المحطة 5 الفرزة الثانية

المحطة 5 الفرزة الثانية ِ
أعـودُ الـى موضوع عـبـد الـنـبـي سـلـمـان فـفي عـام 1985 مـرّ من أمامي فـنـاديـتُهُ وقدمتُ لـه قـدحًـا مـن الـموطة
وكان محلي لبـيع الـمـرطـبات في بداية السوق وهو الان استوديو للتصوير اشتراه مني جواد المصور .
أكـل الـمـوطـة وهَــمّ بـالـذهـاب فأخبرتُهُ عن كـتاب بـراءة الـذمّـة فقال بشيء من الانفعال :
أنا لا أوقع وارفـض إعطاءك براءة الذمة ولـمّـا نـاقـشـتُـهُ وقُـلـتُ لـهُ بأنّـي كـنـتُ أسَـلّـمـهُ الـبـضـاعـةَ عـن طـريـق اللَـجـنـةِ
ولا مـوجـب لـرفـضـهِ أجابني أنتَ تـتحـمّـل كل ما عـنـدي مـنْ نـقـصٍ في المخزن فـأضحكني جـوابُـه ورددتُ عليه
كي اغيضه سـتـعـطـيـنـي الـكـتـاب غـصـبًا عـنّـك وذهـب من عندي ولم أرَ صـورتَـه الى يـومـنا هـذا .
والـذي حَـصلَ مع أبي وابيه القماش سـلـمان الـبـدراوي هـو أنّ والـدي إلـتـزمَ بـاخـراج دُكانين مِـنْ البـيت وكانا
صغيرين ظنًا من والدي أنّه سيخـتار أحـدهـما ولـكنّـهُ تـنـصل بحـجّـة أن الـدكان صـغير وفي هـذا أرى لـه بعض
الـحق وكان على ابي ان يسأله عن المساحة المطلوبة قبل ان يتصرف في مساحة البيت التي هي لاتكفي أصلاً
لصغرها وكان على سلمان البدراوي ان يذكر لأبي المساحة التي يُريدها وقد فاتت على الاثنين والصحيح كانَ
عـلى أبـي أن يعـتـذر لـضـيـقِ مـسـاحة الـبـيت ولكن الضيق المالي على أبـي كان اكبر وهو الـدافع بـعـد أن نـزلتْ بـنا
الـحـال الى الصفر .
أعـود الى موضوع الـبـيـت فـأصـبح ارتـفـاع سـقـف الـحُجـرتـين الى ثـلاثـة أمـتار ونصف ولو كان الاسطه حسن بيك
ذو عقلية وخبرة فنية في البناء لجعل مكان الغرفة التي على الشارع حجـرتـين فنـكـسـب غُـرفـتـين كـبـيرتـين بـأقـلِّ
كُلـفـةٍ ونتحاشـى انـزعـاج جيراننا بـيت غـلام لـفـته ابو جابر وبـيت الـملا اسـماعـيل لأن الـغرفـتيـن سـتـكونان ستارًا
مانعًا من الاشـراف عـلـيهـما وكما يقولون ما بين حانه ومانه ضاعت مصاريف كثيرة وهـذا ما حـصـل وقد
تـحـمـلها خـالـي عبد الامير .
إكتمَلَ بـناء بـيت جـدي وانـتـقلنا لـه منـتصف شـهر تـموز عام 1954 كما أسـلفتُ وكان الـبـيتُ على صغره إلّا
أنّـهُ مَـنَحـني شعـورًا وكأني في قـصر مُـنـيـف وجدتُ فـيه كل مـسـتـلزمات الـراحة الـنـفـسـيةِ لا أعـرف أسـبـابـها ولكـني
أعـزيـها الى روح جـدي الـحاج حـمادي الـذي كان مـثـالاً للـرجـل الـمـؤمـن الـمـلـتـزم بـديـنـه وقـيـمـه .
وقـد ذكـر الاسـتـاذ مـثـنى حـسن مهـدي الـدُبَـيّـن في كـتـابه عـالمـية مـديـنة الـكوت وقصة الحصار أن الـناس
يُـطـلـقـون عـلى جـدي الـحاج حـمادي لـقـب الـمـؤذن وهـذا ما قـالـتـهُ لي والـدتي حـيث كان والـدها يـتـمـتع بـصوت
عـذب وغـالـبـيـة الـناس في المحلة ينتظرون وقت أذانهِ لِـيُـصـلّـوا او يُفطروا في شهر رمضان .
