لاوجود للمعارضة بالعراق لكونها اداة تخدير مرحلية وتكمن على إشكاليات جمة

أ.د. سلمان لطيف الياسري

من اهم التحولات التي حصلت في العراق بعد العام 2003 هو تغيير نظام الحكم من الشمولي الى الديمقراطي، اذ تنص المادة الأولى من الدستور العراقي النافذ لسنة 2005 أنّ «جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي ووفق هذه المادة فان العراق فيه سلطتين، تشريعية وأخرى تنفيذية، التشريعية هي البرلمانية، التي تشرع القوانين وتصوت عليها وتدفعها بعد ذلك الى السلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومة ووزاراتها التي تدير البلد من امنية وخدمية وصحية واقتصادية إلخ من المؤسسات الحكومية الأخرى , منذ سنوات ونسمع ان العملية السياسية تسير وفق المحاصصة بين الكتل السياسية، ويتم توزيع المناصب وفق التوافقات بين الشركاء في الأحزاب المتنفذة منذ سبعة عشر عاما ولغاية الآن، بينما يركن من لم يحصل على حصته من التقسيم الى ركن المعارضة ويعلن نفسه وكيلا حقيقا عن الشعب المظلوم الذي لم ينتخب ممثليه الحقيقيين. من الغريب في العراق هو ان الجبهة المعارضة لم تعرف ما حقيقة المعارضة، وماهي الخطوط التي من المفترض السير بها لضمان تحقيق مطالب الشعب والوصول الى تطلعاتهم، فهم لا يزالون يحلمون بعدم انقطاع التيار الكهربائي ويمتد حلمهم ليشمل امنية الحصول على فرصة عمل تليق بالخريج وتتماشى مع الاختصاص الذي تخرج فيه، فهذه الكتل وبعد افلاسها كشرت عن انيابها وأصبحت تكيل الاتهامات لشركاء الامس وخصماء اليوم ومع ذلك فان المفارقة لا تزال قائمة، فهم في الوقت الذي يضعون أنفسهم موضوع المعارض، نجدهم يتمتعون بالمناصب الحكومية الرفيعة والدرجات الخاصة، اذ يضعون قدما في الحكومة وأخرى بجانب المعارضة، والهدف الأساس من ذلك هو لكسب تعاطف الجمهور وخلق رأي عام مؤيد لهم والحصول على أصوات اكثر في الانتخابات البرلمانية المتكررة بشكل دوري. المعارضة البرلمانية من الأشياء الضرورية في عمل الحكومات، بل هي ركن أساسي من اركان تدعيم اداء الحكومة وتصويب الخطأ فيه تحقيقا لمصلحة الدولة والشعب بصورة عامة، لكن البعض يعتبر هذا الدور من الأدوار السلبية للكتل البرلمانية، في العموم لا توجد اشكالية حول هذا المبدألكن المشكلة تكمن عندما يُجير هذا الحق في تحقيق مكتسبات خاصة لحزب او لجهة معينة، كأن يكون الحصول على مناصب حكومية لم يكن الحصول عليها سهلا لو لا هذه الالتفافة، ففي جميع البلدان ان مهمة المعارضة السياسية هي فضح الأخطاء في الاداء الحكومي والتمهيد للحصول على أغلبية او استحقاق انتخابي. ان الداء المزمن الذي تعاني منه الحكومة العراقية هو الابتعاد بصورة كبيرة عن المعايير الديمقراطية في إدارة الدولة، فتارة تنادي بضرورة احترام الدستور والرجوع اليه عند اختلاف وجهات النظر، وتارة اخرى نجد ذات الكتل السياسية تتجاوز عليه ولم تلتزم ببنوده للخروج من الأزمات التي تضرب مفاصل العملية السياسية وعوضا عن ذلك فان الأحزاب السياسية ذهبت باتجاه النظام التوافقي الذي حمل البلد ومؤسساته ما لا يطيق نتيجة الأزمات المتراكمة والحلول الترقيعية، التي لم تتعدى دور المسكن الذي يعطى لمن يشكوا من الم لا يمكن تحمله، وبعد ذلك يذهب الألم لمدة معينة لكن اصل المشكلة لا يزال قائما ويعمل على تفاقمها بصورة دائمة و مؤخرا أخذت الجهات السياسية تعرف جيدا مدى فاعلية المعارضة السياسية في النظام الديمقراطي، لكنها في ذات الوقت لديها قصور واضح، بماهية المعارضة وكيف يجب ان تكون، فهي لا تزال تعتمد في أساليب المعارضة على الجوانب النظرية بعيدا الى حد ما عن المصاديق التطبيقية، وبذلك تكون المعارضة فاقدة لأهميتها او للغرض الذي قامت من اجله . نحن اليوم بأمس الحاجة الى انبثاق قوى سياسية جديدة، تأخذ على عاتقها مواصلة المسير في طريق المعارضة السياسية، بعيدا عن التأثيرات والضغوطات الجانبية وهذه المعارضة لن تنجح مالم تكن قد وضعت آلية جديدة تختلف اختلافا جذريا عن الطرق التي اُتبعت في إدارة المؤسسات طيلة السنوات المنصرمة، مع مراعاة استثمار الطاقات البشرية والمادية التي يمتلكها البلد بصورة استثنائية من بين البلدان الأخرى.

