الى متى يقود العراق اقران المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة

منذ أكثر من ستة عقود لا تزال الطبقات الرذيلة تقود المشهد السياسي العراقي. لقد استحوذت تلك الأحزاب الاستئصالية على السلطة بواسطة العسكريين الشعوبيين المتعصبين العنصريين الطائفيين الدكتاتوريين. بعد ان تخلى المثقفون الوطنيون عن مسؤلياتهم في التصدي لهذه الاوضاع الشاذة. مما فسح المجال للمستعمرون القدامى والجدد الهيمنة على مصير ومستقبل العراق. هذا ما يقودنا إلى التسأؤل بالقول هل فقد العراق الكفاءات المتخصصة والمثقفين الوطنيين والنخب الشريفة لانقاذه من محنته.
لا يزال الشعب العراقي منذ قيام الجمهورية عام 1958 لا يجد جوابا عن مشكلة القيادة في العراق. فلماذا لم يتمكن المخلصون السيطرة على القيادة السياسية والاقتصاديه للبلاد وتحمل الامانة. ان كانوا قد رفضوا الدخول في المعترك السياسي فلماذا لم يمارسوا على اقل تقدير واجب النصح للقيادات الحاكمة بهدف الشروع في تحويل العراق الى بلد ديمقراطي مؤسساتي حر. باختصار يمكن القول بان العراقيين لا يزالون حتى هذه اللحظة في نقاش واعتراك سفسطائي حول (هل الدجاجة من البيضة أو البيضة من الدجاجة). أسألة محيرة ينبغي الإجابة عليها للتعرف على الاتكالية والتسيب التي ضرب عموم الشعب.
قبل الإجابة على هذه الاسئلة لا بد من القاء نظرة على حركية وتطور الشعوب الأخرى. أذ ان هناك شتات من شعوب شتى تجمعت من دول متعددة ذات ثقافات متناقضة وقوميات مختلفة لتكون شعب واحد كشعب الولايات المتحدة الأمريكية او كندا او استراليا وغيرها. لكنها تمكنت من بناء دول قوية. استندت على دساتير قانونية كانت بمثابة عقد اجتماعي متسامح بين المكونات البشرية. مما جعلها تتطور ماديا بعد أن ارست لدى شعبها اسس السلم الاهلي المدني.
من المخيف والخطير أن نرى تراجع دول حضارية كالعراق ارتضى ساستها وعامة شعبها تقليد الغير دون روية. اذ كيف يمكن لشعب أن يفرط بمكاسبه الاخلاقية وقيمه العالية إلى هذا الدرك الذي نراه منذ الاحتلال عام 2033 حتى يومنا هذا. إذ يعلم العارفين والعلماء ومن قرأ التاريخ بأهمية العراق الذي سبق ان علم الانسانية الكتابة وولد في ارضه أبو الأنبياء ابراهيم الذي انار الطريق لاهل زمانه. كذلك فقد وهب العراق الناس ثقافة متحضرة متوازنة منذ حامورابي وتشريعاته القانونية المنصفة للمظلوم من الظالم. إلى بغداد عاصمة الفكر والثقافة والعلم وقت العباسيين في حين كان العالم يعيش في عصر الظلمات. بل حتى في عهد الاستعمار البريطاني كان الشعب العراقي من اوائل شعوب المنطقة الذي تمكن من نفض غبار التخلف والرجعية سريعا بالعمل على التعلم والتقدم فتخرجت كفاءات كثيرة في جميع مجالات الحياة وكان لها دور في تقدم المنطقة.
ينبغي أن يصحى العراقيون اليوم من غفوتهم فأمريكا ليست البلد الامثل الذي يمكنه أن يكون نموذجا يحتذى به او يعطي دروسا للعراقيين حول الديمقراطية والحرية. فامريكا على سبيل المثال لم تمنح الحقوق المدنية لسكانها ذوي البشرة السوداء الا في ستينات القرن الماضي. هناك ايضا شعوب كثيرة لا تمتلك أي مقومات لشعب واحد موحد. لكنها نهضت ورسمت قيما خاصة بها تمكنت من انتشالها من التخلف الى الرقي والتقدم والازدهار.
من المؤكد بان اصلاح الأمور لا يمكن تحقيقها دون الارادة الشعبية نفسها وهي ليست قدرا مقدرا. لان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم هذا المبدأ القراني صالح لكل زمان ومكان. ان كان العراق قد مر بمراحل حرجة في تاريخه فإن الامم الأخرى ليست معصومة وقد مرت هي الاخرى بمراحل عصيبة وصعبة ايضا. يجب أن يتحرر العراقيون من ثقل وترسبات الماضي فالله والتاريخ والقانون لا يحاسب المرء بجريرة غيره فكما قال القران الكريم ولا تزر وازرة وزر أخرى. أو قوله تعالى تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون.
من المعلوم أن القادة العظام كمحمد وعمر وعلي لن يعودوا من جديد. لنشر العدالة. كما ان الاعتماد على الاحلام الخيالية في امل وصول دكتاتور عادل ليخرج البلاد مما هي عليه أمر مستحيل. لسبب بسيط وهو ان الدكتاتور لا يمكن أن يكون عادل على الاطلاق. ان تنوع وتعدد أساليب التقدم والنهضة في عالمنا المعاصر يحتم قيام مؤسسات قانونية متخصصة في مجالات الحياة المتنوعة. هذه المؤسسات يجب أن يراقبها الشعب بصورة مستقلة عن السلطة السياسية من خلال اعلامه وقضائه. عدا ذلك سيبقى العراق يأن من شرور السياسيين الاراذل اقران الكائنات الرديئة كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة.
الدكتور نصيف الجبوري

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close