العباس عليه السلام عمق محبة وصدق أخوة

العباس عليه السلام عمق محبة وصدق أخوة

بقلم صبيح الكعبي

عرفتك نذرا للذين تعسروا … . أذا رفعوا أكفا اليك تيسروا

فما عقدوا في اسم عباس حاجة… بهم إلا وبالحال بشروا

الاخوة من افضل وانبل صفة من الصفات التي تميز العلاقة الاسرية المتماسكة والتي نهلت من فيض حنان ومنبع طيب وصدق نية وايمان مطلق , وهي مواقف ومآثر تسجل في سفر العائلة , نقترب أكثر لمعناها الحقيقي ونجسدها على الواقع باستذكار اخوة ابا الفضل العباس مع اخيه الحسين عليهما السلام , تشير الروايات ان أبا الفضل عند ولادته كانت وينب (ع) موجودة اصطحبته لأبيها علي عليه السلام مخاطبه أياه, يا ابتي ارى قلبي قد تعلق به فقال لها هذا كفيلك يوم كربلاء , دلالة واضحة أن الامام يعلم بروح القدس وما يتعرض له ولده الحسين(ع) في قادم السنين من اعداء الاسلام , وللعباس عليه السلام تاريخ مشرف إلا ان يد النفاق أخفته وبددت حقيقته وحصرت رواياتها بواقعة كربلاء بالقربة والماء والعطش , وهذا منافي لحقيقة الشخصية الفذة والشجاعة وجبل الصبر والخلق والايمان والطاعة وامتثال الأمر والنبل والإيثار , فتروي الروايات المؤكدة عن اهل بيت النبوة عليهم السلام انه في معركة صفين طلب معاوية من الأمام علي خروج أبطاله للمبارزة, أختار الأمام ولده العباس وهو شاب وطلب منه عدم إظهار وجهه ولا يعلن اسمه لقوم معاوية خشية ان يرفض من المبارز الأخر وخرج من جانب فريق معاوية أحد أولاد ابي الشعناء وكان فارس معروف آنذاك هو وأبنائه, فقتل العباس ابنه فخرج ابنه الثاني والثالث والعباس يجندله , بسرعة حتى قيل ان الضربة التي يوجهها له لم يلاحظها لسرعتها وهو على هذه الحال حتى خرج له ابي الشعناء وكان عابسا غاضبا يرتجز طالبا بثأر أبناءه وقف أمام ذألك ألفارس الملثم وطلب منه معرفة اسمه فلم يجيبه العباس وكرر سؤاله مرات والعباس لم ينتسب ولم يميط اللثام وهنا قال أبي ألشعناء لم أبارزك حتى تجيبني بنسبك وترفع اللثام عن وجهك والقوم منتبهون صامتون كأن على رؤوسهم الطير والأعناق مشرئبه من الطرفين لمعرفة الفارس الملثم والذي يأب الانتساب وإزالة اللثام وعند هذا ألحد أرسل الأمام علي ابنه محمد ابن الحنفية الى أخيه ألعباس ليرفع اللثام ويجيب الرجل وعرف عن اسمه ونسبه ورفع لثامه وأرتجز حتى صاح ابي ألشنعاء صيحة سمعها القوم في ساحة المعركة وهو يقول (ياويلي) طفل يبترني ويقلع أبنائي (والله لأثكل امك وابكي ابيك عليك) فشد عليه ابي الشعناء وكان غضبه واضحا عليه فاستغل العباس حالته تلك وهوج تصرفه فاستخدم هدوءه ومكر القتال فأسقطه عن جواده بجواده بسرعة وعاجله بضربة علوية واحدة اطار من رأس ابي الشعناء الجزء العلوي فترنح الرجل وسقط تحت أرجل فرسه. ولأبي الفضل اسم آخر (بطل أل كنطرة) (وكبش الفداء) هذه الكنية جاءته عندما أمر الأمام علي عليه السلام قادته بوضع مجموعة من الفوارس الأقوياء على حافة احد الأنهار وفي المكان الذي كان ضيقا خشية ان يعبر العداء الى قلب المعركة وتتغير معادلة القوى بين الفريقين وكانت هذه خطة الأمام لكسب المعركة لكثرة عدد العدو على عدد جنوده ومقاتلي الأمام , وكان من بين الفرسان ألواقفين على ألنهر العباس بن علي واحتدمت المعركة في ميمنتها وميسرتها والقلب فصاح احد الرجال أن القوم قد عبروا ألنهر فرد عليه الأمام هل قتل ألعباس فرد علية الرجل كلا فقال الأمام له إذن لم يعبروا , وكرر الرجل صيحته فرد عليه الأمام هل قتل ألعباس فقال الرجل لا ياأمير المؤمنين فأجاب الأمام علي وبصوت مرتفع قاتلوا ولا تنظروا لقول هذا الرجل ألمنافق (ما يعبر أحد النهر وابن علي مازال على جواده) ,وكان يقصد الأمام ألعباس وكانت محاولات العبور على أشدها لمد ألعدو بالرجال والعدد والعباس يتصدى للقوم بثبات أبيه وشجاعته فكان ما مر به أحد من الأعداء الا مسحه بسيفه او بعجه بعجا ’ ولما انتهت الواقعة توجه الأمام الى ذالك النهر ومعه بعض قادته فوجد الأمام العباس ممتطيا جواده الأطهم , يكاد لا يعرف من كثر الدماء على جسمه وأثار الطعنات وثقوب النبال والرماح على بدنه , برز ابا الفضل العباس كأشجع قائد تشهد له ساحات الوغى وضربات السيوف وقتل الفرسان في المعارك التي خاضها تحت راية أبيه عليه السلام , حتى جاءت ساعة المحنة وامتحان القلوب في يوم عاشوراء التي أبدى فيها الجبل الاشم صمود لا يقهر وجبل لا تهزه الرياح وأراده صلبة لا تلين , فكان رابط الجأش وقوي العزيمة أرعب عسكر ابن زياد وحطم معنوياتهم نفسيا كما هو في الحرب :