سبق لنائب الرئيس العراقي قبل عام 2003 طارق عزيز أن وصف أصحاب المعارضة العراقية بأنهم “مجاميع من اللصوص والقتلة والمأجورين”، وبذات الوصف قال الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل “العراق عبارة عن بنك استولى عليه مجموعة لصوص ليست لهم علاقة بالسياسة أو الحكم. هؤلاء أنفسهم الذين يحكمون العراق منذ عام 2003 إلى اليوم يصفون جميع معارضي العملية السياسية التي أسسها الحاكم الأميركي بول بريمر بأنهم “إرهابيون وداعشيون وبعثيون”، وضمنهم أولئك الذين عارضوا الاحتلال العسكري، ولعل الحكم النهائي يبقى لدى العراقيين سواء الذين تضرروا من النظام الاستبدادي السابق، أو غيرهم، حيث أصبحت الأضرار اليوم أكثر شمولية وقسوة وظلما إذْ تستهدف الإنسان في خبزه وصحته وتعليمه وأمنه قبل حريته , يسود في هذا العهد استبداد وكتم للأفواه من نوع آخر وعلى حد قول بعض العراقيين “ذهب دكتاتور واحد واليوم هناك مئات الدكتاتوريين”. الحرية اليوم هي لمنظمات الإسلام السياسي الشيعي وزعاماته المهيمنة وفق دستور شرّع في ظل الاحتلال لصالح الزعامات الجديدة. ولو كانت للشعب مكانة في رؤوس قادة الأحزاب لتم استبدال الدستور فور خروج الاحتلال الأميركي عام 2011.

لقد عمت الفوضى الأمنية والسياسية ولا توجد حدود واضحة بين المسموح والمحرّم داخل ما سمي النظام “الديمقراطي” على أعقاب تهديم الدولة العراقية وفق الوصفة الأميركية التي فصلت السلطة على مقاسات المكونات الطائفية وبقيادة حكم الشيعة، لكن ممثليها من السياسيين أصبحوا أكثر بعدا عن طائفتهم لغلبة مصالحهم الذاتية الخاصة وغرقهم في بحر الفساد ونهب المال العام ورغم كل ما حصل من كوارث الاستئثار بالسلطة وهياكلها الحكومية لم تُستفز حفيظة الزعامات الحزبية، الشيعية والسنية، لبناء ما يمكن تسميته بالمعارضة داخل البرلمان لتشكل قوة ضغط حقيقية لتحقيق الإنجاز للناس رغم توفر الفرص الجديّة لذلك، لأن هذه الأحزاب لا تمتلك برامج ومناهج فكرية وسياسية تقاس وفقها الأحكام على سياسات الحكومة. جميع الأحزاب مشتركة في الحكم، ومنتجاتها في رئاسة الوزارة تتم بهيمنة الكتلة الطائفية الشيعية، ثم تطورت إلى انقسام شكلي لتلك الكتلة إلى مسميين لا يختلفان عن المنهج السياسي المؤسس منذ عام 2003.