إسـتـبـدلـنا الـفانوسَ والـلالـةَ في بيت جـدي بـمـصباح الكهرباء وهـذه طفرة نوعـية رغم وضع أبـي الـمـالي المنهك
وذلك لمتطلبات الحياة وفي هـذا الـبـيـت ألـقـيـنـا عـصـا الـتـنـقـل والايـجـارات الـى آخـر يـوم مـن حـياة والـدتي في
15 آب 1983 حيث إنـتـقلت الـى بـارئـها أمّـا عـن مـوضـوع الـدار فـلـه حـديـث سـأتطرق الـيه إن شـاء الله .
وفي هـذا العام 1954 كُـنـتُ في الـصف الـرابع الابـتـدائي والـمفروض أن أكون في الصف الـخامـس ولـكن كما
أسـلـفـتْ كان عمي عـبـود وراء رسـوبيكما حصل مع أخي نـافع وابن عمي سـعـيـد اللذان كانا قـبـلي وفي نـفـس
الـمرحـلة والحـديث قـادم ان شاء الله .
ذكـرتُ سـابـقًـا أن وضع والـدي الـمالي وصل الى الـصـفر ولـتحـقـيق مـورد يُـغـطي بـعـض حـاجـاتـنـا كُـنـتُ وأخي
نـافـع نـعـمـل أثـنـاء الـعـطلـة الـمـدرسـية الـصـيفـية إمّـا في أعـمال الـبـنـاء أو عـنـد صـديـق أخي إسـكـنـدر عـلـي الـذي
غـيّـر اسـمـهُ الى زيـد علي وهـو كردي فيلي مـن سـكـنة مـحـلـتـنا لـه محـل في مدخـل الـسـوق وقـريب من بيت
جـدّي يـبـيع فـيـه الـدونـدرمـه والـثـلج وقت الصيف .
يـبـدأ عـمـلـنـا من الـسـادسـة صباحًا وحتى الـعاشـرة لـيلاً تـتخـللها فـتـرة فـطور في الـبـيـت وفـتـرة غـداء ووقـتُـهما لا
يـتـجـاوز نصف ساعة في الفطور وساعة واحـدة في الغداء وأجـوري في عـمـلي طيـلـة هـذا الـوقـت لا تزيـد عـن
مـائتي فلـسًا أمّـا نـافـع فـيـقـبض ثـلاثـمائة فلـسًا وأحـيانًا يـتـنازل عـنها إذا ما شـكا صـديـقُـهُ إسـكـنـدر مـن قـلّـة الوارد
في ذلك الـيوم ولا يُعـوضه عنه في الايام التي يتحسن فيها البيع وهـو يـدري أنّ أهـلـنا بحـاجةٍ مـاسّـةٍ ولـو بتعويض
نصف الاجور .
وإسـكـنـدر أو زيـد تـزوج أكـبـر بـنـات عَــلَـم واسـمهـا رضـيـه وهـو وجـابـر غـلام لفته عـديـلان وعـائـلـة اسكندر
تـتـألّـف مـن امهم واخـوتـه عـلي عـسـكر وعـلي أكبر وعلي عباس وهـو أصغـرهـم تـزوج هـو الآخـر من أصـغـر
بـنـات عَـلَـم واسـمها خيريه وهـي مـعـلـمـة وعَــلـم وأخـوهُ عَـرَب من الاكراد الفيليه .
وأمّـا عـنعـلـي أكـبـر فـقـد قُـتِـلَ في نـزاع لا عـلاقـة لـه بـه حـيـث كان مُـحاجـزًا في عـراك نـشـبَ بـين عـبـد كـور شـريـكهِ
في الـمـحل وجـارهـما عـلـيوي سـلمان نـهابه وفي حالة شـجـارهـما والانفعال رمى عـلـيوي نـهـابه عـيـارًا بخمسة
كـيـلوات من الخـلـف أصـاب بها عـلي أكبـر تـسـبب بــكــسـر عـمـوده الـفِــقَـري وانـقـطـاع الـحـبـل الـشـوكي فـسـقط
علي اكبر على الارضِ وقـامت احـدى أخـوات عـلـيـوي بـسـحـله من أعـضائه الـتـنـاسـلـيـة وكأن الـشـجار والعراك
مُـبـيّـتٌ لـيـكون عـلي اكبر هو الـضحـيـة ولـيـس شـريـكهُ عـبـد كـور وتـسـربت أقـوال أن هـناك غـرضًا من وراء هـذا
لا أسـتـطيعُ تحـديـده والغريب أن عبد كور وعليوي بقيا متجاورين الى يوم خروجي من العراق وربما الى الآن .
