كيف يمكن التصدي لوباء كورونا من زاوية سيكولوجية الدوافع؟!

هايل علي المذابي

في كل صباح تستيقظ فيه الغزلان وهي تعلم أن عليها الركض أسرع من الأسود وإلا فإنها سوف تقتل..
وفي كل صباح تستيقظ الأسود وهي تعلم أن عليها أن تركض أسرع من أبطأ غزال وإلا فإنها سوف تموت جوعاً.
بغض النظر عما تكونه أنت أسدا أم غزالا، من الأفضل عندما تشرق الشمس أن تكون قد بدأت الجري.
======
لو افترضنا أن كورونا يمثل في عالم الطبيعة الكائن المفترس وأن الإنسان في هذه المعادلة يمثل الكائن الفريسة، ماذا يمكن أن نستنتج؟!
ان فايروس كورونا لا يستطيع التكاثر والتوسع إلا على حساب الفريسة “الإنسان” ولو أطللنا على العالم من أعلى لتتضح الرؤية سنجد أن ثمة ما يبدو للوهلة الأولى فوضويا في السياق العام لولا أن هذه الفوضى في حقيقتها منظمة إلى حد يصعب ادراكه مما يجعلنا نصفها بالفوضوية انقاذا للعقل من صعوبة التركيز لتحقيق الفهم وهو ذاته ما يحدث في عقل الإنسان.
إذا اتفقنا أن أهم الدوافع هو دافع البقاء كما يقول عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو، وهو ما تشترك فيه جميع الكائنات الحية على هذه البسيطة، سنفهم أن فايروس كورونا يعادل حالة كائن حي وقد افترضناه “كائن حي مفترس” ولأنه كذلك فإن دافع البقاء لديه هو ما يجعله يستمر في انتشاره وتوسعه، وبالمقابل فإن بقاء هذا الكائن الحي مرهون بالإنسان، “الكائن الفريسة”، وفناءه لصالح بقاء فايروس كورونا وتوسع انتشاره، وإذا كان الأمر كذلك فما هو الحاجز الذي سيمنع الكائن المفترس كورونا من افتراس الكائن الفريسة الإنسان ويحد من انتشاره وتوسعه أو يؤدي إلى فناءه ونهايته؟!
إن الحاجز الذي يمنع استمرار عملية تكاثر الحيوانات المفترسة وتوسع مملكتها ليس سوى الرغبة، رغبة الفريسة في البقاء، فإذا كانت رغبة الفرائس أكبر من رغبة الكائنات المفترسة فإن ذلك يغير شكل المعادلة فتتحقق نسبة التوازن بين المملكتين أو تنهار وتفنى احداهما، وبالتالي ان كان لدى الانسان رغبة أكبر في البقاء تتفوق رغبة الكائن المفترس كورونا فإن هذا الفايروس سيتلاشى وينتهي بكل تاكيد وان كانت الرغبة أكبر لدى الانسان ولكنها هشة فسوف يتم اختراقها والعكس صحيح أيضا.
هذه الرغبة في البقاء لدى الإنسان تتجسد في عدد من المظاهر منها الاساليب والاجراءات الوقائية المتبعة، وكذلك الجهود المبذولة في صناعة مصل علاجي للفايروس، وكذلك التضحيات التي يقدمها الأفراد والمؤسسات والمجتمع في سبيل إنقاذ أنفسهم وسلامتهم، وأيضا إلتزام المجتمعات باتباع قواعد السلامة للحد من عدم تكاثر الفايروس وانتشاره.
هنالك ثلاثة أنواع من الدوافع الأهم منها بالنسبة لجميع الكائنات هو دافع البقاء والدافع الثاني هو الدافع الخارجي والدافع الثالث هو الدافع الداخلي.
ويمكن القول أن العالم الآن وهو يجابه فايروس كورونا في حالة يحفزها دافع البقاء. ولا بد من التفصيل عموما في سيكولوجية الدوافع وانواعها.
فما هي الدوافع؟!
