الفلسطيني إياس ناصر .. شاعراً ومفكراً في عهدة زمانه

عصام الياسري

بعد انقطاع دام لأشهر معدودة، كتب لي في ١ تموز ٢٠٢٠، الباحث والشاعر الفلسطيني “إياس ناصر” خطاب جاء فيه: أخي الأستاذ الإعلاميّ عصام الياسري، أحمل بين جوانح الصّدر تقديري العميق لكم ولإنجازاتكم الثّقافيّة، وقد حملتم شعلة منتدى بغداد للثّقافة والفنون في برلين، وسطّرتم بنورها ما يبقى شاهداً ناصعاً على فضلكم وعلى دور الكلمة والأدب في الرّقيّ التّربويّ والفكريّ. وما أسعدني إذ تعود بي الذّكريات إلى الأمسيتين الثّقافيّتين في منتدى بغداد، وقد تشرّفت باستضافتكم لي، فكانت الأمسية الشّعريّة الأولى (في تاريخ ٢٠ تمّوز ٢٠١٩) احتفاءً بديواني الشّعريّ «قُبلة بكامل شهرزادها»، ثمّ تلتها الأمسية الأدبيّة (في تاريخ ٣ أب ٢٠١٩) التي ألقيت فيها محاضرة بعنوان «وعدٌ صريحْ أو يأسٌ مريحْ: اليأس والعزاء في الشّعر العربيّ القديم»؛ فكانت هذه الذّكريات مبعث فخر وسعادة لي، لما لاقيته فيها من ألق ثقافيّ وهّاج لا يبرح نفسي ما حييت.

لم يكن خطابه مفاجئة، لأننا اعتدنا التحدث تلفونياً أو المكاتبة بين الحين والآخر، إنما المفاجئة، أن رسالته جاءت في وقت كأنما كان يريد مني أن أستقِرِيء مغزى ما يجول في خاطره.. وبإشارات امتنان لحظية بسيطة قابلت موقفه بالقول: عزيزي الصديق المبدع إياس ناصر.. من بين أبراج المسرات وهي تغفو هادئة على منحنيات السواقي تنهل من عبق الرياحين، أقطف ما يسرك من تمنيات وسلامات. استمتعت كثيراً بقراءة قصيدتك الجديدة الرائعة الموسومة “لاجيء”.. محكية وجدانية تبحر ولن تستريح، هجاء موال أبدي على أطلال فلسطين العريقة بتاريخها وإرثها الحضاري.

الدكتور إياس ناصر شاعر فلسطينيّ وباحث في الأدب العربيّ. أحيا أمسيات شعرية في فلسطين وخارجها، وأسهم في حضور القصيدة المرهفة التي تجسّد واقع الإنسان الفلسطيني. تتميّز قصائده بالأسلوب السّلس والمبتكر وتتناول مواضيع مختلفة من أبرزها الحب والانتصار للمرأة والانتماء إلى الأرض والوطن. كتب عن شعره نقّاد كثيرون، ولُحنت وتُرجمت قصائده إلى عدة لغات. صدرت له مجموعتان شعريّتان: “قمحٌ في كفّ أنثى” بيروت، ٢٠١٢، و “قُبلة بكامل شهرزادها” حيفا، ٢٠١٥، وديوانه الشعري الثالث قيد النشر.. قدم ورقة بحث عن التشبيه في “الشعر الجاهلي”، وتم اختياره من بين أكثر من مائتي باحث من الحاصلين على لقب الدكتوراه في مختلف المجالات، لمنحة لجنة فولبرايت الأمريكية ولجنة منيرفا الألمانية المكوّنة من كبار الباحثين الجامعيين، واختار برلين لمتابعة أبحاثه الأدبية في العام الفائت في جامعة برلين الحرة. قصائده التي يفيض بها ديوانه الشعري الموسوم “قُبلة بكامل شهرزادها” فالقدس في القلب، والوطن هو الحب، ووجه الجليل قصيدة ذهبية.. أما في اليأس والعزاء في الشعر العربي القديم. يقول الدّكتور إياس ناصر في بحثه الموسوم “وعدٌ صريحْ أو يأسٌ مريحْ”: بخلاف النّظرة المألوفة في العصر الحديث إلى اليأس على أنّه حالة يكتنفها قطع الرّجاء والحزن، أسبغ الشّعراء القدماء الذين عاشوا قبل الإسلام وفي مطلعه صورة إيجابيّة على اليأس وعدّوه مصدراً للرّاحة والعزاء وتعبيراً عن الإباء والحرّيّة.. لكنه يسأل: ما معنى اليأس ودلالته في نظر الشاعر القديم؟ وكيف يكون اليأس سبيلًا إلى العزاء والراحة؟ وما معنى القول المأثور “وعدٌ صريحْ أو يأسٌ مريحْ”؟ أو المثل القديم “اليأس إحدى الرّاحتين”؟ وكيف يكون اليأس طوق النّجاة للشّاعر العاشق الذي يكابد الانفصال عن الحبيبة وقد خلفته حزينا يأسى على فراقها؟ وما علاقة اليأس بالكرامة والحريّة؟ وهل يُعدّ اليأس نقيضا للطمع؟ ولماذا ذمّ الشاعر الأمنية وعدّها حالة من الوهم والضياع؟. في الإجابة عن هذه

