محطة رقم 4 الفرزة الرابعة

وأتذكرُ أنّ في شـهـر مـايـس من عـام 1953 حـصل لي حـادث تـرك بصـمتَـهُ في وجـهي وكـاد أن يُنهيني الى الابد

ويُنهي مـسـيـرةَ حـيـاتي واذا اخذتُ الحوادث المميتة حسب الترتيب الزمني فهي كالاتي الاولى غرقي في حوض

الماء والثانية مرضي بالملاريا والثالثة السيارة التي مَرّت فوقي والرابعة غرقي في نهر دجلة والخامسة الحيّة

في بيت أُم ابراهيم والسادسة الصعقة الكهربائية في بيت جدي والسابعة هذه وأُبين تفاصيلها كالاتـي :

كـنـتُ في الصف الـثـالـث إبـتـدائي وكـان الـدوام مُـزدوجًـا أي فـي الـصـبـاحِ وبـعـد الظهر يـبـدأ من الـثـانـيـةِ الى الرابـعـةِ

عـصـراً وعـنـد عـودتي ظـهـراً الى الـبـيـت وجـدتُ ضيوفاً وهما إمـرأتـان من معارف جدّتي زنوبه الـمُـلّـه نـجـيـبـه

وإبـنـتها الـمُـلّـه وزيـره والـمُـلـة نـجـيـبـه هي شـريـكـةُ جدتي خطبتها جدتي وزوجتها لجدي منصور ولم أعرف

الاسباب ولم اتبين من والدتي دوافع لهذه الزواجة وجدتي في عِـزِّ شــبـابـهـا وقـد بـقـيـتْ فـتـرةً ثـم طـلـقـهـا ولـم

تُـنـجـب لـهُ وبعد ذلك سـكـنـت وابنتها قـضاء النعمانيه [ البغيله سابقاً ] .

كان الطعـام مـتـنـوعًـا وشـهـيًّا مع فاكهـة الصيف الـبـطـيخ والـرقّـي تـنـاولـتُ الـطعـامَ والـفـاكهـةَ حتى أُتْـخِـمـتُ من

الاكـل وفي ذهـني أن أعـود مُـسـرعـاً الى المـدرسـة لألـعـب لُـعـبـتـي الـمُـفـضـلـةِ هي لـعـبـةُ الـجَـمَـدان .

كان اليوم هو الثلاثاء والحصتان الدراسيتان هما [ الرسم والدين ] وكان الرسم هو الحُـصّـةَ المفـضلةَ عـنـدي

وأفـضل الالعاب عندي لعـبة الجَـمَـدان التي تتـألـف من مجموعـة من الاولاد عـددهـم لا يـقـل عـن خـمـسـةٍ

يـعـمـلون على فـرز إثـنـيـن وذلك بـتصـافـق الـيـديـن في بعـضها فـإذا إخـتـلـف إثـنـان يـكون عـلـيهـما مطـاردة الـبـقـيّـةَ

ومحاولة الأمـسـكَ بالـثـلاثـة ويـتـجدد اللعب بعد امساكهم وهـذا يـتـطـلّـب الـسـرعة والـقـابـلـيـة عـلى الـمُـنـاورة .

أعـود لأقـول تـناولـتُ طعـامي وخـرجـتُ عـائـداً الـى الـمـدرسـةِ فـوجـدتُ زمـيـلين من صفي هما جـمـيـل يـوحـنّـا

وأخـوه فـؤاد فطرحتُ فـكرة اللعـب فوافـقاني ثـم أضفـنـا إثـنـين من الصف الـثـالـث الآخـر فـاكـتـمـلـنا خـمـسـةً

وبـيـنما نحن نـريـدُ الـتصافـق على فـرز إثـنـيـن دخـل عـلى الـخـط تـلـمـيـذ مـن الـصف الـسـادس إسـمُـهُ فـائـز كـسـار

ضـخـم الـجـثـة كان مـحـطةً للـسُـخـريّـةِ مـن تـلامـيـذ صـفّـهِ ويـطلـقـون عـليه لقب [ أبـو الـفـسـو ] ســمـعـتُ هذا من

