راي في التخلف/2

راي في التخلف/2

عبد الرضا حمد جاسم

الدين والتخلف:

لكي تعيث في المكان تخلفاً أنشر الحزن فهو الكفيل بإشاعة الكسل والتردد والضعف والاتكال والندم والبحث عن أمل فيما انقرض و اندرس…الحزن يجعل الانسان سهل الانقياد ويائس ومتردد يلجا الى التمسكن والدعاء والخوف…لذلك تجد البلدان المتخلفة حزينة وتقام فيها مواسم للحزن والشعوذة بعكس البلدان المتطورة او الباحثة عن التطور حيث تقام فيها مواسم الافراح لتجدد ابتسامة الحياة والامل والوضوح.

البعض يربط بين التخلف والدين او يرجعه اليه وهذا يجافي حركة التاريخ او المجريات فأكيد ان التخلف سبق الاديان. والديانات عند بزوغها ثوره ضد ملموسات التخلف حيث نقلت حال سائد الى اخر باتجاه الاحسن…عالجت امور ورتبت مجتمع وغيرت مفاهيم وهي لبنة مهمة لوعي انسان اليوم وما يدور عليه أو حوله بشكل اوسع وأكثر تحديد ودقه وعدل عن سابقاتها. وهي من اللّبِناتْ التي نظمت التجمع والعمل الجماعي واوجدت صياغات جديده لتنظيم الحياة الشخصية والعامة رغم عظمة واهمية ما قبلها. أعادة الاديان تنظيم الحياة الأسرية والامور المالية والإدارية والعسكرية للمجتمع التي ظهرت فيه واوجدت بدايات القراءة الجماعية والتنظيم الجماعي المسموع والمعترف به…ولمت الشتات وحددت اهداف ووضعت خطط لتحقيقها وادامة الزخم.

لكن التخلف تعاظم واستشرى نتيجة التوقف الذي بني على منع العقل من الانطلاق بفعل التمسك بما ورثه الآتين واقصد هنا ان التخلف بدأ من اول من نطق ان الذي وجد في ذلك الزمان يصلح لكل زمان وان هناك من يقسم الارزاق وهو المرتجى وان من يأتي الى الحياة ينزل معه رزقه او استحقاقه الحياتي .ولم ينتبهوا او تناسوا عمداً او غباءً من أن لكل شيء زمانه وكل شيء يختلف مع الزمان حتى طباع البشر… فالهواء قبل الف عام ليس نفس هواء اليوم ولا الماء نفس الماء ولا انتاجية الارض نفسها ولا جهاز المناعة عند الانسان هو نفسة ولا سعة الكون نفسها ولا الامراض نفسها ولا طرق العيش نفسها ولا الاذواق نفسها وحتى الاشكال قد تغيرت و حتى قدرات حواس الانسان ومداركه قد اختلفت. ولا يمكن لعاقل اليوم القول (مثلُ حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبله مئة حبه) قد يقول البعض ان في ذلك مجاز…اقول ان القوم كانوا يريدون امثله من الملموس لديهم وهم في الصحراء لا يزرعون ولا يعرفون السنابل وما تحمل.

من أُسُسْ أو مُرّتكِزاتْ التخلف هو ما يظهر بشكل كبير في الاعتماد على الموروث سواء كان دينياً او سياسياً عند الكثير من الكتاب او القارئين والقراء او حتى المثقفين من قال فلان وقال الاخر حتى انهم يتصارعون فيما بينهم بواسطة قال فلان وقال الاخر العلماني يرفض استناد الديني الى القديم ويفند ذلك بأقوال وافعال قدماء والديني يعتقد بصواب وديمومة ما يعرف ويعترف بالتطور او الفروقات لكنه ابدع في اعادة انتاج وتسويق المحددات لكل حركه باتجاه الأمام.. فمن يقول قال الله في محكم كتابه ويرد الاخر قال ماركس في محكم كتابه ويعود اخر ليقول قال نبي الله ليرد الاخر قال دارون ولم يسال احدهم الاخر وماذا تقول انت هل شعرت او رأيت مما قاله الله او قاله ماركس قد يقول قائل ومن الطرفين ان هذه المقارنة غير مقبولة اقول ان ما اجتهد به الانبياء والفلاسفة منهم هو رايهم شاهدوه ولمسوه وفكروا به وكتبوا عنه ولم يرغموا احد على تصديقه او السير عليه بما فيهم محمد ومن يشك في ذلك وهم كثر عليهم ان يعودوا للمصادر التي يستقون منها معلوماتهم ليجدوا انها متناقضة في كل شيء ومن مصادر غير موثوقة وكل ناقل ورد اسمه فيها تراه يسرد ما لا يعقل ولكل ناقل منهم اقوال مرفوضه او ضعيفة او غير متفق عليها