الأسئلة يخوض الباحث ناصر باستعراض قصائد قديمة متنوعة قيلت على لسان شعراء عرب في أزمنة غابرة. في القرنين السادس والسابع، وذلك من أجل فهم القيم والتصورات الاجتماعية والسلوك المتعارف لدى العرب في تلك الحقبة.

أثناء حديثنا المباشر لأكثر من ساعة على التلفون،هو من حيفا الفلسطينية، وأنا العراقي المقيم في برلين التي تتحمل كيداً من آثام الماضي وآثاره على مستقبل وطنه. أسمعني شيئاً من قصيدته الحديثة “لاجيء”. يا نسمةَ الصّبحِ النّديِّ تمهّلي

حتّى أُحمّلَكِ السّلامَ لمنزلي!

أنا في المخيّمِ من سنينَ تطاولتْ

ما زلتُ أحسَبُها كيومي الأوّلِ!

لي منزلٌ تحت الضّلوعِ مُعرِّشٌ

من أرضِ حيفا عند سفحِ الكرملِ

يشير فيها وبوضوح إلى مسألتين: أولا، “المنزل” للتعبير عن مدى قداسة الوطن، الذي سلب وانتهكت حرمته، فأصبح صاحبه فيه لاجئاً في بلاده. يعيش مشاعة القهر وفقدان المشهد القيمي. والمسألة الثانية، خطاب التحريض “التكاملي” ـ أحملك السلام لمنزلي.. أنا في المخيّم من سنين تطاولت! كأني بِيّ قول الشاعر: نامي جياع الشعب نامي،، حرستك آلهة الطعام.. لا يفصل بين العام والنخبة، في ذلك الشأن وأهميته من الناحية الرمزية، لبسط ثقافة الدفاع عن مكانة الوطن ومحاولة الكشف عن حقيقة ما يجري. وهذا ما يفسر باختصار معنى الثقافة ودور المثقف حقا. ووفقا لعلم الأنثروبولوجيا، فإن الإنجازات الثقافية لا تظهر فقط من الاحتياجات الطبيعية للمجتمع ولكن أيضا من الاحتياجات التي تضعها المنظومة الثقافية نفسها.

قولي له: ما زال يَسكنُ في دمي

في خاطري في هاجسي… لا ينجلي!

إنْ رحّلوني عن بلادي… إنّما

تبقى معي في خافقي لم تَرحلِ!

في مقدمته يقول المؤرخ والفيلسوف العربي عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، وليس اليهودي الهولندي برتغالي الأصل سبينوزا: “إذا ما توقفت الحضارة تأثر الغناء”. لكن ماذا يعني ابن خلدون بهذا الوصف الجمالي والفلسفي الدقيق؟. يعني به المسافة بين الفعل والإبداع، ومدى العلاقة الجدلية والفكرية بينهما لتغيير الواقع بالمطلق. وإذا كان بن خلدون يدرك تماماً بأنه عندما يصطدم العلم بظلام العقول، تحيد الثقافة والفنون، لكنه لا يشك لحظة بأن المنطق يقود إلى الحقيقة، وهو أساس الحركة نحو التغيير والرقي في عوالم المجتمعات والشعوب.. اذن الشاعر “إياس ناصر” أراد بهذه الوسيلة للتعبير عن وجهة نظر ملتزمة في مسعى لكشف ما هو مستور، لأنه مؤمن بقضيته وبأن التغيير الفكري والسياسي لا يمكن أن يتحقق إلا بقول الحقيقة وتحمل مسئوليتها. لفعل كبير في التأثير على الخطاب المجتمعي وقيمه وتراثه.

Read our Privacy Policy by clicking here