أخـي نـافـع حـيـث كانـا في صـفٍّ واحـدٍ فَعَـلِـقـتْ الكـلمـةُ فـي ذهـني وبعد ان تزمتَ هــذا الـتـلـمـيـذ الــذي لا يـتـنـاسـب

حـاولـنـا صرفـه بالحُـسـنى فلم نفلح معه وأبـى إلّا مُـشـاركـتـنـا الـلعـب فخـطـرتْ عـلى بـالي تلك الكلمة وهي ابو الفسو

فقُـلتُها له فـشـاط غـضبًـا وأطلـقـتُ سـاقـيَّ راكضاً وأنـا أضحـكُ وهو يـعـدو ورائـي الى أن وصلـتُ الى جـدار صفي

الخـلـفي وأمام هـذا الجـدار توجـد جُـفـرة فـيها رمـل تُـسـتعـمل للـقـفـز العالي وللطـفـر العـريض فـكرتُ أن أدخل

الـجُـفـرةَ قـبل ركن جـدار الـصـف الا انه طفرت الى ذهني فكرة غـيّـرتْ اتجاهي هي أنّ الـرمـل سـيُـقـلل سـرعـتي

فيـتـمكن فائز كسار من إمـسـاكي وضربـي جاءتني هذه الفكرة لتحقق القدر المقدر فواصلتُ الركض مـع الـجـدار

الى أن وصـلـتُ رُكـنَـهُ فاســتـدرتُ الى الـجـانـب الايـمـن وإذا بـتـلمـيـذٍ يـأتـي راكـضًــا فـي الـوقـتْ نـفـسـهِ الى رُكن الـجـدار

لِـيَـسـتـديـرَ الى جـهــتــهِ اليُـسرى الـتى نـلـتـقي وهنا حصل ما هو مقدّر فـأرتَـطمتُ بـه وكان مستوى رأسـه بمستوى

عـيـني الـيُـمـنى عـنـدها صـرخـتُ صرخةً لـفـتَـتْ إنـتـبـاهَ جـمـيع مَـنْ كــان في الـسـاحـة وسـقـطـتُ عـلى الارض في شبه

غيبوبة فـبـادر الى حـمـلي أحـد الـتـلامـيـذ وهـو من الـصف الـسـادس اسـمـه قـيـس طـاهـر الـقيـسي إبـن مـتصرف

الـكوت وآخر شـاركه حـملي من ذراعيّ الى الإدارة ثـمّ أدخـلاني حـجـرة اسـتـراحة الـمعـلـمـيـن ووضـعـاني مُـسـتـلـقيًا

عـلى كـنـبـةٍ قـام عـنها الـمعـلمـون وأتـذكـرُ أن مـديـر الـمـدرسـة الـسـيـد هـاشـم الـخـطـيـب حـضـرَ لـيـرى وضعي

ويـتـصرف عـلى ضـوئـه وإذا بـالـطالب الـذي صـدمـني يـدخل شـاكـيًا فسـألـهُ المـديـر مَـنْ الـذي إعـتـدى عـلـيـك فـقال

لـه هـذا اسـتـاذ وأنا أسـمـعـهُ وهنا إنـفعـل الـمـديـر وهو يـصيح في وجـهـه إطـلع بَـرّه وكـان هـذا الـطالـب أخًـا لزميلي

مـوئـل يـحـيـى الـذي كـان أبـوه مـفـوضَ شـرطـةٍ والمـسـؤول عن مـركـز شرطة الكوت آن ذاك وهذا المركز مازال

في الـمـديـنـة وبـعـد زمـنٍ سـألـني اخوه موئل يحيى إذا ما كُـنتُ أحـملُ ضغـيـنـةً عـلى أخـيه بـعـد الـضرر الـذي تـسـبب

في انحراف عـيني وضعف بصرها فـكان جـوابي بالنفي لأن الـحـادث غـير مَـقـصود والـقـدر مقدر والحمد لله رب

العالمين وهذا الانحراف في عيني افادني وفيه حديث ارويه ان شاء الله .