*جاء في خرافات أيسوب “أن أحد كلاب الصيد أفزع أرنباً برية وطاردها ميلاً، وحينما تجاوزته الأرنب كف عن المطاردة.
وقد راقب السباق رجل ريفي لقي الكلب لدى عودته، فطفق يُعيُّره هزيمته قائلاً: أرنب صغير تسبقك!!؟
قال الكلب: آه عظيم، إياك أن تنسى أن الجري وراء طعامك شيء، والجري وراء حياتك شيء آخر تماماً.”
لو أعملنا النظر جيداً في هذه الحكاية لتبدّى لنا كم أن الكلب كان حكيماً في ردّه على الرجل الريفي الذي عيّره بهزيمته، حيث فرّق بين معنى الجري وراء الطعام والجري وراء الحياة، وبين مدى تفاوتها والسر وراء ذلك التفاوت والذي هو «الرغبة»، ورغم أن كلاهما يسعى إلى البقاء إلا أن رغبة الأرنب كانت أكبر من رغبة الكلب ولأن رغباتهما متباينة فلا غرو في أن تكون دوافعهم متباينة أيضاً، ونخلص من ذلك إلى أن الدوافع أنماط: «دافع البقاء» و«الدافع الداخلي» و«الدافع الخارجي».
إن كلمة دافع التي هي بالانجليزية «موتيفاشن Motivation» جاء مصدرها من الكلمة اللاتينية «ماتيري Matere» ومعناها يتحرك، ويعرِّف أحد القواميس كلمة «دافع» بأنها الشيء الذي يدفع الإنسان للتصرف أو الحركة ولو قمنا بتحليل كلمة «موتيفاشن Motivation» لوجدنا أنها مركّبة من كلمتين: موتيف + أكشن «Motive + Action» يعني التصرف الناتج عن دوافع.
قال دنيس ويتلي مؤلف كتاب سيكولوجية الدوافع: «تتحكم قوة رغباتنا في دوافعنا، وبالتالي في تصرفاتنا».
قال العالم النفساني ابراهام ماسلو: «أهم الدوافع للإنسان هو دافع البقاء».
أما حين نتحدث عن الدوافع الخارجية فيجب التأكيد على أن هذه الدوافع لها مشكلة تكمن في أنها تتلاشى بسرعة.. كيف؟!
هذه الدوافع مصدرها العالم الخارجي كأن يكون مثلاً أحد الأصدقاء أو فلماً سينمائياً أو أحد أفراد العائلة أو كتاب ما أو مجلة أو مرؤوسينا في العمل أو خطيب أو محاضر…. الخ.
فلو قرأت كتاباً ما بهدف تنشيط دوافعك النفسية فقس حماسك بعد أسبوع من قراءته ثم بعد شهر ثم بعد ستة أشهر من قراءته ماذا ستجد؟ بالطبع ستجد أن درجة الحماس في انخفاض مستمر بين الفترة والأخرى.. أليس كذلك؟!
قال الكاتب الأمريكي بنيامين فرانكلين: «نظرات الآخرين لنا هي التي تهدمنا.. ولو كان كل من حولي من العميان ما عدا أنا لما احتجت لثياب أنيقة ولا لمسكن جميل ولا لأثاث فاخر».
وقال عالم النفس الأمريكي ويليام جيمس: «لو انتظرت تقدير الآخرين لواجهت خداعاً كبيراً».
لو علمت بأن هناك مسابقة في مجال يخصك وجائزة هذه المسابقة مغرية وقررت أن تشترك في المسابقة من أجل نيل تلك الجائرة وقمت بالاجتهاد والعمل الدؤوب والمستمر حتى تحصل على جائزة المسابقة وفزت فعلاً، فما عليك سوى أن تقيس جودة انتاجك بعد انقضاء المسابقة وحصولك على الجائزة.. فماذا ستجد؟!
لاشك في أنك ستجد أن مقدار الجودة في عملك ونتاجك قد تضاءل بنسبة لا تقل عن 50% مما كانت عليه حين سعيت لنيل الجائزة.. فما السبب في ذلك؟!