كانت هناك فرصة جدّية أمام التيار الذي يقوده مقتدى الصدر خلال الانتخابات الأخيرة وبعدها، لامتلاكه مجاميع شعبية كادحة ومتضررة وفقيرة، لكي يشكل قوة معارضة حقيقية داخل البرلمان وخارجه، لكنه لم يلتزم بإعلانه الذهاب إلى المعارضة تحت عنوان “كتلة إنقاذ الوطن” ودخل في صفقات التوافق بعد التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لطهران التي شعرت بمخاطر قيام معارضة سياسية قوية قد تغيّر من اتجاهات العمل السياسي بما يناقض مصالح هيمنتها على العراق وبرز نوع جديد من المعارضة بما يمكن تسميته “بالزعل” تحت تأثير الإحباط من عدم الحصول على مناصب وزارية كقرار عمار الحكيم الذهاب إلى المعارضة البرلمانية، واعترف رئيس الهيئة العامة لتيار الحكمة حميد معلة “بأن عدم الحصول على أي منصب في الحكومة هو أحد الدوافع للذهاب صوب المعارضة”.

تعتبر المعارضة فى مفهومها المعروف، هو ذلك التيار الذى يعترض على بعض القرارات ويقدم حلول بديلة فلا يتوقف دوره على انتقاد السياسات والهجوم على المسئولين بل دورها عكس ذلك يهدف إلى مساعدة المسئولين فى الوصول لأفضل حلول للازمات ولكن فى مصر نجد معارضين يستخدمون وسائل تافهة تشعر وكأنهم لا يتعاملون مع دولة وتقتصر أدواتهم على استخدام حلل وصفافير لذلك يمكن أن نطلق عليها معارضة تافهة . فالمعارضة هى حزمة من المبادئ الوطنية والرؤى الواقعية المبنية على برامج ودراسات متخصصين تسهم فى تطوير الحالة السياسية والاقتصادية، بالإضافة لما هو قائم ودعمه والتنويه لنقاط الخلل وطرح الحلول لسد الثغرات.و أن هؤلاء الذين يضعون أيدهم فى أيدى جماعات عميلة ولا يتقنون إلا القيام ببعض الأمور والمظاهر التافهة بغض السخرية والتشويه والتركيز على الشخصيات لا البرامج وعلى أمور سطحية هامشية لا على الاستراتيجيات فهم أبعد ما يكونون عن المعارضة ولا يستحقون الاهتمام بهم أو الالتفات اليهم. وأن لجوء المعارضة لأساليب وأنماط فى الممارسة بصورة سطحية وشكلية غير مؤثر وهناك فارق بين ابتداع أساليب جديدة للمعارضة الحقيقية وبين أتباع مثل هذه الأمور والتى تؤكد على عبث المعارضة فى التقليد..

