عمائم المنابر.. وخطاب الكراهية


عندما تُطلق الحريةُ لعمائم المنابر، وهم يَرُشّون على الناس حمماً مِن الكراهية، لم يبق أمل في السِّلم الاجتماعي، ولا في محاولات التَّنوير، حملات منبرية يغيب فيها العقل، ومعه يغيب الدين أيضاً، فأولئك اعتمروا العمامة، وتلفعوا الجبة، وأحاطوا رقابهم بخرقٍ خضراء، رمز انتمائهم المقدس، وبذلك يحسب السامعون كلُّ كلمةٍ ينطقونها أنها مِن «كلام الله». يكون مثل هؤلاء، في البلدان المضطربة كالعِراق، خارج المحاسبة، حيث السلاح بيد الجماعات الدينية التي يقودها أصحاب منابر، لا يخضعون لقانون ولا لعرف اجتماعي.
اعتبر خطيب منبر الصابئة المندائيين والمسيحيين أنجاساً، مبرراً بالآية: «إنما المشركون نجس»(التوبة: 28). مازال هذا الرجل يتمتع بالجنسية الأميركية وبامتيازات اللجوء، قال: «كنا بأميركا لا نسمح لهم بالدخول إلى دور عبادتنا، لأنهم أنجاس». فكم يكون هذا الرجل عديم المروءة، أن يأكل ويشرب ويسكن مِن أموال دافعي الضرائب (الأنجاس)! وماذا يُنتظر مِن مستمعيه البسطاء، وهو يُقدم نفسه مِن (أبطال الحشد) المقاوم والممانع، غير جيل مِن المتعصبين؟!
مع أن الآية المذكورة لها أسباب نزولها، لا نريد مناقشة هذا المعمم بها، لكن لا ضير أن نُذكّره بأن ليس هناك إنسان نجس وآخر طاهر، فالنجاسة عرض والطهارة أصل، مثل السلم والتسامح أصل، والحرب والكراهية عرض، والأعراض تزول وتبقى الأصول. عدا هذا، اعترفت الوثيقة النبوية(1هجرية) بوجود المشركين، بشرط: «لا يُجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً»(ابن هشام، السيرة النبوية) ويبقون على وضعهم قبل الإسلام.
كذلك ورد اعتراف بغير المسلمين وبالمشركين أيضاً في القرآن: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالمجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(الحج:17). إذن، مَن الفاصل بين البشر: الله أم أصحاب المنابر!؟ طبعاً، سيقولون إنها منسوخة! وهذا لا اعتبار له عندنا.
لا يجد هذا المعمم مكانةً له، بين العوام، بلا خطاب الكراهية، لأنها تجارته على حساب السّلم الاجتماعي. ليس بالضرورة أن يكون الإنسان فقيهاً كي يدرك قيمة السّلم، وإنما الحياة أبرزت بسطاء لا يعرفون طريق الحوزات الدينية ولا المدارس. يقول الفريد ثيسيجر(ت2003)، لما حل ضيفاً على رجل مِن أهل الأهوار، وقد اعتلا معمم المنبر، ولما رأى ثيسيجر قال مندداً بصاحب المضيف يونس، بأنه كيف يمكن لسامعيه تأمل الرّحمة والشّفاعة، وهم يسمحون لكافر بتدنيس بيوتهم(عرب الأهوار)؟! طالباً أن لا تُقدم القهوة لثيسيجر. فقام يونس غاضباً: «في بيتي الضّيوف يشربون مِنْ فنجان واحد، ومَنْ لا يعجبه هذا فلا قهوة له عندي»( المصدر نفسه)! فشرب الجميع إلا الخطيب! أقول من هو النَّافع للإنسان والوطن، أصحاب المنابر وهم يبثون اللؤم، أم يونس الذي اعترف للخطيب أمام الجميع: «أنا معيدي(إنسان بسيط) ولستُ بعالم دين»! لكن الإنسانية أولاً.
بعد هذا، يوجد ضمن قانون العقوبات العراقي لسنة 1969، وأظنه ما زال ساريَ المفعول، بما يخص السِّلم الاجتماعي واحترام الأديان والعقائد، المادة(372): «يُعاقب بالحبس مدة لا تُزيد على ثلاث سنوات أو بغرامة لا تزيد على ثلاثمائة دينار: مَن اعتدى بإحدى الطّرق العلانية على معتقد لإحدى الطّوائف الدّينية أو حقر مِن شعائرها. مَن تعمد التّشويش على إقامة شعائر طائفة دينية، أو على حفل، أو اجتماع ديني، أو تعمد منع أو تعطيل إقامة شيء مِن ذلك. مَن ضرب، أو أتلف، أو شوه، أو دنس بناءً معداً لإقامة شعائر طائفة دينية أو رمزاً، أو شيئاً آخر له حرمة دينية…».
يُعاقب أصحاب المنابر لبثهم الكراهية، وفق هذا القانون، مع المنع مِن اعتلاء المنبر، وإذا ما زالت مادة «أربعة إرهاب» سارية، فإن أمثالهم يستحقونها، فقد اعتدوا علانية، على مواطنين، المفروض أن تحميهم الدَّولة مِن غربان الكراهية.
ختاماً، مِن مصلحة أصحاب المنابر، وأرباب الميليشيات أن تبقى الدَّولة ضعيفة، فهذه الفوضى في الخطاب والسِّلاح لا تكبحها إلا قوة الدَّولة، التي تمثلها ثنائية الميليشيا والمنبر، يُلخصها لسان الدِّين الخّطيب(ت776هجرية): «قامَ بكلِّ بقعةٍ مليكٌ/وصاحَ فوقَ كلِّ غصنٍ ديكُ»(السَّهلاوي، الاستقصا).
*كاتب عراقي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close