رغم أن المجال هو نفس المجال، وأن الشخص هو نفس الشخص وهو أنت، إلا أن الدوافع قد تغيّرت وهذه هي مشكلة الدوافع الخارجية حيث يتلاشى تأثيرها بسرعة.
قال مارك توين: «يمكنك الانتظار متمنياً حدوث شيء ما يجعلك تشعر بالرضا تجاه نفسك وعملك، ولكن يمكنك أن تضمن السعادة إذا أعطيتها لنفسك».
وقال كونفشيوس أحد حكماء الصين: «ما ينشده الرجل السامي يجده في نفسه، وما ينشده الرجل العادي يجده في الآخرين، عليك أن تكافئ نفسك بنفسك على كل ما تنجزه، لا تنتظر شكراً أو تقديراً من أحد، فالمرء الذي يعتمد على الدوافع الخارجية كالأعمى الذي يقوده الآخرون إلى حيثما يريدون».
أما النوع الثالث من الدوافع فهو الدوافع الداخلية وهو أقواها وأكثرها بقاءً واستمراراً، حيث أنك به تكون موجهاً عن طريق قواك الداخلية الذاتية التي تقودك إلى تحقيق نتائج عظيمة وذلك هو دليل قدرتك على هندسة ذاتك «هندسة عليا» وقدرتك على تصميم ذاتك وإعادة صياغة عالمك دائماً.
الدوافع الداخلية هي السبب في أن يقوم الشخص العادي بعمل أشياء أعلى من المستوى العادي ويصل إلى نتائج عظيمة.. هي القوى الكامنة وراء نجاح الإنسان.. هي الفرق الذي يوضِّح التباين في حياة الأشخاص.. هي القوة التي تدفعك إلى أن تزرع الزهور بنفسك بدلاً من أن تنتظر أحداً يقوم بتقديمها لك «الدوافع الداخلية هي النور الذي يشع من أنفسنا» هي المارد النائم بداخلنا في انتظار من يوقظه.
تبقى مسألة تنشيط دوافعنا الداخلية.. فكيف نستطيع تنشيط دوافعنا؟!
هناك وسائل كثيرة لتنشيط الدوافع أقواها هو «الرابط» .. فما هو الرابط؟!
الرابط هو إقامة علاقة بين مدركين لاقترانهما في الذهن لعلة «ما»..
تماماً كعلاقة الدال والمدلول ولنأخذ مثالاً على ذلك تجربة العالم الروسي بافلوف الذي كشف أن عملية الربط بإمكانها أن تثير عملاً جسمانياً، فقد كان بافلوف يقوم في كل مرة بدق الجرس عند تقديم الطعام لكلبه، وكان من الطبيعي أن يسيل لعاب الكلب عند تقديم الأكل وبعد فترة قصيرة تكون ربط عصبي عند الكلب ما بين تقديم الأكل ودقّ الجرس، وبعد ذلك تعمّد أن يدق الجرس بدون أن يقدّم أي طعام للكلب فكانت النتيجة أن سال لعاب الكلب بمجرد سماعه للجرس رغم عدم وجود الطعام.
والإنسان يتصرف على نفس النمط فالعطور والصور والكلام والحركات يمكن أن تكون روابط تعيد إلى أذهاننا مواقف معينة وتجعلنا نعيش مرة أخرى في التجارب التي مررنا بها من قبل.
وما أخلص إليه هو أن هناك روابط كثيرة في حياتنا سنجدها تذكرنا برغبتنا في البقاء وتذكرنا بأهمية الإلتزام من أجل مكافحة فايروس كورونا والانتصار عليه.
إن الأمل الكبير يكمن في أن الفيروس لم يتجاوز المعدل الذي يحوله الى جائحة. وثمة تقرير يؤكد ما نذهب إليه في هذا المقال وهو ان اي فايروس يضعف اذا لم يتجاوز عدد المصابين به معدل معين فإذا كانت رغبتنا في البقاء أكبر من رغبة فايروس كورونا فسوف ننتصر في معركتنا ضده بلا شك.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close