قُـرِعَ الجَـرسُ وانتهى درسُ الـرسـم الـذي كـنتُ شـغـوفًا بـه وحـضرَ الـمعـلمون لـيـأخذوا قـسـطًـا من الـراحـة وأنـا

ما زلـتُ مـسـتـلـقـيًّا وإذا بـالـغـثـيـان والـتـقـيّـؤ يأخذني فيخرج الـمعـلمون وهم يتـقـززون ولـم يـبقَ منهم إلّا واحـداً

هـو الـمعـلم الاب عـبـد الرحمن الذي بقي واقـفًـا يُـهَفّي بـدفـترٍ بيـده فـوق رأسـي وما زلتُ أتذكـر حـادثـةَ إبـنـهِ

الـشـاب فـي صـيـف عـام 1955 الـتـي هَـزّتْ مـديـنـة الكوت في ذلـكَ الـوقـت وتـفـاصـيـلهـا كـالاتـي :

كان إبـن الـمعـلم عـبـد الـرحـمـن سـبّـاحًـا مـاهـراً في الـعـشـريـن من عُـمُـرهِ يـزاول الـسـباحة دائمًا في اوقات الصيف

قـرب الـسـدّة وكـثـيراً ما يـصعـد أبـوابها ويـرمي بـنـفـسـه الى الـماء عـلى رأسـه أي الــزرك ولأنّ الـمـكـتـوب مـا مـنـهُ

مَـهـروب وفـي إحـدى إرتماآتـهِ إرتـطـمَ رأسُــهُ بـحـجـر أو بـقـضـيـب حـديـدي من مُـخـلـفـات إنـشـاء الـسـدّةِ إنـتـهتْ بـه

حـيـاتُـهُ وبـقيَ عـالـقًـا تـحـت الـماء لـعــدّة أيّـام ثـم أُخـرجَ وقـد شُــيّـعَ بـحـزن وألــمٍ مـن أبـنـاء مـديـنـةِ الكوت .

أعـودُ الى مـوضـوعي وهـو أن المـديـرأمـرَ الـفـراشَـيـن كـاظـم ومُـخـيـف أن ينـقـلاني الى الـطـبـيـب الـخـاص بـالـطلـبـة

وهـو الـدكـتـور فـاضـل الـسَـعِـيدي .

حـملاني وخـرجا وهما يـتـنـاوبـان على حـمـلي لوزنـي الـثـقـيل وإن كانت عـيادة الـطبـيب لا تـبعـد أكـثر من مائـة مـتـر إلّا

أني أتعـبتُهـما وبـعـد أن وصلا بِيَ الى العـيادة حصلت الصدمة لهـمـا فـالعـيـادة تـقـع في غُـرفـةٍ بأعـلى الـبـنـايـة ولـها

سُـلَّـم ضـيـق لا يـتسـع إلأ لـشـخـص واحـدٍ وبـارتـفاعِ أربـعـة أمـتـار بحـيـث تـبـدو وكأنّـهـا مُـعـلّـقـة وهـنا بـقـيـا حـائـريـن

كـيـف يـصـعـدان بـيَ الى الطـبـيـب ولا بُــدّ مـن الـصـعـود فـتَـجـبـر الفراش مُخـيـف بالله وحملني لأنـهُ أفـتى وأقـوى

من الـفـراش كاظم وأخـذ يـصـعـد الـسـلّـم وهو يـلـعـن اليـوم الـذي صـار بـه فرّاشًـا .

