العقل السياسي العراقي اليوم… ومواجهة التحديات؟

العقل السياسي العراقي اليوم… ومواجهة التحديات؟

حكمت مهدي جبار

من الواضح ان العراق مر بحروب ومصائب ومشاكل وقضايا.ادت الى تعرض العقلية فيه وخاصة السياسية الى هزات ومواقف روضته وجعلت منه عقلا عارفا بقضايا ومسائل كبيرة ومهمة جدا.غير ان أكبر صدمة تعرض لها العقل السياسي العراقي في التاريخ هي عندما سقطت منظومة افكاره ثم تناثرت لعدم مقدرته على استيعاب ماترتب على مرحلة مابعد سقوط النظام السياسي السابق الذي اصطبغ بصبغة العقلية البعثية القومية ذات المنهج العروبي والذي انتج عقلا عراقيا متمرسا محنكا رغم ما اصابه من تأثيرات النزعة الفردية لسياسة صدام حسين وتلوثه بثقافة حزبية ضعيفة قامت على رعونة في وضع اشخاص في مواقع حزبية دمرت الفكر الحزبي وهدمت قواعده التنظيمية وتحول الحزب من فكر وعقيدة الى مؤسسة بوليسية. فتراجع العقل السياسي وبدأ التخبط ووقعت الازمات والاشكالات.ولأن الحال صار هكذا سقط الحزب وانهارت معه عقليات محسوبة عليه.

سادت الفوضى بعد السقوط وجاء من جاء الى مواقع ادارة الحكم بعقلية سياسية ضعيفة لم تقدر على لملمة ماتبقى من الفكر السياسي المتشظي رغم عودة بعض الكبار من المفكرين العراقيين لكنهم لم يتمكنوا من الخوض في بحر من الجهل والصراعات والنزاعات والتخالفات..جاءت حكومات وبرلمانات. لكن الحياة السياسية في العراق بعد التغيير لم تفرز قائدا بمستوى رجل دولة وذو عقلية سياسية محنكة؟

يعزوا بعض المحللين السياسيين الى ان غياب العقل السياسي العراقي بعد التغيير هو ان التغيير جاء بفعل تدخل اجنبي،ولم يأتي اسقاط النظام على يد قوى سياسية عراقية مهما كان توجهها.فلو كانت ادوات التغيير وطنية خالصة بدون تدخل القوات الاجنبية الامريكية وحلفاءها لأفرزت شخصية وطنية من رحم وطني وقائد عراقي بامتياز لعله يوحدها.وعندما احتلت القوات الامريكية وحلفائها العراق جاءت احزاب وجماعات بلا منهج ولاعقلية ولا فلسفة ولا توجه انما جاءت على شكل تنظيمات مسلحة كل تنظيم له عنوان وقائد كلها ترفع شعارات الانتقام والثأر تجتمع تحت هدف التخلص من نظام البعث وصدام بينما يختلفون او ربما يتنازعون في الخفاء على مصالح حزبية وطائفية وقومية.

وما ان حصلوا على مغانم السلطة التي جاءتهم مسلفنة وعلى طبق من ذهب دون عناء ولاقتال ولاثورة ضد الحكم السابق انتهت غايتهم بانتهاء النظام عندما تعاظمت الاطماع والخلاف فيما بينها على حساب المصلحة العليا للوطن. وليس غريبا ما قاله(بول بريمر ) بكتابه الذي ضمنه مذكراته المعروفة والمشهورة ،عندما ذكر ((ان الشيعة كانوا يأتونه للمطالبة بمصالح طائفتهم،وكذا فعل السنّة والكورد)).(حسب الكتاب)ويضيف ((بأن لا احد جاءه يطالب بمصالح العراق))..

ومن يدري قد يكون هذا هو السبب الذي دفع بريمر الى ان يدعوا الى رسم (خريطة العراق الشيعية السنية الكردية)ان صح التعبير.ويضعها في جسم العملية السياسية العراقية.منطلقا من الاحزاب التي تحدث معها وعايشها انما هي احزاب بلا عقل سياسي ولافكر انما تحكمها ايديولوجيات وعقائد خاصة بها.

من الواضح ان هناك حقيقة تقول (ان االشخصية السياسية العراقية هي نتاج طبيعة المجتمع العراقي،الذي ينفرد عن المجتمعات الأخرى بأنه شعب منتج لأصناف متضادة من البشر بمواصفات عالية الجودة).فهو مجتمع المتناقضات والاختلافات.لكن ذلك عامل جيد ودليل على حيوية المجتمع العراقي.ففي الوقت الذي انجب فيه علماء وفنانين وشعراء وعلماء وفلاسفة وقادة ورجال دين وشيوخ عشائر من طراز رفيع،فأنه انتج لقتلة ورعاع وغوغاء بمواصفات عالية الجودة.

