نتنياهو والسلام بالإكراه

نتنياهو والسلام بالإكراه

محمد سيف الدولة

[email protected]

لم يتمالك نتنياهو نفسه خلال الايام الماضية من التفاخر بالنصر الذي حققه بتوقيع اتفاقية (سلام) مع حكام الامارات، فاخذ يتمادى فى القاء التصريحات هنا وهناك كاشفا وفاضحا “نظريته” عن السلام الوحيد الذى يؤمن به ويقبله ويسعى اليه مع الدول العربية ومع الفلسطينيين وهى النظرية التى يمكن تحديد اهم عناصرها من واقع تصريحاته المرفقة فيما يلى:

1) هو سلام بالاكراه، يجبر الدول العربية ونظامها الرسمى العربى عليه ويدفعهم للهرولة اليه، من واقع التفوق العسكرى الاسرائيلى واختلال موازين القوى الهائل لصالحها.

2) هو سلام مع بقاء الاحتلال بل وتوسعه، سلام بدون انسحاب من شبر واحد من اى ارض محتلة، بل مع الاصرار على ضم باقى اراضى الضفة الغربية. وهو سلام يرفض أى حديث عن الأرض أو عن حدود 1967، ويعتبر ان اى انسحاب يؤدى الى اضعاف لاسرائيل.

3) هو سلام بدون الفلسطينيين ورغما عن أنفهم. وبقول آخر هو سلام يحرر العلاقات العربية الاسرائيلية من أى التزام تجاه فلسطين والفلسطينيين، ويسقط كل الاوهام القديمة القائلة بانه لا سلام بين العرب و(اسرائيل) الا من بوابة الحقوق الفلسطينية.

4) بل هو سلام يقوم على تحالف اسرائيلى عربى ضد فلسطين وفى مواجهتها، تحالف سيحرر الدول العربية فى النهاية من هيمنة المطالب الفلسطينية وسيجبر الفلسطينيين ان عاجلا أم آجلا على الخضوع والاستسلام لاسرائيل.

5) هو سلام تفرضه الولايات المتحدة على الجميع، فلولاها لما استطاعت (اسرائيل) ان تمتلك كل هذا “النفوذ الدولى”، الذى يتباهى به نتنياهو على الدوام.

6) وهم سلام عدوانى وعنصرى تجاه الدول العربية ذاتها، ينطلق من ان البقاء فى الشرق الاوسط للاقوياء فقط، أما الضعفاء فلن يكون لهم وجود وسيسقطهم الجميع من حساباتهم، واذا كانت البداية مع فلسطين فإن البقية آتية لا محالة.

7) أما عن الطريق لتحقيق مثل هذا السلام الصهيونى، فهو يبدأ بالاختراق والتغلغل فى المنطقة مع حكام وانظمة الدول العربية، وعلى الأخص مع الخائفين من ايران، العاجزين عن مواجهتها، الراغبين فى الحماية الأمريكية والاسرائيلية، لتأسيس مصالح وعلاقات مشتركة قد تكون سرية فى البداية، ولكن سرعان ما سيتم اشهارها والاعلان عنها بمجرد نضوجها واعداد المسرح العربى لتقبلها، بضغط ومساعدة الولايات المتحدة.

***

وفيما يلى نص تصريحات نتنياهو:

“في يوم الخميس من الأسبوع الماضي أعلنت مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومع الشيخ محمد بن زايد عن معاهدة سلام تاريخية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة.

إنها بمثابة معاهدة السلام الأولى التي يتم إبرامها بين إسرائيل ودولة عربية منذ 26 عامًا، وهي تختلف عن سابقاتها كونها تستند إلى مبدئين مفادهما “السلام مقابل السلام” و”السلام من منطلق القوة”.