قام بغزوات نعم كما كان يقوم بها مَنْ هم قبله ومنهم من بعده وحتى اليوم ومعها طبعا ما يحمل من قبلها ليساير القوم والقوي منهم قَبِلها ومن رفضها رفضها والا لم يكن هناك غير حزب المنتصر فلم تكن هناك محافل دوليه ولا حقوق انسان ولا محاكم جرائم حرب

وهم بذلك يتحولون الى ما يشبه ما يعترضون عليه حيث يعترضون على الاستناد الى اقوال واحاديث وآيات وغيرها ممن قيلت قبل الالاف السنين من قبل رجال الدين وكأن ما قيل ثابت وكأن الذين قبلنا اكثر فهماً منا لما نحن فيه…قال محمد وقال افلاطون وقال ماركس وقال فولتير وقال فلان وكلهم بشر مثلنا قالوا ما شعروا به وفكروا به ولكنهم جميعا ليسوا اكثر فهما منا (يعني من مثقفي وعلماء هذا الزمان) للحياة التي نعيش ولم يتقرب منهم احد لأحاسيسنا وما نفكر به وما نحتاج له اليوم …اليوم يومنا والامس كان يومهم والغد يوم غيرنا هم اعرف وافهم منا به كما اننا(الجيل) اليوم اعرف وافهم من كل من قال وكتب في كل المجالات قبلنا

توماس اديسون متخلف امام علماء اليوم وانجازاتهم عندما اخترع الاتصال الاول التلغراف… والمصباح لكنه كان اساس بنى علية الاخرين تجارب لينطلقوا وتركوه بحاله وما انجز وما قدم ونادرا ما يذكر وربما في مناسبات معينة فقط… واساتذة الجراحة اكثر دقه ممن سبقهم ولم يذكر احد اليوم من قام بأول عملية زراعة قلب في جنوب افريقيا وان ما قام به في ذلك الوقت يصلح بحذافيره لعمليات اليوم وعلماء النفس يقابلون حالات اكثر تعقيداً مما قابله اساتذتهم…وحتى عمال النظافة هم اليوم اكثر خبره و وعي ممن سبقوهم…وأن المعلم الذي عَلّمَ التلاميذ القراءة والكتاب… يراجع طلابه طالباً المشورة منهم كل في اختصاصه…فمنهم من اصبح طبيب او مهندس او محامي وتدرج البعض في السلم العلمي لمستويات عليا وبقي المعلم يعلم الطلاب قراءة وكتابة حروف اللغة.

نعم قال فلان وقرأته وأخذت منه ما يناسب الحياة وكفى ليتركني انا اقول وهو مؤمن بذلك وقانع لكن الفاشلين الذين لا يجدون ما يقدمون يلجئون الى استعارة ما قال قبلهم بشكل يقترب من المقدس ليلتحقوا برجال الدين الذي ينتقدونهم ويعيبون عليهم تمسكهم بما قيل او ما ورثوه… ومع اشتداد الشعور بالفشل يزدادون تطرفاً ليقدسوا من قال قبل الف عام او مائة عام وهذا من مصادر التخلف والمغذي والداعم له.

الاستعمار والتخلـف:

البعض يربط التخلف بالاستعمار وهذا مجافي للحقيقة…فقد دخل الاستعمار الذي أختلف معه فكريا كل البلدان ولم يكن فيها مدرسه واحده او مستشفى او ورشة او حلاق او صانع احذيه او سائق او سينما او قطار او سيارة او طبيب او شارع معبد او جسر او ماكنه زراعيه او حرفي سباك او لحام او ميكانيكي او كهربائي او….او….او حتى دوائر للطابو (الشهر العقاري) او دوائر الاحصاء وتسجيل النفوس…كان هناك فقط الجوامع التي يذل فيها الانسان ويستعبد ويقاد حاله حال المواشي وهناك السياط

لليوم يجلسون ولكن منبر الخطيب يعلوا ارتفاعا ويغير ديكورا وموادا وزخرفتاَ. ولليوم لم يجدوا حلاَ لما ينتعلون حيث ابتدع البعض ان يضع ما ينتعل بينه وبين قبلته في منظر يجسد اقوى معنى للتخلف والفشل في معالجة موضوع بسيط

وخرج الاستعمار وقد اقامها كلها وعمّر الارض واقام صناعة فليس من الانصاف ان يتهم بترسيخه التخلف. فقط بقيت الجوامع على حالها لان الاستعمار لم يشرف على تأسيسها او بنائها او تطويرها.

سيعترض على ذلك البعض ربما. متمنياً عليهم ان يحكموا التفسير والتحليل ولا اقول العقل لقراءة الموضوع بعيداً عن الجاهز العام من الأمور.

عبد الرضا حمد جاسم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close