الطب والشعر/ الأحلام

الطب والشعر/ الأحلام
د. حسن كاظم محمد
د. أسامة حسن كاظم
تمهيد ونبذة تأريخية:
تطرّق الكثير من الفلاسفة والحكماء عبر العصور إلى الاحلام في النوم وتفسيرها من خلال الاجتهاد والتأويل الشخصي. وكذلك مرّت الحضارة المصرية القديمة معتقدةً أن الأحلام منزّلة من السماء. كما وظهر في عصر الحضارة الإسلامية العلّامة إبن سيرين الذي عُرف بخبرته في تأويل الأحلام والذي يتناول عموما النص المنامي من حيث خصوصيته الرمزية وأبعاده الدلالية ويعطي تفسيره الشخصي بناءاً على الرمز والقرينة. ثمّ ظهر فرويد في أواخر القرن الثامن عشر مع نظريته بأن مصدر الاحلام هو العقل أي الدماغ وكان مصيباً في ذلك. وأوضح فرويد بأن الأحلام هي تعبير عن رغبات مكبوتة في اليقظة، وأتى بتفسيرات نابعة من التحليل النفسي، وأيّده في ذلك أطباء علم النفس لمائة عام تقريباً. لكن نظريته نُقضت بعدها من قبل علماء الأعصاب لكونها لا تستند إلى دعائم علمية مختبرية. وصولاً إلى منتصف القرن التاسع عشر تطورت الدراسات والبحوث العلمية الفسلجية والكيمياء العضوية وتخطيط فعاليات الدماغ كهربائياً (EEG)، وخلصت إلى تقسيم مراحل النوم إلى مرحلتين؛ مرحلة حركة العين السريعةREM ومرحلة عدم حركة العين السريعةNREM واكتُـشف أن الأحلام تحدث إجمالاً في المرحلة الأولى. أما القفزة الأخيرة في دراسة الأحلام عند النوم فقد كانت بظهور أجهزة الرنين المغناطيسي والتي مكّنت من دراسة الدماغ بأبعاده الثلاثة وتوضيح فعالياته ومعرفة الأجزاء المشمولة في وظيفة الاحلام وصفاتها كالعاطفة والحَرَكة والنظر والذكريات وهذا ما ساعد في تفسير الأحلام وتبيان فوائدها واشترك بهذه البحوث علماء بارزون من الغرب والشرق. وسوف أقدّم للقارئ الكريم وظيفة الاحلام من الناحية الطبية.
الأحلام والتوازن في العواطف وتخفيف الذكريات:
أثبتت البحوث العلمية أن الدماغ (في مرحلة النوم وحركة العين السريعة والتي تحدث غالبا فيها الاحلام) يكون خال من المادة المسئولة عن شدة الاهوال والعواطف المزعجة وهي مادة النورادرينالين .NOR-ADRENALINE، وهذا ما يخفف من شدة انعكاسات ذكريات العواطف والمواقف التي تعرّض لها سابقاً. وقد ذُكر بأن الاحلام تساعد في التئام الجروح العاطفية لسبب قيام الدماغ بالتخلص من الشوائب التي رافقت حدوث العاطفة وشدتها. أما الأحلام المرعبة في المصابين باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والأهوال الليلية (والتي تحدث عادةً كاستجابة للصدمات في الحياة الحقيقية) فغالباً ما يصاحبها ارتفاع في مستوى النورأدرينالين في الدماغ. ومن حسن الصدف أن يكتشف العلماء علاج للمرضى الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم المصاحب لاضطراب ما بعد الصدمة بعقار يعطي فائدة مزدوجة وذلك بتخفيض الضغط وتقليل مستوى مادة النورأدرنالين في الدماغ ما يؤدّي إلى تقليل أعراض الأحلام المرعبة فيما يُعرف باضطراب ما بعد الصدمة PTSD .
الأحلام والإبداع في الإنتاج الفكري:
الإبداعات الخارقة التي ارتبطت مع الأحلام كثيرة عبر التاريخ. في عام 1869حاول العالم الروسي الكيميائي مندليف ترتيب جدول متسلسل لكافة العناصر الموجودة في الطبيعة وقد عمل بجهد كبير ولمدة حوالي الثلاث سنوات وسهر الليالي الطويلة ولم يصل إلى نتيجة. ولكن وبعد نوم طويل مريح فإذا به يحلم بالجدول كاملا ما عدا بعض الترميمات البسيطة واستيقظ مسرعا وكتب جدول العناصر المعروف باسمه.
كثيرا من الشعراء الكبار والموسيقيين العالميين يستيقظون من احلامهم لإكمال القافية أو الشطر المكمّل للبيت الشعري او النغمة المطلوبة للقطعة الموسيقية. هذا لا يكون ممكنا للعموم ولكن لذوي الموهبة العالية، وكل ما ذكر أن الدماغ أثناء الحلم في النوم وحركة العين السريعة قادر على تفسير الرموز وربطها واعطائها المعنى المطلوب لواقع الحال في حياة اليقظة.
فتح الالغاز وحل المشاكل:
أثبتت البحوث العلمية الحديثة بأن الدماغ في مرحلة النوم بعدم حركة العين السريعة NREM يقوم بتجميع وتخزين المعلومات والأخبار والأحداث العامة لحين فرصة استعمالها. وهذا ما يتم تصديره في الحلم في النوم (بمرحلة حركة العين السريعة) على شكل حكمة في حل المشاكل التي يلاقيها الانسان في اليقظة. وهذا ما يحدث عادة عند مواجهة قضية معقدة بدون إيجاد الحل لها، فيُـقال له أذهب ونَـم عليها، ويأتي اليوم الثاني مع الحل الصحيح، ويسمّى هذا النوع بأحلام الإشارة.

الأحلام والشعر:
تطرّق الكثير من الشعراء إلى الأحلام باعتبارها هي الخيال، والشعر بحد ذاته يبحر في الخيال، ومن أجمل ما قيل في الأحلام هو قول الشاعر جرير:
نظرتُ إلى الحياةِ فلم أجِـدْها سوى حلمٍ يَمُـرّ ولا يعودُ
كذلك تمعّن بجمال ما عبّر عنه الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ضمن قصيدته المعروفة يا دجلة الخير:
يا دجلةَ الخيرِ يا مَـن ظَـلّ طائفُـها، عن كلّ ما جَـلَـت الأحلامُ يُلهيني
لـو تعـلـمـيـن بأطـيـافي ووحشـتِـها، وددتِ مـثلي لو أنّ النومَ يجفوني
أجـسُّ يَـقـضـانَ أطـرافي أعالـجها، مـما تحـرّقـتُ في نـومي بآتوني *
*آتوني بمعنى الموقد الكبير
وسأقدم للقارئ الكريم من نظمي بيتين من الشعر القريض، فضلاً عن الأبوذية.
النومُ ليس بِـغَـفوِها وشَخيرها، الـنـومُ أحـلامٌ وضَـرْبُ خَــيـالِ
الـحُلم يُعطي لـلنفوسِ مَـلاذَها، مِـن بَـعدما خُـدعتْ من الأقوال
الأبوذية:
أشوفَـك بالـحِـلم مـو مَـرّه مَـرّات
يَـلْ كُـلَّــك حَـلاوه بْـدون مُــرّات
غِـبْـت بيَـقضتي بَس تِجي مَـرّات
وَفِـز مِن نومـتي وَصْـفـج بِـدَيّـه
وإلى اللقاء

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close