كالجمل يحمل اسفاراً

كالجمل يحمل اسفاراً

د. رابعة العبيدي

سأم المواطن تكرار السرد اليومي، لثروات العراق.. في: “الكيا” والندوات الرسمية والمقاهي الشعبية وجلسات العائلة حول “صينية” الطعام والفضائيات المحلية والعربية والعالمية، التي لخصت معاناته بالحكمة القائلة: “لو إستثمرت ثرواته بعقلية إقتصادية متوازنة؛ لبلطت الارصفة بالذهب”.

ولأن تبليط الارصفة ذهبا؛ يعد بطرا لا يرضاه الزهاد؛ آثرت الحكومات المتعاقبة على السلطة في العراق، الاكتفاء بحنفيات الذهب في حمامات قصورهم.. قبل وبعد 2003 على حد سواء، والقادم يمشي على أحذية ماسية في شوارع لندن وباريس وجزر الكناري؛ فتعرف السائحات أنه نجل مسؤول عراقي!

يأتي ذلك على خلفية تقدم ثلاثة عشر مليونا الى المنحة المالية التي أعلنت عنها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، تلافيا لأثر حظر التجول على من يعيشون تحت خط الفقر، في عراق تكتنز ارضه بالثروات.

مليونان وسبعمائة وثمانية وخمسين الفا وستمئة واربعة وتسعين عائلة متضررة من حظر التجول؛ كونها لا تتلقــى راتباً حكومياً ثابتا، بل تعيش وفق النظام الاقتصادي البدائي.. قبل التدجين “من اليد الى الفم”.

يمور العراق، بملايين الجائعين، الذين يشكلون ثلث عدد سكانه البالغين 39 مليون نسمة.. الثلث تماما جائعون، بينما يمور باطن أرضه بثاني احتياط نفـطي في العالم.

ولـ “نسيف” النفط ونركنه جانبا من حسابات الاقتصاد، متحدثين عن نهرين يقطعن واديهما من زاخو والرطبة الى ملتقاهما في كرمة علي.. مطلع البصرة التي تتضور عطشا!

فيما تتطهر أرض العراق مقدسة، بمراقد ســـتة ائمة معصوميـــن وأولياء من مذاهب الاسلام الخمسة ومثلهم من الديانات الاخرى.. مسيحيون وصابئة ويهود، مع مقامات وقبور أنبياء عدة في بغداد.. منهم المحاط بـ “جينكو” على طريق سكة الحديد قرب المحطة العالمية، ومنهم في وادي السلام بالنجف ومقامات منتشرة بين المحافظات كافة، ممكن إستثمارها في سياحة دينية تدر ذهبا يغني المسؤولين عن الفساد النفطي متجهين الى فساد السياحة الدينية، وهي ليست بعيدة عما يراؤون.

وإذا قلت السياحة التقليدية، لن أعني فقط المعروف من مميزات العراق سياحيا، مثل الحبانية والاهوار والجبال وصيد الحبارى والغزلان في صحراء الرمادي والسماوة والمحميات الطبيعية المذهلة وغابات الموصل وليالي كركوك وشواطئ ابي نؤاس وجزيرتي بغداد وام الخنازير وسواها مما يطول ذكره.. بل أتحدث عما مدخر وغير مستهلك من جمال يكفي الاعلان بتنظيم حملتين إعلامية وخدمية، عن طريق فتحه للإستثمار “وليستحوذ عليه أبناء المسؤولين نفسهم ميخالف.. إنه قدر لا فكاك منه.. وإلا لن يشتغل البلد” ومن هذا المدخر، ما شاهدته بنفسي وذهلت، من الجبال والبحيرات المحيطة بخانقين، التي لو رآها أغنياء العالم؛ لآثروا قضاء اعمارهم فيها.

إثنى عشر الف موقـــــع أثري، وغير المكتشف يبلغ أضعافا، وإحدى عشرة بحيرة عملاقـــــــة، ونهر ثالث تحت الارض، ليس صعبا إستثمار مياهه؛ فنحن بلد الثلاثة أنهار وليس بلد النهرين فقط.. ومخزون من الغاز الطبيعي يعادل ما تنتجة قطر أحدى عشرة مرة.. وكبريت وفوسفــــــات ومعادن وثروة حيوانية وسمكية ونباتية.. للنباتيين كي لا تزعل جمعيات الرفق بالحيوان، في بلد لا يجد من يرفق بإنسانه.

وكما قال حسني مبارك.. رحمه الله، في لقاء لإحدى القنوات التلفزيونة: “في العراق اراضٍ خصب تسد حاجـة العالم بأجمعه”.

اوقفت حكومات 2003 اربعة وستين مصنعا عملاقا للانتاج الحربي الثقيل، ومئات الآلاف من معامل كبرى وصغرى.. حكومية وأهلية، للإنتاج التجاري، تغطي حاجة السوق المحلية وتفيض للتصدير؛ كي يستورد المسؤولون وأبناؤهم وزوجاتهم و”إبن إخت المرة” لحسابهم الشخصي.

أوقفوا الكهرباء وإسالة الماء، حائلين دون ترميم الموجود او إنشاء جديد، كي يحلبوا المواطن بالمولدات الاهلية ومحطات التصفية التابعتان لاحزاب وشخصيات…

عدد الشعب العراقي ٣٩ مليون نسمــــــة، ثلثهم من الشباب.. يعني لا أزمة يد عاملة تستوجب إستيراد عمالة اجنبية تستنزف عملة صعبة.

كل هذا الخيــر الذي أنعم الله به علينا، وفي العراق ثلاثة عشر مليون فقير يبحثون عن منحة ذات مائة الف دينار.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close