وخفت الفرات وجيش الطغاة … به غص شاطئه الممرع

وراحت تلوذ وراء النخيل سيوف بها ترجف الاذرع

لتقطع منك اليمين التي لها السيف من كفها أطوع

بسمك جل الاخاء وهلهل قيثارة المبدع

فموقفك الفيوم الطفوف به كل مكرمات تسجع

غداة استفزت بك الحادثات فرحت لها تطلع

وهز لوائك أنين الصبا يصعد عطش الموجع

وتبتر منك الشمال التي لها كل ذي حاجة يذرع

ويخسأ بدر بني هاشم عود بمصرعه يصدع

ان بطولات أبي الفضل كانت ولا تزال حديث الناس في مختلف العصور ، فلم يشاهدوا رجلاً واحداً مثقلاً بالهموم والنكبات يحمل على جيش مكثّف مدعّم بجميع آلات الحرب قد ضمّ عشرات الآلاف من المشاة وغيرهم فيلحق بهم أفدح الخسائر من معداتهم وجنودهم ، ويقول المؤرخون عن بسالته ـ يوم الطف ـ إنه كلما حمل على كتيبة تفرّ منهزمة من بين يديه يسحق بعضها بعضاً قد خيّم عليها الموت ، واستولى عليها الفزع والذعر قد خلعت منها الاَفئدة والقلوب، انّ شجاعة أبي الفضل وسائر مواهبه ومزاياه مما تدعو إلى الاعتزاز والفخر ليس له وللمسلمين فحسب ، وإنما لكل إنسان يدين لإنسانيته ، ويخضع لقيمها الكريمة.
وبالإضافة إلى ما يتمتّع به من البطولات الرائعة فانّه كان مثالاً للصفات الشريفة ، والنزعات العظيمة ، فقد تجسّدت فيه الشهامة والنبل والوفاء والمواساة ، ومثَّل في سلوكه مع أخيه الاِمام الحسين ( عليه السلام ) حقيقة الاَخوّة الاِسلامية الصادقة ، وأبرز جميع قيمها ومثلها ، فلم يبق لون من ألوان الاَدب ، والبرّ والاِحسان إلاّ قدّمه له ، وكان من أروع ما قام به في ميادين المواساة له ، انه حينما استولى على الماء يوم الطفّ تناول منه غرفة ليشرب ، وكان قلبه الزاكي كصاليه الغضا من شدّة الظمأ ، فتذكّر في تلك اللحظات الرهيبة عطش أخيه الاِمام الحسين وعطش الصبية من أهل البيت عليهم السلام ، فدفعه شرف النفس ، وسموّ الذات إلى رمي الماء من يده ، ومواساتهم في هذه المحنة الحازبة ويقول الرواة: انّه قد استوعب حبّه والاِخلاص له قلب أخيه الاِمام الحسين ( عليه السلام ) حتى فداه بنفسه ، وكان عليه ضيفاً ، فلم يسمح له بالحرب حتى بعد مقتل أصحابه وأهل بيته ، لاَنّه كان يشعر بالقوة والمنعة ، ما دام حيّاً إلى جانبه , وطلب الإمام منه أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش فانبرى الشهم النبيل نحو أولئك الممسوخين الذين خلت قلوبهم من الرحمة والرأفة فجعل يعظهم، ويحذّرهم من عذاب الله ونقمته ووجّه خطابه بعد ذلك إلى ابن سعد يا بن سعد هذا الحسين بن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قتلتم أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء، قد أحرق الظمأ قلوبهم , وساد صمت رهيب على قوّات ابن سعد ووجم الكثيرون وودّوا أن الأرض تسيخ بهم فانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن فردّ عليه