وبموجب هذه العقيدة فإن إسرائيل لا يطلب من إسرائيل الانسحاب من أية أراض، إذ تحصد كلا الدولتان ثمار السلام الكامل، والعلني والمفتوح سواء من خلال الاستثمارات والتجارة والسياحة والطاقة والصحة والزراعة وحماية البيئة،ذ وغيرها من المجالات العديدة الأخرى، وطبعًا في المجال الأمني أيضًا.

ولم يتم التوصل إلى هذا السلام لأن إسرائيل قد أضعفت نفسها من خلال الانسحاب إلى خطوط 1967، وإنما بفضل حقيقة أن إسرائيل قد عززت مكانتها من خلال تنمية الاقتصاد الحر، وتعزيز قوتها العسكرية والتكنولوجية ومن خلال الدمج ما بين هتين القوتين هي اكتسبت القدرة على النفوذ غير المسبوق على الساحة الدولية.

ويتجسد هذا الموقع الدولي الرفيع من خلال استعدادنا لمواجهة العدوان الإيراني في المنطقة وللتصدي لمساعيها الرامية إلى امتلاك الأسلحة النووية.

إن حقيقة أننا قد وقفنا لوحدنا، وأنني قد اضطررت في بعض الأحيان للوقوف لوحدي أمام العالم كله أمام إيران وأمام الاتفاقية النووية الخطيرة معها وهذا قد ترك انطباعًا عظيمًا لدى الزعماء العرب في هذه المنطقة.

وما يبرهن على ذلك هو الحقيقة البسيطة أن القوة تقرّب الدول بينما يبعد الضعف عن بعضها البعض.

ففي الشرق الأوسط القوي يبقى ومع القوي يُصنع السلام. إنني أعمل على تعزيز قوة إسرائيل منذ سنوات، وينطبق نفس الشيء على عقيدة “السلام مقابل السلام”.

وهذا ما أقوم به مع زعماء من أنحاء العالم العربي وكذلك من العالم الإسلامي.

وقد وجد هذا الاعتقاد تعبيره العلني من خلال اللقاء الذي جمعني بالرئيس السوداني قبل حوالي نصف سنة، ومن خلال لقائي مع وزراء الخارجية والمسؤولين من ست دول عربية، ومن خلال لقاء علني عقدته في مدينة وارسو قبل سنة ونصف، وزيارتي العلنية لسلطنة عمان قبل سنتين تلبيةً لدعوة السلطان قابوس رحمه الله.

وأقول لكم إن هذا يتمثل أيضًا بلقاءات سرية مختلفة لن أخوض تفاصيلها هنا.

إن هذه العقيدة تتعارض كليًا مع الاعتقاد الذي كان يقضي، حتى ما قبل أيام معدودة، بعدم وجود أي دولة عربية توافق على إحلال سلام رسمي ومفتوح مع إسرائيل، قبل حل النزاع مع الفلسطينيين.

فحسب الأسلوب الذي اتبعه الفلسطينيون والأسلوب الذي اعتمده الكثيرون حول العالم ممن شاطروهم الرأي، فإنه كان يستحيل إحلال هذا السلام لولا استسلامنا لمطالب الفلسطينيين، بما فيها إزالة البلدات اليهودية، وتقسيم أورشليم والانسحاب إلى خطوط 1967.

إن هذا الاعتقاد الخاطئ قد منح الفلسطينيين حق الفيتو الفعلي على إحلال السلام بين إسرائيل والدول العربية.

كما جعل إسرائيل والعالم العربي رهينة في يد أكثر المطالب الفلسطينية تطرفًا، والتي كانت لتضع إسرائيل أمام خطر وجودي بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى.

إلا أن الخطر الأكبر كان يكمن برأيي ربما في قبول عدد لا بأس فيه من الإسرائيليين لهذه الشروط السخيفة.

فهذا الاعتقاد بإمكانية “إحلال السلام المبنى على الانسحاب والوهن” قد فارق الدنيا وتلاشى.