وفي العراق المعارضة :بعد إفلاسها من المناصب التنفيذية العليا، وطمعها المستمر بالحصول على مناصب خاصة بدأت بعض الكتل السياسية اللجوء الى خيار المعارضة للحكومة، مدعية أنها لجأت الى ذلك لتقييم عمل الحكومة، ولكن وبحسب ما افاد به مراقبون في الشان السياسي فان ما دفع الكتل الى ذلك هو الإفلاس السياسي وعدم تبنيها للفشل المستمر.
واعتبر المراقبون أن المعارضة القائمة في الوقت الحالي داخل البرلمان هي متناقضة وهدفها إفشال الحكومة والإطاحة بها.
ومن المستغرب ان الكثير من الكتل السياسية التي شاركت في جميع الحكومات التي تشكلت بعد 2003 وهم يتحدثون في الوقت الحالي بلهجة معارضة عمل الحكومة رغم استمرار مطامعهم بالحصول على مناصب فيها، وهذا امر متناقض للغاية وأن “الأمر الذي دفع الكتل السياسية الى خيار المعارضة هو الفشل السياسي الذريع وعدم تحقيق أي منجز يذكر وكذلك بسبب عدم قبول تلك الكتل بتبني الفشل في العملية السياسية”، مبينا ان “تلك الكتل تحاول تحسين صورتها امام الجماهير بهذه الخيارات”.
و “بسبب الضغط الشعبي الذي رضخت له حكومة عبد المهدي في تسمية وزراء مستقلين ومن غير المرشحين للإنتخابات التشريعية، ولعدم إكتفاء الكتل بالمناصب الخاصة الأخرى التي تملكها في الدولة سواء في داخل الوزارات او في الرئاسات الثلاث تبنت تلك الكتل موضوع المعارضة الشكلية والذي يتميز بالتناقض وعدم الكفاءة وهدفه إفشال عمل الحكومة و أن “مايؤكد ذلك هو إصرار بعض الكتل على الحديث عن مبدأ المعارضة امام تقاسمها لكافة مناصب الدولة العراقية بدوره رأى المراقب في الشأن السياسي نجم القصاب إن “الكتل التي تتبنى نظام المعارضة النيابية يتوجب عليها ترك جميع المناصب التي تتبؤها في عموم الدولة العراقية، كي لايكون جزء من فشل عمل الدولة”.
واضاف القصاب أن “مادفع الكتل الى هذا الخيار هو عدم حصولها على مناصب وزارية تنفيذية في حكومة عبد المهدي”، مبينا أنه” “لو كان العكس من ذلك فما وجدنا أن هناك كتلة تاخذ هذا العنوان”.
واعتقد أن “مع تزايد محدودية إمتلاك الكتل السياسية للمناصب الوزارية فإن إتخاذ بعض المكونات السياسية لخيار المعارضة خيارا قائما ويذكر أن اوساطا سياسية متعددة قد إنتقدت بعض الكتل السياسية ومنها تيار الحكمة بعد إتخاذهم موقف المعارضة النيابية في الوقت الذي يمتلك عددا من المناصب في الدولة منها بدرجة وكيل وزير و مدير عام ومدير بل وحتى هناك سفراء للعراق حصلت عليها الكتل السياسية عن طريق التقاسم والمحاصصة..