في سنة (1958) عندما ثار الناس على العائلة المالكة قاموا بقتل افرادها العائلة المالكة وراحوا يطوفون الشوارع يحملون الاشلاء أيديهم في حشود هائجة بهستيريا وكانهم بلا عقل ولاوعي إنساني.وقام زعماء بقتل آلآف من اصحاب الفكر من شيوعيين وقومين ولبراليين.علماني يقتل ديني واسلامي يقتل مدني او ماركسي ..وهكذا كل يكفر الآخر..

ان قراءة في تاريخ العقل السياسي في المجتمع العراقي نجد وكما اطلعنا باحثون وخبراء ومفكرون ان العراقيون يصنعون زعيمهم الطاغية ويصفقون له ثم يشكون طغيانه وظلمه يرفعون من يختارونه للسماء حين يكون في السلطة ولكن عندما يسقط يقطعونه أربا .وهكذا اليوم يصفقون لشخص ويصعدونه الى العلياء رغم انهم يعرفونه مغامرا او لصا او قاتلا! او ينتخبون احد ليس من اجل سواد عينيه انما بالضد من جهة معينة او شخص معين.

كما ان الشخصية السياسية العراقية.هي حصيلة لأحداث معينة فمثلا التغيير الذي حدث في نيسان 2003 تجاوز هدفه الرئيسي وهو اسقاط النظام على امل تاسيس نظام ديمقراطي جديد بديلا عنه وانقلب الى تهديم الدولة وتخريب المؤسسات ونهب وسلب الاموال والثروات بحجة انها اموالهم وكانت مستلبة من قبل النظام السابق وتوقفت القوانين وعمت الفوضى وتمزق المجتمع العراقي الواحد الموحد الى فرق واحزاب وخنادق واستحضرت القوة والصراع المسلح بين الاخوة والاصدقاء وحتى الاقارب بعد ان اكتشفوا بانهم كانوا في ظلالة.

فانكشف الجار بانه كان عدو عقائدي خفي وانكشف الصديق بانه من غير مذهب وقومية وعرق.وهنا دنست جذور الانتماء ثم تقطعت وتحولت العلاقات الاجتماعية الى سلوك من يحمي نفسه ويخلصها من خلال ولاءات عمياء خوفا من القتل والموت.فصار الانسان العراقي اليوم همه وشغله ان يمتلك الحاضر بأي طريقة دون النظر في المستقبل.

ان العقل الذي صار ينبش الماضي دون مبرر هو عقل سوداوي فطائفة اكتشفت بعد حين انها كانت مظلومة لان طائفة اخرى كانت هي التي حكمت العراق آلاف السنين انما هو شيء خطير وكأن هناك ضحية اكتشفت اليوم جلادها! وهكذا ايقظ العقل العراقي الجديد الفتنة بعد ان كانت نائمة ونتجت هواجس نفسية بين الشيعة والسنة لامبرر لها لتكون صراع بغلاف التنافس فتصاعد العزف على الوتر الطائفي لترويج خاصة في وقت الانتخابات والذي لا يمكن ان ينتج عقل سياسي ليؤسس دولة وليخلق رجل دولة.

لقد بات من الواضح اليوم ومن خلال معايشتنا للقادة السياسيين العراقيين ان كل واحد منهم يشك بأن الآخر انما يتآمر عليه بشكل او بآخر تلك الهواجس السيئة كلها طبخت على نار الطائفية والعرقية التي ترسخت وللأسف في ثقافتنا وعقليتنا العراقية السياسية وهذا أمر طبيعي ان يجعل الشخصية السياسية العراقية اليوم ضعيفة في مواجهة عالم السياسة ولاتستطيع ان تقتلع شكوكها وتحسن الظن بالاخر،فماتبثه بعض الفضائيات من تصريحات ضيقة طائفية انما هي سموم خطرة على المجتمع العراقي حيث التهديد والشك والظن والتكفير والتسقيط..

هكذا يبدو العقل السياسي العراقي اليوم قلقا مضطربا خائفا قليل الثقة بنفسه لايملك الا التشهير والفضح والكشف فضلا عن اهمال القضية الاساسية التي جاء من اجلها وهي خدمة الشعب والوطن الى الانشغال بحسابات الربح والخسارة..ولكن رغم كل هذه النتاجات الصعبة والموروث السلبي فأن هناك مايبشر بالخير وان هناك ثمار عقلية ستينع على ايدي الطبقة الشابة بما يمتلكونه من حماس اضافة الى العقل الجديد المتنور الذي نجا من تلوث صراعات مابعد التغيير ليأتي في زمن هو زمنه لامحال..

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close