وقـد كنتُ حـاضرًا في المـسـتـشـفى الـتي كانت تـقـع قـريـبةً مـن الـسـدّة فرأيتُـهُ مُـسـجّى فـاقـدًا للـوعـي وفوق رأسـه
أخـوه إسـكـنـدر يـبكي بعـد أن أبـلغـه الطبـيب بأنَّ أخيـه مـيـؤسٌ مـنـهُ.
حـصـلت هـذه الـحادثـة في صيف عام 1953 وقـد تركت ألـماً في نـفـوس أهل الكوت لكونـه شـاب بعـيـد كل الـبعـد
عن الـمـشاكل أمّا عـليوي فـقـد سُـجِـنَ خـمـس سـنوات وكذلك أخـتُـهُ مع غـرامـةٍ أو دِيّـةٍ مالـيّـةٍ دُفِـعـتْ لأهل
عـلي أكـبر .
وفي صـيـف عـام 1955 حضر نـفـرٌ من أعـمـام والـدي وأولاد عـمّـه عــددهـم خمسة أفـراد الى بـيـتـنا عـنـد
الـظهـيـرة دون سـابـق عـلـمٍ فـرحّـبَ بهـم أبـي واسـتـقـبـلهـم بـسـعـادة غـامـرة وهـو لا يعـلم ما دواعـيها وكـل تـوقـعـه
أنّـهُ دفـع مـبـلغ لـتـسـديـد ديّــةٍ كـمـا هـو دأبُـهـم فأدخـلـهـم الـحـجـرة وقـعـدوا قـلـيـلاً ثـم دارَ بـيـنهـم حـديـثٌ ونـقاشٌ
تصاعدت حِـدّتُـهُ بـعـدهُ أخـرج أحـدهـم وهـو أكـبرهـم سِـنًّـا عـصًا كان قد وضعها تـحـت الفراش الجالس عليه
وقـال مُـهــدّدًا إذا لـم تـوافـق عـلى طـلـبنا سـنكـسـر الـعـصا وهـذا بالعُرف العشائري تـخـلي العـشـيـرة عـن ابي فخـرج
أبـي من الـحُـجـرة لـيـتـشـاورَ مع والـدتـي وبعد مناقشة قصيرة دخـل عـليـهـم ابي وأخـرج الـعـصـا وكـسـرهـا أمـامـهـم
وقـال لـهـم أنـا كسرتُ العصا معكم ولا أعـرفـكم بعـد الـيوم فـخرجوا مخـذولـين لم يكن يـتوقعـون هـذا الـردّ ولـم
أرهـمْ الى يـومـنا هـذا وقـد تـبـيـن فـيـما بعـد أنهـم يُـريـدون من أبـي تـزويـج بِـكـرَ أولادهِ أخـتي لـمـيعـه من إبـن أخـيـه
عـباس كـاظـم مـنـصـور ولكن ما حـصـل مـن أبـي وبـدافـعٍ مـن أمّـي حـسـم الـمـوقـف والخروج من الدوّامة .
وهنا أقول : كان عـلى الـعـم كاظـم أن يُـمَـيّـز واقـعـنا الـذي نعـيـشـه في الـمـديـنةِ وواقـعهـم الـذي يـعـيـشـونـه في الـريـف
الـذي يـفـتـقـر الى أبـسـط وسـائـل العـيـش كالـمـاء والـكهـربـاء وسـكنـهم في بـيـوت الـطـين في ام حلانه / الفلاحية في
حـيـن كان مـتـقـدّمًا لـخطبـتها بنـفـس الـوقـت مُـدرّس من عـشـيـرة الـعـبـوده يـسـكن مـحـلـة الـمـشـروع وكـان على
الـخـط أيـضًا إبـن عـمـها صـادق عـسـاف الـذي كان يـعـمل كاتـبًـا في الادارة الـمـحلـية إسـتـمـرّ الـمـوضوع يدور وسـط
الـعـائـلة الى أكـثـر من عـامٍ حتى رَسَـتْ الـقِـسـمـةُ عـلى الـمُـدرس خَـضِـر محـمـد جـوده الـعـبودي عـام 1957
وهـذا أول زواج لأولاد يـوسـف مـنـصـور .
*********************************************
النمارك / كوبنهاجن الجمعة في 12 / حزيران / 2020
الحاج عطا الحاج يوسف منصور

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close