الأحزاب هي الوليد الشرعي للديمقراطية فلا يمكن وصف بلدٍ ما بأنه ديمقراطي إذ لم تكن فيه أحزاب، ومن الطبيعي أن تتنافس الأحزاب فيما بينها للوصول إلى السلطة لتحقيق برامجها الانتخابية، وبالعادة عندما يفوز حزب أو تحالف أحزاب بالانتخابات فأنها تشكل الحكومة لتتولى الأحزاب الخاسرة مهمة المعارضة لها، وهذه المعارضة مهمة وضرورية جداً لدورها الحيوي في تصحيح مسار الحكومة، فلا ديمقراطية حقيقية بدون وجودها، وبالعادة تسعى المعارضة إلى تصيد أخطاء الأحزاب الحاكمة لغرض إسقاطها بكل الوسائل الدستورية والقانونية المتاحة وتشكيل حكومة بدلاً عنها، وعندها ينتهي دورها كمعارضة ويبدأ دورها كحزب سلطة، ليصبح الحزب الحاكم السابق حزب المعارضة وهكذا. اما مصطلح (المعارضة التقويمية) فلا وجود له بالعمل السياسي، لأن عمل المعارضة ليس تصحيح مسار الحكومة وتقديم النصح لها، فالأحزاب ليست جمعيات خيرية على أية حال، أن واجبها هو استغلال الفرص لإسقاط الحكومة بواسطة الاستجوابات أو سحب الثقة، وقد تحصل الحكومة على ثقة البرلمان فتبقى بالسلطة وإذا حصل العكس تستقيل
عد تيار الحكمة المعارض الذي يتزعمه عمار الحكيم القرار الذي أصدرته المحكمة الاتحادية بشأن مفهوم المعارضة وفق الدستور العراقي بأنه انتصار لما أقدم عليه التيار عند خروجه إلى المعارضة، وذلك طبقاً لما أعلنه لـ«الشرق الأوسط» الدكتور صلاح العرباوي عضو المكتب السياسي لتيار الحكمة.
وكانت المحكمة الاتحادية أصدرت أمس حكماً بخصوص مفهوم كتلة المعارضة البرلمانية. وقال المتحدث الرسمي للمحكمة إياس الساموك، في بيان له تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، إن «المحكمة الاتحادية العليا عقدت جلستها برئاسة القاضي مدحت المحمود وحضور القضاة الأعضاء كافة ونظرت طلباً من مجلس النواب بخصوص مفهوم المعارضة السياسية ومدى ارتباطه بأحكام المادة 76 من الدستور»، مبيناً أن «الطلب تضمن السؤال عن مدى سريان مفهوم المخالفة في المادة (76) من الدستور ليفهم منه الحق للكتلة أو الكتل التي لا تنظم إلى الكتلة النيابية الأكثر عدداً أو تنسحب منها لتمثل كتلة المعارضة البرلمانية وأوضح الساموك أن المحكمة الاتحادية العليا أوضحت أن «من بقي من النواب فهو على وفق النظام النيابي الديمقراطي الذي تبناه العراق بموجب نص المادة 1 من الدستور لعام 2005 ولم ينضموا إلى الكتلة النيابية الأكثر عدداً التي شكل مرشحها مجلس الوزراء فلهم الخيار إما أن يشكلوا كتلة معارضة وفق منهاج معين وتشعر رئاسة مجلس النواب بأسماء نوابها ومنهاجها، أو البقاء فرادى يعارضون ما يريدون معارضته من عمل السلطة التنفيذية أو يؤيدونه حسب قناعاتهم»، منوهاً بأن «المحكمة الاتحادية العليا ذكرت أن لكتلة المعارضة التي تشكلت وفق خياراتها ووفق منهاجها جميع الضمانات الدستورية التي كفلها الدستور وقانون مجلس النواب بممارسة الاختصاصات والصلاحيات باعتبارهم يمثلون الشعب العراقي بأكمله إضافة للحصانة التي يتمتع بها عما يدلي به النائب من آراء في أثناء دورة الانعقاد واختتم الساموك بيانه بالقول إن «المحكمة الاتحادية العليا وجدت أن لأعضاء كتلة المعارضة كما لأعضاء الكتلة النيابية الأكثر عدداً التحول إلى أي من الكتل خلال الدورة الانتخابية حسب قناعاتهم وضماناً لحرية الرأي والخصوصية».
وفي هذا السياق، يقول الدكتور صلاح العرباوي عضو المكتب السياسي لتيار الحكمة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذا الأمر مهم جداً في هذه المرحلة كونه خطوة تأسيسية صحيحة تخطوها المحكمة مرة أخرى»، مبيناً أنه «بعد تسجيل الكتلة في البرلمان بوصفها كتلة معارضة صدر قرار مجلس القضاء الأعلى الداعم للمعارضة، واليوم يأتي قرار المحكمة الاتحادية بهذا الصدد ليقطع الطريق على من يقول إن تأسيس معارضة أمر غير ممكن دستورياً وقانونياً وإن التوافقية لا تسمح بولادة معارضة حقيقية ومن جهته، فإن الخبير القانوني طارق حرب يرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «أصل المعارضة لا يكمن في المادة 76 من الدستور بل بالمادة 38 منه، التي تتعلق بحرية الرأي والتعبير». وأضاف حرب أنه «وفقاً لهذه المادة فقد أكون معارضاً أو لست معارضاً وقد لا أكون مع هذا ولا مع ذاك». وحول الجدل المثار بشأن المادة 76 من الدستور ومفهوم المعارضة، يقول حرب إن «المادة 76 تتعلق بتشكيل الحكومة لا تأسيس المعارضة، بينما أنا هنا بصدد المعارضة من عدمه الذي تكون المادة 38 هي الفيصل فيه».
وكان رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي تبادل مؤخراً الرسائل مع زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم على خلفية انتقال الأخير للمعارضة وتنظيمه مظاهرات وصفت بالمليونية. عبد المهدي وقبيل المظاهرات بيومين بدا متشككاً بدوافع المعارضة في ضوء نظام توافقي مثل النظام العراقي الذي تشكل بعد عام 2003، معرباً عن خشيته من أن يتحول مفهوم المعارضة والموالاة إلى حالة شبيهة بالنموذج اللبناني عبر ما يعرف هناك بـ«الثلث المعطل». وفيما حذر عبد المهدي من انهيار الأمن في حال خرجت المظاهرات عن السيطرة، فإنه رأى أن البديل عن الموالاة والمعارضة هي صيغة الأغلبية السياسية التي تحكم والأقلية التي تجلس على مقاعد المعارضة والحكيم من جانبه عد في رسالة جوابية إلى عبد المهدي أن المعارضة حاجة ضرورية في النظام السياسي، وليست مصدر إزعاج للسلطة، مبيناً أن من بين الأسباب التي أدت إلى خروج تياره إلى المعارضة الانفراد في القرار السياسي