كان الاسـم مـطـابـقـاً فـالـفـرّاش مُـخـيـف طـويل قـوي الـبُـنـيـةِ واسـع الـعـيـنـيـن لونهما يـضربُ بـيـن الـزرقـة والـخُـضرة

أمّــا مُـقـلـتـاهُـما فـكـانـتـا حـمـراوتـيـن وهـو من أبـناء الريف أقـدرُ عُـمُرَهُ في الـثـلاثـيـن والغـريـب أن إبـنـه غــانـــم لـيـسَ فـيـهِ

من أبـيـهِ شـيـئٌ فهـو قـصيـر أفـطـس الانـــف أقــرب فـي شـكله الـى الـقـرد ، أقـول حـمـلـني مُـخـيـف وصعَـدَ الـسُـلّـم وقـد

أوصلـني الى غـرفة الطبـيـب وإسـتـلـقـيـتُ عـلى مـنـضدة الـتـشـخـيص للـمُـعـايـنـة وبعـد دقـائـق طـلـب الـطـبـيب إعـادتي

الى الـبـيت وقـبل أن يحـمـلـني الـفـرّاش مُـخـيف طلـبـتُ مــاءً فـرفـض أن يعـطـيـني وكـررتُ الطـلـب فأعـطـاني جُـرعـةً

من سـائـل أبـيض فـيـه طعـم الحَـبّـة الحـلوه فـشـربـتُـها وكررتُ الطلب فلـم يُـعـطـني وحمـلني مُـخـيـف وكرر الطبيب

الوصية بأن يُـخـبـرا أهـلي بعـدم إعـطـائي الـمــاء .

حـمـلاني وخرجا قـاصدان أقـرب الـبـيـوت لي وهـو بـيـتْ جـدّي الـحاج حـمّـادي وهـما يـتـكلـمان الطـريـق كـلَّـهُ عـن

مِـحـنـتـهـمـا الـتي حـلّـتْ عـلـيهـما الى أن وصـلا وسـلّـمـاني لِـمَـن في الـدار وأوصـيـاه بـعـدم إعـطـائي الـمـــــاء أدخـلـوني

حـجـرة جـدتي وفـي الـمـسـاء نـقـلـوني الـى حـجـرة خـالي عـبـد الامـيـر وأحـضـروا لي طـبـيـب الـعـيون عـبـد الـمجـيـد

الـشـهـربُـلّـي وهو طبيب العيون الوحيد في الكوت وبـعـد أن فـحـصـني عَـيّـن لي إثـنـتي عـشـرة إبــرة من

البـنـسـلـيـن وهـي دورةٌ كاملة فـي كـلَّ ســاعـةٍ آخـذ واحــدةً منها ثم قـال لهـم أنّ وضـعي في خـطـرٍ لـمـدّةِ 24 سـاعـةً

والامـرُ بـيـد الله وقد تـولّى زرقي الإبـر الـمـضـمـد طه أبـو الـفـنـانـة أمَــــلْ وهم عائلة سكنت الكوت اصلها من

الـناصرية في اول الخـمـسـيـنات وإبـنـتُـهُ لـيـلى هـي أكـبـر أولادهِ تـزوجـها المُـدرّس عـبـد الـرزاق حَـسـنْ مـنصور

ولـلـيلى مـوقـف إنـسـاني معي لا انساه سـأتطرقُ إلـيـه إن شـاء الله .

تـولـى الـمـضـمـد طــه الـمـهـمـةَ وهـو الـى جـانـبي الى مـنـتـصف الـلـيـل ثـم أخـذ يـتـردد كـل سـاعـةٍ فـي نـهــار الـيـوم

الـتــالـي الـى أن أنـهـى جـمـيـع الإبــر وعـنـد الـمـساء جــاء طـبـيـبُ الـعـيـون عـبـد الـمجـيـد الـشـهـربُـلّـي وأخـبـر أهـلي

عـن زوال الـخـطر فأعـادوني الى حـجـرة جـدتـي وبـقـيتُ عـنـدهم زهاء اسبوع ولا أتذكــرُ أنّـي أكـلـتُ شـيءً طـيـلـة

هـذه المدّة إلّا شرب الـمــاء عـنـد طـلـبي لـــه .

كانـت أمي من الـسـاعـات الاولى مُــلازمـةً لـي وفي عـصر الـيـوم الـسـابـع تـاقـتْ نفسي الى الـلعـب فـخـرجـتُ لـلطـريق

وما هي إلّا دقائق حتى تُعاودني حالـة الغـثـيان فأعـودُ الى بـيـت جـدي مُـسـرعًـا لأتـقـيّـأ دمًـا عـبـيـطًـا .