قائلاً: ابن أبي تراب لوكان وجه الأرض كلّه ماءً وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة إلا أن تدخلوا في بيعة يزيد لقد بلغت الخسّة ولؤم العنصر وخبث السريرة بهذا الرجس إلى مستوى ما له من قرار. وقفل أبو الفضل راجعاً إلى أخيه فأخبره بعتوّ القوم وطغيانهم وسمع فخر عدنان صراخ الأطفال وهم يستغيثون وينادون العطش العطش ورآهم أبو الفضل قد ذبلت شفاههم وتغيّرت ألوانهم وأشرفوا على الهلاك من شدّة العطش وفزع أبو الفضل وسرى الألم العاصف في محيّاه واندفع ببسالة لإغاثتهم فركب فرسه وأخذ معه القربة فاقتحم الفرات فانهزم الجيش من بين يديه واستطاع أن يفكّ الحصار الذي فرض على الماء فاحتلّه وكان قلبه الشريف كصالية الغضا من شدّة العطش فاغترف من الماء غرفة ليشرب منه إلا أنه تذكّر عطش أخيه ومن معه من النساء والأطفال فرمى الماء من يده وامتنع أن يروي غليله واتجه فخر هاشم مزهواً نحو المخيم بعدما ملأ القربة وهي عنده أثمن من حياته والتحم مع أعداء الله وأنذال البشرية التحاماً رهيباً فقد أحاطوا به من كلّ جانب ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى آل النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأشاع فيهم القتل والدمار وانهزمت الجيوش من بين يديه يطاردها الفزع والرعب , إلا أن وضراً خبيثاً من جبناء أهل الكوفة كمن له من وراء نخلة ولم يستقبله بوجهه فضربه على يمينه ضربة غادرة فبراها ولم يبعد العباس قليلاً حتى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس البشرية وهو الحكيم بن الطفيل الطائي فضربه على يساره فبراها وحمل القربة بأسنانه , وجعل يركض ليوصل الماء إلى عطاشى أهل البيت(عليهم السلام) وهو غير حافل بما كان يعانيه من نزف الدماء وألم الجراح وشدّة العطش , بينما هو يركض وهو بتلك الحالة إذ أصاب القربة سهم غادر فأريق ماؤها ووقف البطل حزيناً فقد كان إراقة الماء عنده أشدّ عليه من قطع يديه وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته وهوى إلى الأرض وهو يؤدّي تحيّته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلا ً)عليك منّي السلام أبا عبد الله…). وحمل الأثير محنته إلى أخيه فمزّقت قلبه ومزّقت أحشاءه وانطلق نحو نهر العلقمي حيث هوى إلى جنبه أبو الفضل واقتحم جيوش الأعداء فوقف على جثمان أخيه فألقى بنفسه عليه وجعل يضمخه بدموع عينيه وهو يلفظ شظايا قلبه الذي مزّقته الكوارث قائلاً:(الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوي)

طاح وصاح ياخوي عنك رحت بليجري عليه أظنك معلمة

هشموا راسي العساجر وعلى الغبرة طحت

وحال سيدتنا زيب العقيلة تنادي اخاها :

وينك يسبع الكنطره … أختك يخويه محيره

عندك خبر خويه أسمعت .. يم النهر كالوا طحت

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close