عدم وجود معارضة منظمة وقوية لا يعني استمرار كارثة شعب العراق، والرهان الكبير هو على هذا الحراك الشعبي إذا ما توفرت له قيادات منظمة. ومثال كل من السودان والجزائر يشير إلى هذه الحقيقة وقدسبق لنائب الرئيس العراقي قبل عام 2003 طارق عزيز أن وصف أصحاب المعارضة العراقية بأنهم “مجاميع من اللصوص والقتلة والمأجورين”، وبذات الوصف قال الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل “العراق عبارة عن بنك استولى عليه مجموعة لصوص ليست لهم علاقة بالسياسة أو الحكم.وهؤلاء أنفسهم الذين يحكمون العراق منذ عام 2003 إلى اليوم يصفون جميع معارضي العملية السياسية التي أسسها الحاكم الأميركي بول بريمر بأنهم “إرهابيون وداعشيون وبعثيون”، وضمنهم أولئك الذين عارضوا الاحتلال العسكري، ولعل الحكم النهائي يبقى لدى العراقيين سواء الذين تضرروا من النظام الاستبدادي السابق، أو غيرهم، حيث أصبحت الأضرار اليوم أكثر شمولية وقسوة وظلما إذْ تستهدف الإنسان في خبزه وصحته وتعليمه وأمنه قبل حريته. يسود في هذا العهد استبداد وكتم للأفواه من نوع آخر وعلى حد قول بعض العراقيين “ذهب دكتاتور واحد واليوم هناك مئات الدكتاتوريين”. الحرية اليوم هي لمنظمات الإسلام السياسي الشيعي وزعاماته المهيمنة وفق دستور شرّع في ظل الاحتلال لصالح الزعامات الجديدة. ولو كانت للشعب مكانة في رؤوس قادة الأحزاب لتم استبدال الدستور فور خروج الاحتلال الأميركي عام 2011.

لقد عمت الفوضى الأمنية والسياسية ولا توجد حدود واضحة بين المسموح والمحرّم داخل ما سمي النظام “الديمقراطي” على أعقاب تهديم الدولة العراقية وفق الوصفة الأميركية التي فصلت السلطة على مقاسات المكونات الطائفية وبقيادة حكم الشيعة، لكن ممثليها من السياسيين أصبحوا أكثر بعدا عن طائفتهم لغلبة مصالحهم الذاتية الخاصة وغرقهم في بحر الفساد ونهب المال العام ورغم كل ما حصل من كوارث الاستئثار بالسلطة وهياكلها الحكومية لم تُستفز حفيظة الزعامات الحزبية، الشيعية والسنية، لبناء ما يمكن تسميته بالمعارضة داخل البرلمان لتشكل قوة ضغط حقيقية لتحقيق الإنجاز للناس رغم توفر الفرص الجديّة لذلك، لأن هذه الأحزاب لا تمتلك برامج ومناهج فكرية وسياسية تقاس وفقها الأحكام على سياسات الحكومة. جميع الأحزاب مشتركة في الحكم، ومنتجاتها في رئاسة الوزارة تتم بهيمنة الكتلة الطائفية الشيعية، ثم تطورت إلى انقسام شكلي لتلك الكتلة إلى مسميين لا يختلفان عن المنهج السياسي المؤسس منذ عام 2003.