بـقـيـتُ تـلكَ الـلـيـلة في بـيـت جـدي وعـنـد الـصـباح تـبـدأ شـهـيـتي لـلطعام فأطـلـبُ من امّي حـسـاءَ الـشـوربة وهـو من

الـرزِّ وعـصيـر الـطـماطـة فـأكلـتُ مـنهـا قـليلاً ثـم تـركـتُها كانـتْ فـرحـة أمّـي كـبـيـرةً وقـررت الـرجـوع الـى بـيـتـنـا دار

العـلـويـة ميّاسه كان ذلكَ عـصر يـوم الخمـيـس أي الـيـوم الـعاشر مـن الحادث وأتذكـر أن جدتي قـد ذهـبـت الى

خـالي عـبـد الامـيـر في حـجـرتـه ثـم أدخـلـتـهُ عـلـيَّ في حـجـرتهـا وهي تـقول له : تـعـال شـوفـه واحـجـي ويـاه ، بـقي

صامـتًـا يـنـظر إلـيَّ وقـد أعـادتْ عـلـيه الـطـلـب فـسـألـني وانا منطرح فكلمني بـكلـمـتـيـن هـا شـلـونـك فـأجـبـتُـهُ

بـزيـن خـالـو ثـم خـرج وبعده خـرجـنـا وأنـا مـحـمـولٌ عـلى ظهـر والـدي .

وأتذكرُ ايضاً موقـفاً غـير صحيحٍ لأُمّي حين وصلـتـنا من بيت عمي نوري كمية من العـنب في زنبيل كان ذلكَ في

أحد أيام الصيف تـحـمـلُـهُ إبـنة عـمي سـامـيّـه عمرها آن ذاك العـاشـرة ومـعـها أخـوها ســامي وهـو بـعُـمُري كان

بـيـت عـمي نوري [ بلور ] يـسـكن مـحلة المـشروع أي شـمال المـدينة ونحن نـسـكن محلة الـشرقـية جـنوب

الـمـدينة وهي الـنــواة لـمـدينة الكوت والـمـسافة طويلة بالـنـسـبة لـطـفـلـين قـد يـسـتغـرق وصـولهـما أكـثر مـن سـاعة

دخـلا عـلـيـنا بزنبيلٍ في تـلكَ الظهـيرة اللاهـبـة يحملان عنبًا كُـنتُ وأمّـي واقـفـيـن أمـام حـنـفـية الـماء وبعد أن سَـلّـما

على أمّي أعـطت سـامـيـةُ الـزنـبـيـلَ لأمّـي فنـظرتْ الى العـنـب وهـو في الـزنـبـيل فـوجـدتْ أن غـالـبـيـتَـهُ قـد تَـفـقّـع

وأصـبح تـالـفًـا وعـنـدمـا أردّتُ أن آخــذ شـيءً مـنـه نَهَـرتـني أمّـي فابتعدتُ وأخـذتْ تـتـكلم بـحـدّةٍ وانفعال

مع سـامـيـه وتـقـول لها أخـبـري إمـرأةَ أبـيـكِ وهي إبـنـتُ عـمّها كـذا وكـذا من الكلام الجـارح الـذي لا داعـي لـقـوله

وتُـؤكد على سـامـيـة الـقـول بأن تُـخـبـر زوجـة أبـيها بما قالت وأمّي في حالة من الغضب ، أقول كان موقف أمي

غير صحيحٍ ولا يـوجبُ الانفعال والتهجم على شخص أراد أن يُقدم شـيءً عـن حُـسن نِـيّـةٍ وطـيـبِ خـاطـرٍ

وبـسـبب حـرارة الـجـوِّ وبُعـدِ المـسافة ونوعـية العـنـب الـتي لا تـتـحمل الـحرارةَ وصـلَ لـنـا بـالـحـالـة الـسـيـئـة .

