أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ السَّابِعَةُ (٢٨)

نـــــــــــــــزار حيدر

{وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}

إِنَّ الوسطيَّة مطلوبة في التَّربيةِ والسِّياسةِ والإِقتصاد والعلاقاتِ العامَّة وفي كلِّ شأنٍ من شؤُونِ الحياة، لأَنَّ التطرُّف يقودُ الفرد والمُجتمع على حدِّ سواء إِلىالتَّهلُكة، ففي الشأن الإِقتصادي مثلاً كما في الآية {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} و {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَاتُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} و {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا}.

أَمَّا على المُستوى الإِجتماعي فالتطرُّف يقودُ إِلى التشنُّج في العلاقاتِ وكذلك ينتهي بالفردِ والمُجتمع إِلى صِناعةِ الطَّاغوت وعبادةِ الأَصنام، ولذلكَ دعا أَميرُالمُؤمنِينَ (ع) إِلى الوسطيَّة والعقلانيَّة على هذا الصَّعيدِ فقالَ {أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَحَبِيبَكَ يَوْماً مَا}.

بمعنى آخر؛ حتَّى في الحُبِّ والبُغضِ فإِنَّ التطرُّف مذمومٌ وغَير مرغُوب، فالتطرُّف بالحبِّ يُعمي المرءَ عن رُؤية الخطأ والتَّقصير ما يدفعهُ للتَّبرير بأَيَّة صورةٍ منالصُّور وبالتَّالي ينتهي بهِ الأَمر إِلى عبادةِ الشخصيَّة، أَمَّا التطرُّف في البُغض فيُعمي كذلكَ ما يحولُ بين المرءِ وبين أَيِّ شيءٍ إِيجابي أَو حسَن وصحيح عندالطَّرف الآخر، وبالتَّالي يخسر المرءُ الكثير من الحقائقِ.

وإِنَّما حذَّر أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) من التطرُّف في الحبِّ والبًغضِ حتَّى لا تتشكَّل عندكَ عُقدةً من أَحدٍ أَو من شيءٍ فتتعاملَ معهُ بأَحكامٍ مُسبقةٍ أَو بخلفيَّاتٍ خطأيتمُّ تشكيلها من خلالِ مواقفَ أَو معلوماتٍ غَير دقيقة.

إِذا أَحببتَ بتطرُّفٍ عُميتَ فتُسلِّم بكلِّ شيءٍ، فعلهُ وقولهُ وتقريرهُ، وإِذا بغِضتَ بتطرُّفٍ عُميتَ فسترفض منهُ كلَّ شيءٍ، فعلهُ وقولهُ وتقريرهُ حتَّى إِذا كانَ سليماًوصحيحاً.

التطرُّف في الحُبِّ والبُغضِ يُولِّد الكراهية بمعنى من المعاني بالإِضافةِ إِلى الجهل، ولذلكَ يعلِّمنا أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) الوسطيَّةَ في ذلكَ لنحمي التوازن فيالشخصيَّة، فيقولُ (ع) {هَلَكَ فِيَّ رَجُلاَنِ؛ مُحِبٌّ غَال وَمُبْغِضٌ قَال}.

وإِلى ذلكَ تُشيرُ الآية الكريمة {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} في معنى الصَّبر إِبتداءً.

إِنَّ في الحياةِ أَشياء كثيرة بحاجةٍ إِلى أَن ننظرَ لها بعَينِ الوسطيَّة بعيداً عن التطرُّف، فليسَ كلُّ شيءٍ بحاجةٍ إِلى حزمٍ فهناكَ أَشياءَ كثيرة تُدارُ بالمُداراةِ أَو مايُسمَّى بالسِّياسةِ، فلقد كتبَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) إِلى بعضِ عُمَّالهِ يقولُ لهُم {أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْأَرَهُمْ أَهْلاً لأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلاَ أَنْ يُقْصَواْ وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَالتَّقْرِيبِ وَالاِْدْنَاءِ، وَالاِْبْعَادِ وَالاِْقْصَاءِ، إِنْ شَاءَاللهُ}.

هذا التَّوازُن والوسطيَّة بين اللِّين والشدَّة نحتاجهُ فيما نحتاجهُ في التَّربية، لأَنَّ التطرُّف في تربيةِ الأَولاد خُلقٌ مذمُومٌ يزرعُ في نفوسهِم التمرُّد، ولذلكَ يلزم أَنيتعلَّم الأَبوَين كيفَ؟ ومتى؟ يشدُّوا في تربيةِ أَولادهِم ومتى؟ وكيف؟ يلينُوا فيها، فالشدَّة دائماً تزرع التمرُّد واللِّين دائماً يزرع الميُوعة والتحلُّل التي تقود في أَحيانكثيرةٍ إِلى الإِنحراف أَو على الأَقل تزرع روح اللَّامسؤُوليَّة واللَّاأُباليَّة في نفوسهِم، ولذلك أَوصى أميرُ المُؤمنِينَ (ع) بقولهِ {لاتكُن ليِّناً فتُعصَر ولا تكُن قاسِياً [أَوصلِباً] فتُكسَر}.

كذلكَ في الإِدارة والقِيادة، فالتطرُّف بالشدَّة أَو باللِّين، لا فرق، يُنتج فشلاً ذريعاً ولا يُساعد على التَّمكينِ للنَّجاح.

لقد كتبَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) إِلى بعضِ عُمَّالهِ بهذا الصَّدد يقول {أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَحْوَةَ الاَْثِيمِ، وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِالْـمَخُوفِ، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ، وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْثٍ مِنَ اللِّينِ، وَارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ، وَاعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لاَ تُغْنِي عَنْكَ إِلاَّ الشِّدَّةُ، وَاخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِجَنَاحَكَ، وَابْسِطْ لَهُمْ وَجْهَكَ وَأَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، وَالاِْشَارَةِ وَالتَّحِيَّةِ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ، وَلاَ يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ،وَالسَّلاَمُ}.

٢١ مايس [أَيَّار] ٢٠٢٠

لِلتَّواصُل؛

E_mail: [email protected]

‏Face Book: Nazar Haidar

Twitter: @NazarHaidar2

Skype: nazarhaidar1

‏WhatsApp, Telegram & Viber : + 1(804) 837-3920

*التلِغرام؛

https://t.me/NHIRAQ

*الواتس آب

https://chat.whatsapp.com/KtL7ZL3dfh

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close