وتم استبداله باعتقاد آخر مفاده السلام الحقيقي، والسلام مقابل السلام والسلام من منطلق القوة. وهذا ما نروّج له حاليًا.

وأذكّركم أنه بموجب المعاهدة الحالية فإن إسرائيل لا تحتاج للانسحاب ولو من متر مربع واحد ناهيك عن خطة ترامب، بناءً على طلب مني، الكي ينص على بسط السيادة الإسرائيلية على مساحة واسعة من يهودا والسامرة.

أنا الذي أصر على إدراج مسألة السيادة ضمن الخطة، ولم يطرأ أي تغيير على هذه الخطة. إن الرئيس ترامب ملتزم بها وأنا ملتزم بإجراء مفاوضات على أساسها.

وإليكم بعض التصريحات التي أدليت بها أمام الأمم المتحدة في عام 2013: “خلال سنين طويلة كان الكثيرون يعتقدون بأن السلام الإسرائيلي الفلسطيني سيفسح المجال أمام المصالحة الأوسع بين إسرائيل والعالم العربي.

لكن وفي هذه الأيام أعتقد أن السلام سيتحقق بالطريقة المعاكسة أي أن توسيع رقعة المصالحة بين إسرائيل والعالم العربي بالذات هو الذي من شأنه دفع السلام الإسرائيلي الفلسطيني إلى الأمام”.

كما قلت حينها مضيفًا: “للتوصل إلى هذا السلام، يتعين علينا النظر ليس فقط إلى أورشليم ورام الله وإنما إلى القاهرة، وعمان، وأبو ظبي، والرياض وغيرها من الأماكن”.

هذه لم تكن عبارة عن نبؤة بل سياسة متسقة وممنهجة أقودها والتي استغرقت عملية تغلغلها عدة سنوات.

والحمد لله إنها تغلغلت وما زالت تتغلغل. حيث أتوقع انضمام مزيد من الدول العربية إلى دائرة السلام معنا.

إنه لتحول تاريخي يدفع عملية السلام مع العالم العربي أيضًا قدمًا، والذي من شأنه في نهاية المطاف أن يدفع السلام، بمعنى السلام الحقيقي، والقابل للمراقبة والآمن مع الفلسطينيين إلى الأمام.

أتوجه بالشكر لجهات مختلفة ساهمت على مدار سنين طويلة في إقامة العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، وفي طليعتها جهاز الموساد كما دعوني أشير إلى مبعوثي الخاص للعالم العربي المحامي يتسحاك مولخو، ورئيس هيئة الأمن القومي مئير بن شبات وفريقه. إنني أشكركم جميعًا.

والشكر الخاص على دفع معاهدة السلام قدما موجه إلى شخص آخر ألا هو السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة رون ديرمر، الذي أنجز عملاً استثنائيًا، بأسلوبه المتواضع والمهني، سويةً مع طاقم البيت الأبيض ونظيره سفير الإمارات العربية المتحدة لدى واشنطن.

وبطبيعة الحال دعوني أعبّر مجددًا عن بالغ امتناني للرئيس ترامب وللشيخ محمد بن زايد، اللذين أفضى التعاون القائم معهما إلى هذا الحراك التاريخي الذي يُعدّ في غاية الأهمية بالنسبة لمستقبل إسرائيل ولمستقبل المنطقة برمتها”.

***

كانت هذه هى آخر تصريحات نتنياهو تعقيبا واحتفالا وترويجا للعلاقات الاماراتية الاسرائيلية. هذا هو ما يقدمه الصهيونى الارهابى اللص لفلسطين والدول العربية، فهل يتوب أنصار السلام من “الواقعيين العرب”، ويتطهرون ويثوبون الى رشدهم الوطنى؟ أم سيتسابقون لاعادة تأهيل أنفسهم وتكييفها من أجل عرض خدماتهم على أسياد العصر العربى/الصهيونى الجديد؟

*****

18 اغسطس 2020

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close