وقـد فـسرتْ أمّي الموقف أن ابنةَ عمِّها تُريد إهانتها بارسال هذا العنب التالف ولو فرضنا جدلاً صحة تصور امي

لهذه الهدية على أنها إهانة فأرى من الواجب على أمي أن ترد الهدية دون كلام جارح أمام أطفال يـنـقـلون القـول

وهم لا يفهمون مغـزاه وقـد يُـحرفـونـهُ بـعـبـارات أخـرى ، وكـان على أمـي أن تـقـوم بـزيـارة الـى إبـنـة عـمـهـا لـتعـاتـبها

على هـذا الـتصرف فكان تـفـسـيـرهـا بعـيـداً عـن واقـعه بـسـبب حـسـاسـية أمّي الـمُـفرطـة بعـد هبوط الـوضـع الـمـادي

لـوالـدي الى دون الصفر بحيث كان يتعذر على والـدي تـوفـير مصروف الجيب لـنا عند ذهـابنا الى المـدرسـة

وأحيانًا يـتعـذر عـلى أبي تـوفـيـر الاكـل لهـذا كان الموقف لأمي انفعاليًّـا .

وعلى ضوء تلك الحادثة أتذكر موقفًا لإبنة عمها الحاجة مسالك الحاج محمد زوجة عمّي نوري وهي

الزوجة الثانية لعمي بعد أن طلّق الاولى ام ساميه وسامي والموقف هو اني ومحسن ابن خالي في ظهيرة

أحـد ايام الصيف دخـلـتُ الى بـيـت عـمي الواقع في محلة المشروع دخلـتُ عليهم وبعـد الـسـلام أردتُ الخروج

فنـادتـني زوجـة عـمي الحاجة مسالك وأدخلـتـني احـدى الـحجـر وقـالـت خُـذْ أكـبرَ بـطـيخـةٍ من الـبطيخ الذي كان

تحت أحـد الأسـرّة إنـبطحـتُ ثم انـتـقـيـتُ اكـبرهنَّ وبعـد أن أخرجتُها وأردتُ الخروج حَـمّـلَـتْـني تحياتها الى والـدتي

خـرجتُ حاملاً الـبطـيخة وما هي إلّا مـسـافة أمـتار عـن بيت عمي طـرح إبـن خالي محـسـن فـكرةً هـي أن نكـسـر

الـبـطـيخةَ ونـأكلهـا رفـضتُ بادئ الامـرِ الفكرة وبعـد كـلام معـي استجبتُ فـجـلـسـنـا عـلى عـتـبة بـيـت الـمعـلم جـواد

نـوروز وأخـذنا نفـتـش عـن شـيئٍ لـنكـسـرها وبـعـد الـبحث وجـد مـحـسـن صفـيحـةً صـدئـةً فكـسرناها بـهـا وأكـلـنا

شـريـحـةً بـعـدها إشـتـكى مـحـسـن من الـمٍ في أسـنـانهِ وهـو يأكل ويـتـذمر ولا يـهـون عـلـيه تـركـهـا لأن الـبـطـيخـةَ كانـت

غـايـةً بـالـحـلاوة أكـلـنا ما اسـتـطعـنا وتـركـنا قـسـمَها الاكـبـر مـرمـيًّا على الارض .

وعـلى ذكـر الـمعـلم جــواد نــوروز فـهـو والـد زمـيلي باسم في الابـتـدائـية اُعْـتُـقِـلَ مـعي بـعـد الانـقـلاب الـبعـثي عـام

1963 في سـجـن الـكوت وكُـنّـا في قاووش واحد .

أعود لأقولَ تركنا الـبطـيخةِ حتى لا يـنكـشـف أمـرنا وهـذه الواقعة لم أذكرها إلّا الآن وما ذكري لها إلّا مـن بـاب

الاعـتـبار بأن كـثـيراً من الـحـقائـق تـبقى مخفيةً ويـكونُ الـطـرف الآخـر ضحـيّـةَ الـتصور أو التحليل الغلط ولو تـلاقى

الطرفـان وتـكاشـفا لـذابـت الـكـثـير من الاشكالات وسوء الفهم والتصور المغلوط .

*****************************************************

الدنمارك : كوبنهاجن الجمعة في 8 / مايس / 2020

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close