كانت هناك فرصة جدّية أمام التيار الذي يقوده مقتدى الصدر خلال الانتخابات الأخيرة وبعدها، لامتلاكه مجاميع شعبية كادحة ومتضررة وفقيرة، لكي يشكل قوة معارضة حقيقية داخل البرلمان وخارجه، لكنه لم يلتزم بإعلانه الذهاب إلى المعارضة تحت عنوان “كتلة إنقاذ الوطن” ودخل في صفقات التوافق بعد التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لطهران التي شعرت بمخاطر قيام معارضة سياسية قوية قد تغيّر من اتجاهات العمل السياسي بما يناقض مصالح هيمنتها على العراق وبرز نوع جديد من المعارضة بما يمكن تسميته “بالزعل” تحت تأثير الإحباط من عدم الحصول على مناصب وزارية كقرار عمار الحكيم الذهاب إلى المعارضة البرلمانية، واعترف رئيس الهيئة العامة لتيار الحكمة حميد معلة “بأن عدم الحصول على أي منصب في الحكومة هو أحد الدوافع للذهاب صوب المعارضة وحتى وفق نظام المحاصصة السيء كان أدعياء تمثيل السنة وعبر سنوات ما قبل انتخابات 2018 يشكون من التهميش وعدم التوازن، وكانت هناك أيضا فرصة لتشكيل كتلة معارضة برلمانية قوية إلى جانب المنادين بالمشروع الوطني من قبيل إياد علاوي وصالح المطلك وغيرهما، لكن منافع السلطة خطفت الزعامات السنية قبل أن يدخلوا بلعبة الاندماج والذوبان أخيرا في ظل الكتلتين الشيعيتين “البناء والإصلاح”، وانتهى دورهم تاريخيا إلى حين بروز قوى جديدة مؤمنة من بين السنة والشيعة تتوافق على برنامج وطني جدّي للتغيير السياسي, من هنا لا توجد داخل العراق معارضة سياسية منظمة ضد النظام السياسي القائم، فالمعارضون الأكثر تصادما مع النظام القائم هم البعثيون بعد اجتثاث حزبهم وتجريم من يدافع عنه وعن أفكاره حتى لو تم ذلك مجازا.

إن النظام الديمقراطي الحقيقي هو الذي يعطي الفرص لقيام معارضة جدّية وفق الدستور، وهذا غير مسموح به في العراق بل يدخل في باب المؤامرة، وكان من الطبيعي ظهور تشكيلات لمعارضة الحكم خارج البلاد تتوزع على عناوين متعددة أبرزها، إضافة إلى حزب البعث المحظور، هيئة علماء المسلمين التي تلاشى دورها بعد رحيل زعيمها حارث الضاري..

وانعقدت خلال السنوات الماضية عدة مؤتمرات أبرزها مؤتمر باريس عام 2016 برعاية فرنسية الذي انبثق عنه ما سمي “بالمشروع الوطني العراقي” وبدعم الدوحة التي حولته بعد تفاهماتها مع بغداد وطهران إلى مشروع للعمل داخل خيمة العملية السياسية، ولم ينجح في ذلك كغيره من أصحاب المشاريع المعارضة التي انتهت إلى صفقات تتيح المشاركة في الحكم وخلال السنوات الثلاث الأخيرة تشكلت بعض التجمعات المعارضة مثل الهيئة التنسيقية للمعارضة العراقية، وكذلك مؤتمرات صغيرة أخرى في الولايات المتحدة وألمانيا، ورغم تعبيرها عن الإحباط السائد إلا أنها محدودة التأثير لفقدانها لقيادات ذات مواصفات كاريزمية وانعدام الدعم والرعاية الدولية والإقليمية، والأهم من ذلك هو أن كلا من واشنطن وطهران تدعمان بقوة النظام السياسي القائم ولا تسمحان بتغييره. الفعالية الشعبية العراقية كان يمكن لها أن تتحول إلى قوة ضغط هائلة لتغيير بنية النظام السياسي والتي بدأت منذ عام 2011 وتبلورت بالحراك عبر التظاهرات عام 2015 وما بعده بساحة التحرير في بغداد، ثم حراك شباب البصرة الذي قمع بالسلاح واستشهد عدد من الناشطين فيه واعتقلوا بسبب الهجوم على القنصلية الإيرانية وبعض مقرات الأحزاب الحاكمة , طبيعي أن الحراك الشعبي في العاصمة ومدن الجنوب غير مسموح به وحين يصل الشباب إلى مرحلة المطالبة بالتغيير فإنهم يقمعون من قبل الأجهزة الحكومية وميليشيات الأحزاب، رغم أن التظاهر حق يكفله الدستور وإن عدم وجود معارضة قوية لا يعني استمرار كارثة شعب العراق، والرهان هو على هذا الحراك الشعبي إذا ما توفرت له قيادات منظمة. ومثال كل من السودان والجزائر يشير إلى هذه الحقيقة، بغض النظر عن التبريرات القائلة بدكتاتورية الحكم في هذين البلدين

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close