وهو الذي قام بتنصيب المستعلي وقتل على يد الاسماعيليين كما ذكرنا فيما سبق..
وللأفضل مواقف جهادية ضد الصليبيين وقد تمكن من انتزع عدة مدن شامية من أيديهم ، وكان يدعم بصورة مستمرة مدن الشام المهددة من الصليبيين بالمؤن والذخائر وتسيير الأسطول المصري إليها كلما اقتضت الحاجة..
والأفضل هذا هو الذي قام بإعمار مشهد رأس الحسين في عسقلان بالشام قبل أن يتم إحضاره إلى مصر عام 548 ه‍ كما ذكرت بعض المصادر..
وطلائع بن زريك وزير العاضد الذى تحدثنا عنه سابقا..
كان أهل العلم يفدون إليه من سائر البلاد فلا يخيب أمل قاصد منهم ، كما كان يحمل كل عام إلى أهل الحرمين من الأشراف سائر ما يحتاجون إليه من الكسوة وغيرها..
ويعود الفضل في نشر مذهب الشيعة بصعيد مصر وفي بقاع أخرى من أنحاء البلاد إلى طلائع بن زريك ، وقد أظهر المذهب الإمامي حين وصل إلى الحكم مخالفاً بذلك مذهب الدولة الإسماعيلي..
وقد حزن الناس لوفاته حزناً عظيماً لحسن سيرته فقد كان جواداً فاضلاً شاكراً كثير الصدقات حسن الآثار[ أنظر وفيات الأعيان ج‍ 2 ترجمة رقم 288، وانظر الكامل ج9 سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ..]..
روى المقريزي في حوادث سنة ست وخمسين وخمسمائة:وفيها قتل الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين، أبو الغارات طلائع بن رزيك..
وذلك أنه لما ثقلت وطأته وكثرت مضايقته لأهل القصر، أخذت السيدة العمة ست القصور، وهي أخت الظافر الصغرى، في العمل على قتله[ انظر المواعظ والاعتبار ج3]..

تأريخ الشيعة في مصر (15)
—————
اختفى التشيع قروناً لكن ظلاله ظلت با قية..
على الرغم من الحملات التي شنها الأيوبيين على المصريين لمحو معالم التشيع من نفوسهم ، وتعمدهم القضاء على العادات والتقاليد الشيعية خاصة المواسم والأعياد..
رغم ذلك بقيت الكثير من العادات والتقاليد الشيعية توارثها المصريون جيلاً بعد جيل حتى زماننا هذا ، بل أصبحت هذه العادات والتقاليد جزءاً من الشخصية المصرية..
ووجود مثل هذه العادات والتقاليد حتى اليوم يدل دلالة واضحة على أن التشيع استمر وجوده في الواقع المصري رغم البطش والإرهاب والتعتيم..
ومن بين العادات الشيعية الباقية في مصر اليوم ذكرى عاشوراء وإن كان صلاح الدين قد حولها من ذكرى حزينة إلى ذكرى سعيدة واستمر المصريون يحتفلون بها على طريقته..
كذلك ذكرى الاحتفال بليلة النصف من شعبان وهي عادة شيعية لا تزال باقية تحتفل بها الطرق الصوفية اليوم..
والاحتفال برأس السنة الهجرية..
وعادة اقتناء الفوانيس في رمضان ولعب الصبيان بها في الطرقات من العادات الشيعة التي لا زالت تمارس في رمضان وقد انتقلت من مصر إلى بلاد أخرى..
وعلى مستوى الأسماء لايزال اسم ” السيد ” من الأسماء المنتشرة في مصر ، ولا يزال يطلق على كبار القوم وأعيان الناس من باب التشريف وتعلية المقام ، فيقال السيد فلان والسيدة فلانة..
واسم السيد هو في الحقيقة صفة تشريفة خاصة بالمنتسبين لأهل البيت فهي لا تطلق إلا عليهم ، فيقال السيدة زينب أو السيدة نفيسة أو سيدنا الحسين..
ولم يكن له وجود قبل العصر الفاطمي ولا في ظله إلا في محيط ذرية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)..
إلا أن المصريين أشاعوه بينهم بعد العصر الفاطمي من باب التجمل وتعلية مقامهم ومكانتهم..
وظهر بالتالي من اسمه سيد ومن اسمها سيدة..
وتعد مصر البلد الوحيد في العالم الذي يستخدم لقب سيد كاسم[email protected]
وهناك اسم على والحسن والحسين والذي حرفه المصريون استسهالا للنطق إلى حسن وحسين..
وبالغوا أكثر فدمجوا الاسمين في اسم واحد هو حسنين..
وتعد هذه الأسماء هى الاكثر شيوعاً في مصر بالنسبة إلى الرجال ، أما بالنسبة إلى النساء فهناك اسم فاطمة وزينب وسكينة ونفيسة وغيرها..
ويظهر أن هناك موقف من التسمي بعائشة حيث نجد انتشاره محدوداً وفي الطبقات الدنيا..
ولم يحظ هذا الاسم بالشيوع بين المصريين إلا على يد التيار السلفي الوهابي الحادث على الساحة المصرية..
وهناك كلمة عترة التي تتردد على ألسنة المصريين ويقصد بها عترة أهل البيت..
وهى تقال للرجل من باب تبجيله وتكريمه فيقال : انت راجل عترة..
وفي مجال الأطعمة لا يزال كثير من المصريين يقاطعون الأرانب ولا يأكلونها..
وفي مجال الأمثال هناك العديد من الأمثلة التي تتعلق بعائشة وعمر..
مثل المثل الذي يقول: خيبة الأمل راكبه جمل، ويقصد به عائشة وما فعلته في وقعة الجمل..
وما يردده العامة عند العراك : أنا حاخليك تعمل عيشه..
وهو تشبيه لحالة عائشة حين انكسرت في موقعة الجمل..
وتعد لفظة عيشه مسبة اذا قيلت لاحد وقد تؤدي للعراك..
وما يردده العامة من الالفاظ الساخرة حول عمر مثل : الله الله ياعمر، وسي عمر..
وهو ما نراه سائدا في الاعلام المصري حتى اليوم من خلال الافلام والتمثيليات والمسرحيات..
كذلك هناك المثل المشهور الذي يقوله المظلوم :ولا ظلم الحسن والحسين..
وعلى الجانب الآخر هناك مسبة دائمة للشيعة بدأت مع العصر الأيوبي ولا تزال تردد على ألسنة العوام دون إدراك معناها وهي قولهم في حالة الغضب من شخص ما: يا ابن الرفضي..
وهي مسبة مشتقة من تسمية الشيعة بالروافض ومنتشرة من خلال الاعلام..

Read our Privacy Policy by clicking here